نشطت في السنوات العشر الأخيرة في منطقة البقاع الغربي، زراعة الأشجار المثمرة، محتلة مساحات واسعة من الأراضي السهلية والجبلية. وقد تركزت معظم تلك الزراعات على شجرة الدراق، نظراً لوفرة إنتاجها وجودة نوعيتها من جهة، وتوفر الأسواق المحلية والعربية لتصريف منتوجاتها، لكنها تواجه في العام الحالي مشكلات متعددة، حيث انخفضت الكميات المصدرة إلى الأسواق المستهلكة في سوريا والعراق وبعض الخليج، بنسبة تعدت الـ 40 بالمئة من أصل النسبة المسجلة في السنوات الماضية، والتي لامست الـ 70 بالمئة من الإنتاج، نتيجة الوضع الأمني القائم في سوريا. كما تقلصت نسبة الاستهلاك في السوق المحلية إلى 15 بالمئة، من أصل ثلاثين بالمئة، بسبب التراجع الواضح بنسبة السيّاح والمصطافين، إلى جانب مشاكل أخرى لا تقل أهمية عن سابقاتها، تتمثل بارتفاع أسعار كلفة الإنتاج، الناجمة عن غلاء أسعار الأسمدة والأدوية والمحروقات، واليد العاملة، وضمان واستثمار الأراضي، يضاف إلى ذلك غياب وزارة الزراعة عن وضع خطة زراعية استراتيجية، تتضمن الترشيد والمراقبة، وفتح أسواق تصريفية جديدة في أوروبا، وإعادة النظر بمعدلات الدعم التي تقدمها «إيدال» للمزارعين. ولا يقتصر ضرر التبعات الناتجة عن تلك المشاكل المتعددة والمتنوعة، على المزارعين، فهي تطال غالبية الشرائح المجتمعية في المنطقة وحتى خارجها، نتيجة انخفاض وتقلص حلقة الدورة التشغيلية والمالية، ما يعني سقوط ركن أساسي من أركان القطاع الزراعي في البقاع الغربي، الذي يعد مصدراً للعيش لأكثر من 50 بالمئة من أبناء المنطقة، في أتون أزمة من شأنها أن تهزّ الأمن المعيشي وتزعزع الاستقرار الحياتي. وتحتل زراعة الدراق مساحات واسعة من الأراضي في البقاع الغربي، قد تتعدى العشرة آلاف دونم. وتتركز في المنطقة الممتدة من مشغرة جنوبا، وحتى سهول المنصورة وعميق شمالاً، ويتراوح عدد أشجارها بين 55 و60 ألف شجرة. وتبلغ إنتاجية الدونم الواحد كمعدل وسطي، تبعاً لنوعيته، ووفقا لحالة الطقس، بين 2 طن و2,5 طن. ويحين قطاف بعض الأنواع في حزيران من كل عام، وتمتد الفترة حتى أيلول. وينبه سمير خاطر (مستثمر في زراعة الدراق) من «كارثة حقيقية على مستوى الزراعة، لاسيما لجهة التصريف»، لافتاً إلى أن «نسبة التصدير إلى الأسواق السورية والعراقية وبعض الخليج، انخفضت إلى حدود الـ 40 بالمئة من أصل النسبة المسجلة في السنوات الماضية والبالغة 70 بالمئة من المنتوج المحلي، وذلك بسبب عدم الاستقرار الأمني القائم في سوريا، في مقابل تدني نسبة الاستهلاك في السوق المحلية إلى النصف، نتيجة تراجع نسبة عدد السياح في لبنان»، مؤكداً على «ارتفاع كلفة الإنتاج في العام الحالي، بمعدلات خيالية، بحيث بلغ سعر صفيحة المازوت الثلاثين ألف ليرة، بدلاً من 15 ألف ليرة. وبات سعر طن الكيماوي الذواب من نوع عشرينيات إيطالي أو إنكليزي ألفي دولار اميركي، بدلاً من ألف دولار. وأضحى سعر استثمار الدونم من الأرض 120 دولاراً بدلاً من 60 دولاراً. فضلا عن غلاء اليد العاملة». ويشير إلى أن ذلك «الغلاء في الكلفة، يقابله انخفاض حاد بأسعار البيع، حيث بلغ سعر الكيلوغرام الواحد المصدر إلى الأسواق العربية في الأعوام الماضية 1200 ليرة لبنانية، لكن لم يتجاوز سعره اليوم الـ 600 ليرة». ويوضح خاطر أن «بعض الأصناف من الدراق المنتج في المنطقة لا يحتمل التبريد، بينما الأنواع الأخرى لا يمكن تبريدها لفترات تتعدى الـ 25 يوماً». وقال: «هنا تزداد الكلفة وتبقى أسعار المبيع على حالها»، لافتاً إلى أن «المزارع يضطر إلى تلف كميات كبيرة من منتوجاته بعد إصابتها بالاهتراء، نظراً لعدم وجود الأسواق الاستهلاكية محلية كانت أو عربية»، مشيراً إلى أن «كبار المستثمرين في القطاع يفوق عددهم على المئة، بينما أصحاب الملكيات الصغيرة يتجاوز عددهم الخمسمئة». وأكد خاطر على أن «الخسائر التي يتكبدها المستثمر في زراعة الدراق في العام الحالي قد تفوق مبلغ الخمسمئة دولار في الدونم الواحد»، متسائلاً عن «دور وزارة الزراعة في الإرشاد والمراقبة وفي فتح الأسواق الجديدة وفي الدعم، خصوصاً أن شجرة الدراق من أهم الزراعات، لكن الشجرة تتطلب عناية تتراوح بين 7 و8 سنوات لتبدأ بالإنتاج». ودعا الدولة إلى «إعادة النظر في معدلات دعم المزارعين التي تقدمها إيدال، والتي لم تتجاوز الـ 15 بالمئة، من أصل 60 و70 بالمئة كانت تقدمها الدولة». وحمل الدولة ووزارة الزراعة مسؤولية «فتح أسواق جديدة للمنتج، الذي نشطت زراعته في السنوات العشر الأخيرة»، معتبراً أن «لبنان قادرعلى إنتاج كميات ذات مواصفات مطلوبة عالمياً. وتلك الأسواق يمكن أن تخفف من الخسائر التي يتعرض لها المزارع، لجهة النوعية والجودة، وخفض كميات الأسمدة والأدوية». وحثّ المزارع أبو كريم عزام الدولة ووزارة الزراعة على «وضع خطة استنهاض للقطاع الزراعي، وتنفيذها على مراحل من أجل الحدّ من الكوارث التي يتعرض لها القطاع»، مشدداً على «تضمين الخطة آليات لتنفيذ المراقبة على الزراعات المستحدثة، إن لجهة حاجة السوق المحلية أو الخارجية لها، حتى لا تفيض كميات العرض عن الطلب، وفتح أسواق جديدة بإتجاه أوروبا، وتنفيذ المواصفات المطلوبة عالمياً بالنسبة لأي منتجات زراعية، والتركيز على إرشاد المزارعين باستمرار، وتقديم الدعم المطلوب لهم حتى يتمكن المزارع اللبناني من الخروج من المآزق الكارثية التي تواجهه سنوياً في أي نوع من الزراعات». ولفت إلى انه من أصحاب الملكيات الصغيرة في زراعة الدراق، مؤكداً على أن تلك «الشجرة مهمة، وهي ذات إنتاجية عالية، كما أنها ذات جودة عالية»، لكن كما قال: «تواجه مشاكل عديدة، خصوصاً لجهة تصريف الموسم في ظل الوضع الأمني القائم في سوريا. وهي البلد الأكثر استهلاكاً للدراق، يليها العراق وبعض دول الخليج»، مشيراً إلى أن «السوق المحلية ضيقة، ولا يمكنها استيعاب الكميات المنتجة، من هنا فالدولة هي الوحيدة المخولة التفتيش عن الحلول لتخرج المزارع من الكوارث والأزمات التي قد يتعرّض لها، حتى تحافظ على الاستقرار المعيشي والأمن الحياتي له». ويشير أبو كريم إلى أن بعض الأشجار خلال مدة العناية المطلوبة، والتي تصل إلى 8 سنوات، يصاب بالهلاك، وبعضها يعطي نوعية غير مطلوبة وغير جيدة، «عندها يضطر المزارع بعد كل هذه السنوات من التعب، إلى قطعها أو تطعيمها بأنواع أخرى، مع ما يستتبع ذلك من خسائر فوق الخسائر».