As Safir Logo
المصدر:

الناتو وليبيا.. و«أنسنة» نزاع باسم الشهوات النفطية

النيران تشتعل في منشأة نفطية أصيبت خلال المواجهات بين الثوار وقوات القذافي في رأس لانوف (م. ع. م)
المؤلف: متى وسام التاريخ: 2011-08-25 رقم العدد:11971

ثمة قاعدة ذهبية يتفق حولها معظم علماء السياسة، وهي أن سياسة الدول تخضع في المقام الأول للمصالح الاستراتيجية والحيوية، وبذلك، فإن كل ما يُحكى اليوم عن «التدخل الإنساني» و«حماية المدنيين»، ما هو إلا شعارات تصبّ في خانة الدعاية السياسية التي يسعى الغربيون من خلالها لتبرير عملياتهم العسكرية ضد ليبيا، فيما لا يحتاج المرء إلى التفكير كثيراً لكي يدرك أن تدخل حلف شمال الأطلسي لدعم الثوار المنتفضين ضد نظام الرئيس معمّر القذافي يستهدف بالدرجة الأولى الاستحواذ على النفط، الذي ما زال المحرّك الأساسي للنزاعات الدولية في العالم بأسره. ربما يعتقد البعض أن إقحام عامل النفط في الصراع الدائر في ليبيا حالياً، والذي يأتي في سياق «ربيع الشعوب العربية» التي هزت العالم العربي من محيطه إلى خليجه، ما هو سوى «أسطورة» لجأت الأنظمة القمعية، كنظام معمر القذافي، في إطار استراتيجيتها الدفاعية أمام رياح التغيير، أو «لغة خشبية» لم تعد تلقى آذاناً صاغية لدى الشباب المنتفض من أجل الحرية والديموقراطية والكرامة الإنسانية. لكن الواقع يشير إلى أن ثمة محاولات حثيثة تقودها الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون لتفريغ ثورات الشعوب من مضمونها التحرري، سواء عبر احتوائها وهي في نقطة الانطلاق، أو انتزاع المكاسب منها عندما تصبح في مرحلة الانتصار، أو حتى وأدها وهي في المهد. ولعل المقاربة التي اعتمدها الغرب للانقضاض على ثورة 17 فبراير في ليبيا، تشكل النموذج الأكثر وضوحاً للاستغلال الذي تمارسه القوى الأطلسية للثورات العربية من أجل تحقيق مكاسب على الأرض، وهي ترتبط تحديداً بالمصالح النفطية عندما يكون الحديث عن دولة مثل ليبيا. وبالرغم من أن نظاماً كالذي كان يقوده معمر القذافي من باب العزيزية، قد وفر للغربيين حصة لا بأس فيها من الكعكة النفطية في بلاده، فإن غريزة القوى الامبريالية في نهب ثروات الشعوب لا ترضى بأقل من الكعكة كاملة. توجس تاريخي والواقع أن ثمة عوامل تاريخية وأهدافاً استراتيجية تشكل اليوم العنصر الرئيسي للسياسة النفطية التي ينتهجها الغربيون، وأيضاً الصينيون والروس، في ليبيا. ولعل هذه العوامل تعود إلى بداية عصر النفط في ليبيا، في أوائل الخمسينيات من القرن المنصرم، حين أرسى الليبيون قاعدة جديدة للتعامل مع الشركات النفطية، وهي إتاحة الفرصة أمام أكثر من شركة للحصول على امتيازات محدودة في نطاقيها الجغرافي والزمني، وذلك خلافاً لما كان سائداً في منطقة الشرق الأوسط منذ مطلع القرن العشرين، لجهة تفضيل الدول المنتجة منح الامتيازات لشركة واحدة كما هي الحال مع السعودية («أرامكو»)، والعراق («أي بي سي»)، وإيران «الشركة الانغلو ـ اميركية»... الخ. وبذلك، فقد تمكّنت ليبيا، في عهد الملك السنوسي، من أن تجذب عشرات الشركات لاستكشاف واستخراج ثرواتها النفطية، وقد تراوح عددها بين 19 شركة مع بدء تصدير النفط من مرسى البريقة عام 1961، إلى نحو 40 شركة عشية ثورة الفاتح من سبتمبر عام 1969، وكان أبرزها «إكسون» والأميركية، و«شل» الألمانية، و«بي بي» البريطانية، و«إيني» الإيطالية. ومع وصول القذافي للحكم، إثر انتصار الثورة، بدا واضحاً أن النظام الجمهوري سيعتمد سياسة جديدة إزاء الشركات الأجنبية، مدفوعاً بنزعة تحررية