سمير قسيمي، من الجيل الروائي الجزائري الجديد الذي يكتب بالعربية، من مواليد 1974 في الجزائر العاصمة، خريج معهد الحقوق، رئيس القسم الثقافي باليومية الجزائرية «صوت الأحرار»، نشر أربع روايات، آخرها «في عشق امرأة عاقر» الصادرة عن «الدار العربية للعلوم ناشرون». حول الكتابة والتجربة هذا اللقاء: عبر سنوات قليلة، اكتشفنا لك أربع روايات، ما يدفعنا إلى طرح السؤال حول الكتابة عندك. هل كان تأخرا في النشر واليوم تصدرها تباعا، أم هي رغبة في استدراك شيء ما؟ ^ ليست سنوات قليلة، بل سنتان فحسب، ففيها نشرت أربع روايات ابتداء بـ«تصريح بضياع» بطبعتيها الجزائرية واللبنانية وانتهاء بآخر أعمالي «في عشق امرأة عاقر»، وهي روايات كتبت في التواريخ المشار إليها في آخر صفحة من كلّ رواية، بمعنى أنني أنشر كلّ عمل في سنة الانتهاء منه، ولعلي من الكتّاب الجزائريين القلائل ممن لا يعانون أزمة نشر، وهو ما يجعلني مرتاحا لحظة الكتابة وهو دافع يجعلني أعمل بجدّ. أما عن عدد ما نشرت في زمن قياسي، فلا علاقة له بالرغبة في استدراك شيء ما، ولا حتى باستسهال الكتابة، بل برغبتي في قول شيء ما في لحظة التفكير به، فأنا لسوء الحظ أو لحسنه أتبع الرواية بالرواية رغبة في التخلص من كل القصص التي تملأ رأسي، لقد صرحت مرة أنني أعاني من ازدحام القصص، في كلّ مرة أكتب عملا ما تنتابني الرغبة في كتابة سواه، فحين شرعت في كتابة نهاية روايتي الأولى «تصريح بضياع» وجدتني من دون قصد أكتب أول فصل في روايتي «يوم رائع للموت»، وحتى قبل أن أبلغ منتصف هذه الأخيرة كتبت أزيد من ربع روايتي «هلابيل» وهكذا، ولكن روايتي الأخيرة «في عشق امرأة عاقر» كانت فريدة من حيث أنها رفضت كل «ضرة» حين كتابتها، ربما لأنني كتبتها وأنا غاضب وحاقد على نفسي. الكتابة بالعربية ثمة جيل من الروائيين الجزائريين يتشكل اليوم، وجلّه انحاز إلى الكتابة بالعربية؟ كيف تصف مسار هذا الجيل الذي تنتمي إليه؟ ^ أنت تصفه بالجيل، أنا لا أصفه حتى بـ«التيار»، وقد أجنح لأقول إنه مجموعة شباب لا أكثر ولا أقل، ومع ذلك فثمة طموح لكتابة شكل مختلف من الرواية، إلا أن هذا الطموح لا يعدو أن يكون إلا طموحا فرديا وشخصانيا، لا حاجة لي أن أتحدث عن حقيقة تعرفونها ربما في لبنان أو في الوطن العربي، وهو أن الجيل الجديد من الروائيين في الجزائر رغم عالمية قراءاته وتقنياته الموصوف بعضها بالعالية، يفتقر إلى أهم شيء تجده في أية دولة، أقصد مدرسة روائية تسمح لنا بالتهيكل والانطلاق، نحن لم نملك في الجزائر ولا نملك لحدّ الساعة مدرسة سردية رغم امتلاكنا لنجوم في الرواية على غرار بوجدرة أو وطار أو واسيني أو مستغانمي أو غيرهم، فهؤلاء رغم ما حققوه من نجاح باهر، عالمي في بعضه، لم يسعوا ولو لمجرد السعي إلى تأسيس مدرسة نتعلم منها، حتى إنه أصبح من الخطر تقليدهم