في جميع أنحاء العالم، ينهمك الباحثون بإجراء أبحاث علميّة سريرية تهدف إلى تطوير العلوم وتوفير نوعية حياة أفضل للبشر، وتنشر نتائج تلك الأبحاث في المجلات العالميّة مع تحديد عدد المشاركين وخصائص عيّنات البحث. في المقابل، يدور اليوم جدل واسع في الدول الغربيّة والعربية حول كيفية ضمان حقوق المشاركين في التجارب العلمية، وكيفية حمايتهم من رغبات الباحثين أو من تضارب مصالح الشركات أو المؤسّسات التي تدير وتموّل الأبحاث. وفي مناسبة اليوم العالمي للأخلاقيات الطبيّة، افتتح أمس في بيروت المؤتمر الإقليمي الثاني الجدل الحالي في سلوك البحث: سلامة البحث، لجان أخلاقيات البحث والتجارب السريرية الدولية» من تنظيم «برنامج سليم الحص للأخلاقيات الطبيّة والمهنية في الجامعة الأميركية في بيروت» بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) والمنظمة الإسلاميّة للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو) وبرعاية «كليفلاند كلينك». وفي كلمة الافتتاح، اعتبرت مديرة «برنامج سليم الحص للأخلاقيات الطبيّة والمهنيّة» الدكتورة تاليا عراوي أنه لم يعد من الجائز أن تبقى البلدان العربيّة بعيدة عن المسائل المتعلّقة في مجال أخلاقيات البحوث وأنه يجب على الباحثين العرب أن يستفيدوا من التشريعات العالميّة وأن يعملوا على تطويرها بما يتناسب مع خصائص مجتمعاتهم. وتنصّ جميع البيانات الدوليّة والقوانين الخاصة بأخلاقيات البحوث العلميّة على ضرورة حماية المشاركين في التجارب السريّرية، وضمان كرامتهم وعدم استغلالهم وتحقيق العدالة والحفاظ على سلامة البحث وموضوعيته والحصول على الموافقة المستنيرة من قبل المشارك. في المقابل، تواجه المفاهيم الواردة في تلك النصوص تحديات عدّة في التطبيق، حيث عرض البروفسور غرغوري لاركن من «جامعة «يال» الأميركية لما يجري في العالم من تضارب في المصالح التي تؤثر على موضوعيّة وهيكلة البحث العلمي ، فترغب بعض المؤسّسات أو الشركات أو الباحثين بالربح المادي أو الشهرة أو تغليب المصالح الفردية والماديّة على منفعة المريض، الأمر الذي يستدعي ضبط فعّال لأخلاقيات البحث العلمي في سبيل حماية الفرد وصحته. وعلى سبيل المثال ، يذكر لاركن بأنّ الكثير من الدراسات التي أجرتها شركات الأدوية العالميّة لم تؤد إلى إحداث فرق في إيجاد علاجات طبيّة متقدّمة، حيث لم تثبت الكثير من العقاقير الجديدة منفعة أكبر من الأدوية الوهميّة أو الأدويّة الكلاسيكيّة، ما يستوجب إعادة النظر في أولويات الدراسات العلميّة في العالم . ففي الأساس، يجب أن تعطى الأولويّة للأبحاث التي تعالج أمراضا منتشرة وخطيرة والتي تهدّد حياة عدد كبير من البشر والتي من الممكن أن تظهر نتائج مفيدة لصحة الإنسان وخير الإنسانيّة. كما يتفاوت تطبيق تلك القوانين بين البلدان المتقدّمة والناميّة، حيث لحظ الدكتور هنري سيلفرمان من جامعة «ماري لاند» الأميركيّة ان الأعوام الماضيّة شهدت زيادة في عدد الأبحاث العلميّة السريرية في البلدان الناميّة التي تشكّل بالنسبة إلى شركات الأدويّة خيارا جيّدا بسبب الكلفة الأدنى وسهولة إيجاد المتطوّعين وتفادي الأطر التنظيميّة الواضحة الموجودة في البلدان المتقدّمة. إلا أن ذلك التوجّه لم يترافق، بحسب سيلفرمان، بنمو للجان خاصة بأخلاقيات البحث في الدول النامية أو بتدريب مختصين محليين في هذا المجال. يضيف سيلفرمان ان دول منطقتنا ما زالت تواجه تحديات عدّة في مجال أخلاقيات البحوث كنقص في التشريعات الموضوعة وفي المختصين المدربين والملمّين بالأطر الأخلاقيّة للأبحاث، وفي الموارد الماليّة لدعم تلك اللجان الأخلاقيّة. كما إن المرضى المشاركين ما زالوا غير قادرين على التمييز بين مفهومي العلاج والمشاركة بالبحث العلمي. وإستنادا إلى المسح الذي قامت منظمة اليونيسكو بين العامين 2007 و2009 والذي شمل سبعة عشرة دولة عربيّة، لحظت مختصة «برنامج أخلاقيات العلوم والتكنولوجيا في منظمة اليونسيكو ـ مكتب القاهرة» أوريو اكبي بأن الأبحاث ذات الصلة بالأشخاص منظّمة في لبنان بطريقة أفضل من البلدان الأخرى كسوريا واليمن. وبحسب اكبي، تعمل منظمة اليونيسكو على إرساء القوانين وعلى تطوير عمل لجان أخلاقيات البحث في العالم العربي وعلى إصدار الكتيبات الإرشاديّة والتثقيفيّة وعلى إنشاء شبكة خاصة تعالج قضايا الأخلاقيات البيولوجيّة المتعلّقة بالنساء اللواتي يعتبرن أكثر عرضة للإستغلال أو التهميش. وفي حديث لـ«السفير»، أكّد وزير الصحة السابق عدنان مروة أن اللجنة الاستشاريّة لأخلاقيات علوم الحياة والصحّة أعدّت قانونا يلزم المستشفيات اللبنانيّة بوجوب تشكيل لجنة أخلاقيّة لمراقبة الأبحاث السريرية وتمّ إرسال القانون إلى وزارة الصحّة العامة وإلى ديوان مجلس الشورى، إلا أنه لم يقرّ بعد. إلى ذلك، يلفت مدير برنامج «حماية البشر في الأبحاث في الجامعة الأميركيّة في بيروت» البروفسور علي أبو علفا إلى أن أهداف برنامجه تتركّز على تأمين حماية الأشخاص المشاركين في الأبحاث الطبيّة والاجتماعيّة والنفسيّة، وفي متابعة مراحل البحث العلمي والتأكّد من سلامته، وفي تحديد أطر التعاطي مع المريض الذي يجب أن يحصل على شرح وافي وموضوعي لجميع إجراءات البحث دون أي إغراءات ماديّة أو نقديّة. ومن خلال تجربته، يلحظ أبو علفا وعي المجتمع اللبناني لأهمية البحث العلمي وتجاوب الأفراد في خوض تجربة المشاركة في الأبحاث السريرية.