طمحت إلى اقتلاع كل رواسب الاستعمار في ليبيا. ومما لا شك فيه أن القذافي قد فكر كثيراً في تأميم هذا القطاع، ولكنه أحجم عن القيام بذلك، بتأثير مباشر من الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، الذي نجح في لجم أي خطوة من قبل العقيد المتهوّر، وذلك حتى لا تتكرر تجربة محمد مصدق في إيران (1953)، ولتجنيب ليبيا، الجمهورية الوليدة، مخاطر حرب غربية على غرار العدوان الثلاثي على مصر بعد تأميم قناة السويس عام 1956. ولكن القذافي وجد من يؤمّن له خطة «جهنمية» لتحقيق طموحاته، وهو وزير النفط السعودي الأسبق عبد الله التريكي، الذي اقترح عليه الضغط على الشركات الأجنبية، واللعب على تناقض المصالح في ما بينها، للحصول على حصص إضافية من الأرباح لمصلحة الخزينة العامة، وهو ما حدث بالفعل مع الكثير من الشركات. ولكن مع بداية السبعينيات، اتخذ القذافي موقفاً هجومياً، إذ سارع إلى تأميم شركة «بي بي» البريطانية، رداً على موقف لندن من احتلال ايران الجزر الإماراتية الثلاث، قبل أن يقترح تسوية استعادت معها الشركة البريطانية امتيازاتها، بشروط جديدة، وهو أمر تكرر مع معظم الشركات النفطية، التي فرضت عليها ضرائب تراوحت بين 20 و50 في المئة. سنوات العزلة ومنذ أواسط السبعينيات، كانت الشركات النفطية الغربية قد بدأت تغادر ليبيا، التي أصبحت تدير قطاعها النفطي، بطاقة انتاجية بلغت نحو مليون برميل في اليوم، من خلال «الشركة الوطنية للنفط والغاز»، ما در المليارات إلى خزينة القذافي، وقد استثمرت في التنمية في الداخل... وتمويل النزاعات المسلحة في الخارج. ولعل هذه الاستقلالية النفطية تفسّر، بشكل أو بآخر، سنوات العزلة التي بدأ يواجهها العقيد الليبي منذ نهاية السبعينيات، بعدما عمدت الإدارة الأميركية إلى إدراج ليبيا في لائحة الدول الراعية والمصدرة للإرهاب، وأتبعتها، هي والاتحاد الأوروبي، بسلسلة عقوبات، بينها الحظر على المشتقات النفطية، بعد تفجير ملهى برلين، وإسقاط طائرة الـ«بان آم» فوق لوكربي، والهجوم على الطائرة الفرنسية. وبالرغم من الانعكاسات السلبية الخطيرة لهذه العقوبات، فإن نظام القذافي تمكّن من إيجاد أسواق بديلة سواء في تركيا أم البرازيل، أو حتى في بعض الدول الأوروبية، لكن ذلك أدّى في الواقع إلى انخفاض العائدات النفطية، خصوصاً أن هذه المرحلة اقترنت بانخفاض كبير في الأسعار العالمية. رفع العقوبات... ابحث عن النفط مع نهاية التسعينيات بدت الأمور تأخذ منحى مختلفاً، فنقص الانتاج النفطي الذي سببه الحصار الغربي على العراق، وبدء المساعي الأوروبية لتأمين مصادر جديدة للطاقة، وبروز الصين وروسيا كمنافسين جديدين على الساحة الدولية، جعلت الأوروبيين بداية، والأميركيين في ما بعد، مستعدين لتسوية ما مع العقيد الليبي، الذي أحسن التقاط تلك الإشارات، فسارع إلى تأييد واشنطن في حربها على الإرهاب بعد هجمات 11 أيلول، وأعلن تخليه عن مشروع القنبلة النووية، وتسليم المتورط الرئيسي في تفجير الطائرة فوق لوكربي، وهو ما أسهم في رفع كل العقوبات المفروضة على نظامه بحلول العام 2003. وبذلك، بدا أن ليبيا مقبلة على فورة نفطية جديدة، فقد سارعت عشرات الشركات العالمية للحصول على عقود نفطية في ليبيا، وباتت مدينتا طرابلس وسرت محجة للقادة الغربيين، كسيلفيو برلوسكوني وجاك شيراك وطوني بلير وجيرهارد شرودر وكوندوليسا رايس، فيما أصبح القذافي يجول في أوروبا كالفاتحين والكل سعداء به... أو بمعنى أصح بنفطه. دماء من أجل النفط قد يتساءل البعض عن الدوافع التي دفعت بـ«الأطلسي» للتدخل