في أي شيء واستغلال أعمالهم في كتابة نص جديد، ولعل المثل الأكثر تجليا هنا، ما فعلته نصوص أحلام مستغانمي في الكتابة النسوية في الجزائر، لقد ساهمت في تراجع الكتابة النسوية وخلقت جيلا من «المتشبهات» بها في الظاهر، حتى لم نعد نقرأ نصا نسائيا إلا ونجد فيه شيئا يشبه أحلام ولكنه مخلوق من دون روح. لم برأيك، بالرغم من هذه «المجموعة» الكبيرة، لا تجد أنها كونت جيلا؟ ^ الأجواء والعقليات في الجزائر لم تسمح بذلك، بعد الاستقلال خضنا حرب هوية شرسة، وما كادت أن تضع أوزارها حتى وجدنا أنفسنا في خضم حرب مع الأصولية، والتي ما كادت أن تتوقف حتى وجدنا أنفسنا في واقع اجتماعي أحسن ما فيه ليس فيه. كل تلك الحقب والمراحل لم تتقاطع إلا عند مسألة واحدة: غياب السياسة في كل شيء. لا يمكن الحديث عن الرواية خارج السياسة الثقافية في الجزائر التي لم تسع إلى تكوين نخبة، ببساطة لأن السلـطة افترضت أنها ستكون أخطر ما يمكن أن تواجهه، فخلقت أدبا سلطويا لا طعم له، وإعلام «كل شيء بخير»، ومؤسسات ثقافية لا تفهم من الثقافة إلا البهرجة والتهريج. مع استثناءات قليلة لا أحد يندد بسياسة وزارة الثقافة الحالية التي وإن بدا أنها تشجع الكتاب والأدباء، فإنها في الحــقيقة تعني بالمظاهر أكثر من الوضع المزري الذي نعيشه والذي جعل بعض الكتاب يتفننون في طرائق موتهم: هذا يضرب على الطعام وهذا يبيع شيئا من جسده وهذا يدفن كتبه وآخر يحرق مؤلفاته. لقد وجهت رسالة تنديد إلى رئيس الجمهورية أشكو إليه فيها سياستنا الثقافية، نشرتها عبر أكثر من موقع بعنوان «إنهم يقتلون الكتّاب باسم فخامتكم» ولكن لا جواب. نعيش في الجزائر حالة شعور بالوهم لا يمكن فهمها على الإطلاق، كل من ينشر رواية أو تتحدث عنه الصحف يزكي نفسه ويستعلي... حالة وهم تقتل الموهبة ولا تساهم في صنع جيل أدبي يستحق التسمية. غالبا ما يأخذون عليك، اختيارك لشخصياتك، إذ لم تنجُ أي رواية من إثارة «حساسية» ما عــند القراء كما عند النقاد؟ برأيك إلى ما يعود ذلك؟ هل أن المجتمع الجزائري لا يستطيع أن يتقبل بعد هذه الرؤية المخالفة؟ ^ لا أعتقد أن الأمر يتعلق بالجزائري بقدر ما له علاقة بالعربي بشكل عام، وإن كنت أعتقد أن المجتمع الجزائري أقل تفتحا من سواه على عكس ما يبدو، أشعر بذلك كلما قادني الحديث عن رواياتي وشخصياتي، فأدهش لبعض الأحكام التي تصدر في حقي وعلى أعمالي، أحكام لا علاقة لها بالأدب ولا حتى بالمهنية، أحكام «تفتيشية» يصدرها البعض ممن ينسبون أنفسهم إلى الأدب. في آخر مرة بعيد صدور روايتي «هلابيل» كتب أحدهم في الجزائر مقالا عن الرواية ويصفها بالمخلّة بالآداب وهادمة لمؤسسة الزواج المقدسة، صحيفة أخرى تكـتب عن «يوم رائع للموت» أنها رواية تتـعاطف مع الشواذ وتصرح بفكري الوجودي، وكتب آخر في يومية أخرى عن «تصــريح بضيــاع» إنها رواية تتحدى الله والقضاء والقدر. لم نعد بصدد نقاش أدبي أو محاورة ثقافية، نحن نكتب أدبا ونحاكم بعدها على أننا رجال دين، أو منتمين إلى المؤسسة الدينية. بأي معنى تصف بالقول إنك تختار شخصيات غريبة؟ هي شخصيات موجودة في المجتمع، لكن ربما لم يتم التطرق إليها من قبل، في الرواية العربية والجزائرية؟ ^ هذا صحيح، ولكنني هنا أتحدث بلسان البعض ممن يرون أنني أبالغ في رسم شخصياتي إلى درجة أن بعـض الصــحافيين في الجزائر زعم أنني أخـلق شخصــيات تمنحني المزيد من الإثارة، أي أنني أبالغ في وصف مآسيها واهتماماتها. هنا أحب أن أذكر ما قاله لي مرة الروائي المتميز بشير مفتي معلقا على مشهد شابين يتغازلان في أحد القطـارات وهو مشـهد من روايتــي الأخــيرة، سألني بطيبة واستغراب: «أيمكن أن تحدث مثل تلك المغازلات التي وصفتها في روايتــك في قطاراتنا»، في هذا كان السؤال مشروعا إلى حد ما، لأن ما أصبح يحدث في الواقع يتجاوز كثيرا الخيال، ثم إن السلوك في النهاية نسبي الى أبعد حد. المحاكمة يبدو ذلك بمثابة ظاهرة متفشية اليوم في العالم العربي، وهي محاكمة كلّ شيء وفق المفهوم الديني، وكأن على مرجعية النقد الأدبي أن تعتمد على المرجعية المقدسة؟ برأيك، لماذا آلت الأمور إلى هنا؟ ^ هذا لأن لا أحد يحترم تخصصه، لاسيما رجال الدين ممن جعلوا أنفسهم ظل الله في الأرض، كما أن الدين أصبح تخصص من لا تخصص له استسهالا أو استرخاصا، لا أدري. إلا أنني على عكس ما تتصور لست مستاء من هؤلاء بقدر ما أنا مشفق عليهم، لأنهم بذلك يقتلـون الأدب في أنفسهم كما يلغون العقل بكل تعقيداته وهم يُعملون الدين في حكمهم على أعمال لا علاقة لها بالدين. ومع ذلك فلا أعتبر أن محاكماتهم الأدبية ـ الدينية تؤثر في مسار الأدب الحر والنزيه والمستقل عن كل سلطة وإن كانت سلطة الله. تشير إلى قضية جوهرية وهي نظرتنا إلى الأدب، ماذا تريد أنت من الكتابة؟ ^ لا شيء غير التنفيس عن ذاتي وعن الآخرين، فمهــما يكن لست أكثر من صائد متعة وبائع متعة. عادة حين أسلم مسودة روايتي لبعض الأصدقاء لقراءة أولى قبل اقتراحها على ناشري، أطلب منهم أن يجيبوني عن الانتـهاء من قراءتــها على سؤال واحد وواحد فقط «هل استمتعتم بالقراءة؟»، وبحسب إجاباتهم تكون إضافاتي وتصحيحاتي، فأنا لا أومن بقداسة النص، إذ يمكنني أن ألغيه في لحظة واحـدة، أذكر مثلا أنني أعدت كتابة نهاية روايتي «تصريح بضياع» سبع مرات لأن أحد أصدقــائي لم تقنعه النهاية، وعدلت في «يوم رائع للموت» خمس مرات تعديلات جوهرية بالإضافة والحذف لأنني لم أستمتع بالمسودة الأولى. بالطبع أحلم أن أملك رؤية مثالية للأدب ولغاياته الكبرى ولكنني للأسف أو لحسن الحظ لا يمكنني أن أرى في لحظتي الكتابة والقراءة إلا فرصة للتنفيس عن الذات والاستمتاع بما أصنع من حكايا وقصص. حاوره: إسكندر حبش