عسكرياً في ليبيا، والتخلي عن القذافي، بعدما وفر للغربيين عقوداً بمليارات الدولارات، لكن الحقيقة أن ثمة عوامل كثيرة تجعل من العقيد الليبي شخصاً غير موثوق فيه من صانعي القرار في الدول الكبرى، ولدى المتعاملين معه في القطاع النفطي. ولعل ما قاله العقيد الليبي في المحاضرة التي ألقاها عبر الأقمار الاصطناعية لأساتذة وطلاب جامعة «جورج تاون» في العام 2009، قد عزز شكوك الغربيين في هذا الإطار، إذ لوّح يومها بـ«تأميم قطاع النفط» في ظل التقلبات التي شهدتها الأسعار العالمية في تلك الفترة. علاوة على ذلك، فإن الولايات المتحدة، ومنذ مطلع القرن الحادي والعشرين بدأت تنظر إلى النفط في أفريقيا كأولوية في استراتيجتها لتأمين الطاقة، ولهذا فقد بدأت تعد لخطط نفطية طويلة الأمد في القارة السمراء منذ العام 2002، حين جمع الرئيس السابق جورج بوش فريقه الرئاسي، وعدداً من قيادات الكونغرس، وخبراء نفطيين ومندوبي الشركات النفطية في منتدى خاص، خلص إلى ضرورة رفع حجم مستوى الصادرات النفطية من الدول الأفريقية إلى الولايات المتحدة من 15 في المئة وقتها إلى 25 في المئة بحلول العام 2015، علماً بأن احتياطيات النفط في أفريقيا تتراوح بين 80 و100 مليار برميل، أي ما بين 7 و9 في المئة من إجمالي الاحتياطيات العالمية. ومن المعروف أن حجم الاستثمارات الأميركية في قطاع النفط في دول إفريقيا بلغت نحو 35 مليار دولار في الفترة الممتدة بين العامين 2003 و2008. ولعل الاهتمام الأميركي بالنفط الإفريقي يعود إلى جودته، إذ يحوي نسباً قليلة من الكبريت، وتستخرج منه كميات كبيرة من البنزين، إضافة إلى أن طبيعة المناخ في القارة السمراء تجعل التنقيب عن النفط واستخراجه أكثر سهولة مقارنة بمناطق أخرى في العالم، عدا أن معظم حقول النفط في دول أفريقيا تقع في عمق البحر، ما يعني أنها محمية إلى حد ما من الاضطرابات الداخلية، فضلاً عن أن المواقع الجغرافية لحقول النفط الإفريقية تؤدي عملياً إلى تخفيف كلفة نقله إلى الدول المستهلكة بنسبة 40 في المئة. ولليبيا موقع مميز في الخريطة النفطية في إفريقيا، إذ تحتل المرتبة الأولى من حيث حجم الاحتياطيات (42 مليار برميل أي ما يعادل 3,34 في المئة من احتياطي العالم)، وتليها في ذلك نيجيريا، كما أن نفطها يتميز بجودة عالية، وتكلفة استخراجه متدنية نسبياً، عدا أن موقع ليبيا المجاور لأوروبا يوفر لها ميزة نفطية إضافية بالنظر إلى قربها من شبكة خطوط الأنابيب الأوروبية، وهو ما يفسر حماسة فرنسا وبريطانيا لمؤازرة ثوار بنغازي، ومن بعدهما إيطاليا، منذ أن أيقن سيلفيو برلوسكوني أن أيام حليفه في الحكم قد باتت معدودة. وعلاوة على ذلك، فإن دخول الصين كمنافس قوي في القارة الأفريقية يفسر إلى حد كبير استثمار الأطلسيين لمليارات الدولارات في إلقاء آلاف الأطنان من الصواريخ على المدن الليبية، ولعل المردود الاقتصادي لهذا الاستثمار قد جاء موفقاً بعدما أعلن المجلس الوطني الانتقالي أن من ساعد الثوار على إلحاق الهزيمة بالقذافي سيكافأ نفطياً... وتأكيد رئيس شركتهم النفطية بأن ثمة مشاكل في هذا الإطار مع كل من الصين وروسيا والبرازيل، وهي الدول التي رفضت فرض عقوبات على نظام القذافي، وظلت تدعو لتسوية سلمية. بذلك يمكن القول إن «التدخل لحماية المدنيين» في ليبيا، كان في واقع الأمر «تدخلاً لحماية النفط». ولعل في ذلك عبرة لدول أخرى، تمتد من السعودية إلى أذربيجان، لتدرك أن تحالفاتها النفطية مع الغرب قد تنهار في أي وقت.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة