1 انقضى الموعد ولم يتحقق حلم جماعة من المعلمين والصوفيين: في الستينيات، كانت تحور وتمور افكار تدعو الى »الانفتاح« داخل الفرق المغالية، واهل العرفان، والتشيّع السني كما المغالي اي الباطني... وقد كان المعلم كمال جنبلاط، ونفر من اتباع تلك الطوائف او »المذاهب الخصوصية التاريخية«، يخططون من اجل تصور استراتيجيا متناقحة واسهامية تعيد صياغة الفرق الاسلامية ضمن الكل المرن او البنية العامة الواحدة والمتحركة. وقد كان مصطفى غالب، وخصمه منافسه عارف تامر، ثم اسعد علي وأحد أقربائه (لعله كان خاله)، من المكافحين. لقد اهتموا جميعا، بحسب ما كان يتذكر محمد علي الزعبي، بأن يعيدوا التفسير لمفاهيم ركيزية ركنية، من نحو: الولاية، الامامة، المعصومية، المهدية... وقد كان المتوقع ان تعلن تلك التفسيرات الثورية ومن ثم الدعوة الى العودة الى الارومة والسِّنخ او النبع والاصل، في نهاية هذا القرن، في هذا العام وتحديدا وتعيينا. لقد انقضى الموعد؛ ولم تحقق الخطة الاستراتيجية. ليس فقط لأنها كانت ضد التاريخ، او غير منغرسة في مشكلات المجتمع والفرد والمستقبل؛ او غير نافعة. ان العوامل الهادمة، والعقبات الدينية والتاريخية، لم توضع اصلا امام المهتمين. فقد ظن هؤلاء الاخيار الحالمون ان مجرد الالتفاف حول اهداف سياسية واجتماعية مشتركة، ومجرد الاتفاق على محاربة الغاصبين المحتلين وكافة اعداء الحضارة والتراث ومستقبل الامة، كانا يكفيان لإسقاط كل عقبة تمنع القراءة التاريخية او التفسير السياسي الاقتصادي للمفاهيم المؤسسة المحركة داخل الفرق »المغالبة«، والعرفانيين الشاطحين، والحياديين حيال قطاع باطني سميك داخل مذهبهم السني (الصراطي) اصلاً ونهجاً واستمرارية. 2 الحركة الشيعية الصراطية (والافكار الصوفية) في جانبها المهمل دراسته: الفرق الشيعية السنية (1) جماعة من الفرق السياسية الدينية ترى، في خطوط كبرى، في علي الخليفة الشرعي للنبي. وقالت بأن »الامام« يكون أفضل انسان من السلالة الهاشمية، ومنصوصا عليه اي معينا من جانب سلفه. وهنا يجب التنبه الى ان ذلك التركيز الشديد على الامام (الخليفة، الحاكم السياسي والديني معا) محدد الزمن بعدد من الأئمة كان اثناءها الاسلام طرياً؛ والقول بالحق المسبق لحاكم ما قضة شائعة. فبعد الإمام الاخير يعود الامر السياسي، بطريقة ما، الى الامة المؤمنة. وهنا تعود النظرية الشيعية، كما الصوفية، في توجّه قوي، للالتقاء بالنظريات الاسلامية الشائعة او مع الاعتزال بخاصة حول مفاهيم سياسية، من نحو: الامام وتعيينه ووظائفه، مباحث السلطة وشؤونها، احكام مدنية واقتصادية وتشريعية، التقاء الديني بالسياسي الخ.. 3 المعصومية: اكتسبت صفة معصوم، التي هي الميزة الرئيسية للامام طيلة فترة، معنى غير ما قُصد به في البدء. اذ كان الشيعة، كفرقة سياسية، يمعنون في تبجيل الامام وإعطائه الصفات العالية الدينية كلما ازداد ابتعاد الحكام عن المثالي؛ بل وكلما ضعف الطالبيون من ناحية ثانية سياسية. مغرقة في الشطح هي الصفات التي تشملها العصمة، ومؤمْثَلَة مكملِنة؛ فمنهم من اعطى الامام صفات تقربه من الله، وهم لا سنيون اي هم الغلاة؛ ومنهم من جعله فقط معينا من قبل ابيه اذا حاز الفضائل، والكمال السلوكي، والتشبع الديني. وهذا هو المعنى التاريخي للعصمة؛ بدليل ان اسماعيل، كمثال من بين الكثير، كان إماما حتى رأى ابوه افضلية اخيه موسى عليه. قد تكون العصمة اكتنزت، عبر تطورها التاريخي، بدلالات مغرقة في المثالية والفَضْلَنة والأتمّية. لكن ذلك »الإرفاع« الايماني السياسي ظاهرة معروفة في فرق سنية، وفي التصوف، وفي العالم اجمع لا سيما في الحضارات القديمة للانسان. واذن، فالعصمة، في تحليلنا، هي من المبادئ الاساسية، تلك التي هي ايمان بأن الرئيس هو قدوة المؤمنين، واكثرهم زهدا، وأقدرهم سياسة؛ وافضل الموجودين في النظر بشؤون الدين والدنيا ]في الرئاستين[. وقد تأثر الفارابي وبين سينا ونصير الدين الطوسي، وغيرهم من الفلاسفة المسلمين، بهذه الآراء حول الرئيس من حيث الخصائص، ومن حيث الوظائف والدور الاول في المجتمع والدولة او الدين وحتى في الآخرة. 4 التقية والمهدية: وهناك مبدأ اجتماعي آخر هو التقية التي تكون الوسيلة السياسية السائدة، والأصح، في عصور القمع. انها تقضي باستعمال الروية وحسن التدبير حتى تحين الفرصة للثورة وتصحيح السلطة. وقد رفض كثيرون اعتبارها اساسا او حكما عاما. انها تعود الى الظروف والى نفسية نوع من الافراد. انها ظاهرة يومية، تعرفها كل الأمم؛ انها ظاهرة من التاريخ لا في الدين. والحركة الشيعية ليست هي، كما قد يظن البعض، الفهم الفارسي لنظام الحكم الاسلامي: فالقول بحكم تيوقراطي هو واقع اجتماعي عادي في ذلك المجتمع، وظاهرة قال بها الامويون والعباسيون اي كان هو المفهوم السائد للخلافة. وهنا نقول ان الحركة الشيعية تدور حول شرعية وعدم شرعية الحاكم، وحول نسَبه وشخصيته، اكثر مما تهتم بنواح ثانية او بتفصيل في الصلاحيات وتحديد نظام حكم عام. وهناك مقولات عرفانية وشيعية اخرى، نظير المهدي مثلا، تتفق مع الفهم السني لها عموما. الا ان تلك الافكار اخذت في التشيُّع الصراطي، كما التصوف العرفاني، منحى مفرطا من المبالغة. وذلك الإلحاح يفسر بعوامل مجتمعية وتاريخية، وبمقاصد وغايات سياسية كان لا بد عليها من ان تمتزج بالعقائد الدينية بحكم الظواهر التاريخية وطبيعة الاسلام الذي لا يفرّق بين السياسي والروحي (الديني، التعبّدي). 5 المرونة المحجوبة، نسيان الاصل والاكثرية او السِّنْخ والنبع: الشيعة الامامية، كالزيدية، ليست باطنية. وليستا مختلفتين عن المذاهب السنية اختلافا عميقا. فهما »فرقتان« مقيدتان بالكتاب والسنة، الا انهما اكثرتا من ضروب الاجتهاد والنظر العقلي في العدل والتوحيد. انهما، والاعتزال عموما، في وحدة؛ وخاصة إبان العصر البويهي وما بعده حتى اليوم (وهذا، مع الوعي بالنفور الزيدي، مثلا، من قرابتهم للمعتزلة). ونعود لمبدأ قلناه مفاده ان الخلاف السياسي الاساسي هو خلاف حول خلافة النبي؛ وبالتالي فالقول بالامامة الاثني عشرية محدد بفترة زمنية، او بعدد من الأئمة. بعد ذلك يعود كل شيء، مبدئيا، الى الاتفاق في النظر السياسي، مع القائمين على السلطة؛ اي اتفاقاً حول الدين؛ وحول شؤون السياسة ايضا (2). ولو ان نظام الحكم لم يكن قمعيا، ومستأثرا، لكانت المفاهيم الدينية، عند الفرق الاسلامية المتنوعة، غير بعيدة عن مفاهيم المستأثِرين والمنتفِعين بالحكم. فمثلا، في تشديد صاحب عقيدة ما على عقيدته يؤكد ذاته باستمرار، ويحميها، ويثبت لنفسه انه على حق، ويثبتها على مواقفها. ولذلك ايضا يغالي في التقوقع، وفي اسقاط الفضائل الكثيرة على أئمته، وفي مَثْلَنة ابطاله، وتعميق الدائرة التي يقع داخل خصوصياتها وأسيجتها، لذا فلا حكم يكون صائبا على العقائد إن لم تؤخذ الظروف التاريخية في الحسبان: ان نقص »الديموقراطية«، وغياب الحرية السياسية، وعوامل القمع والفقر والاستبداد، أشياء قد ادت الى نشوء الفرق. ونشوء الفرق الدينية ظاهرة طبيعية في تلك الظروف الاجتماعية، وداخل مظلة التوحيد للروحي مع السياسي عند الحاكم (السلطان، الخليفة). 6 الامامة او الولاية اجتهاد: والامامة، بالمعنى المعطى لها في التشيع السني، ليست مقدمة على انها تنفي ما غيرها. انها فكرة القائل بها، كغير القائل بها، في الجنة وداخل الدين، وفي دائرة الكتاب والسنة. فرفض القول بالامامة، كما يقول أئمة المذهب وجمهوره، لا يعني شيئا كثيرا. والقول بها غير ضروري الا للمزيد من النعيم في العالم الآخر (1). ليس ذلك التقديم للامامة اتجاها جديدا او اجتهاديا داخل المذهب، هو اساس المذهب في نقائه وخارج الطوارئ عليه. انه الاتجاه المهملة دراسته. لقد انوجد في التشيع الصادقي ]التشيع السني، او الصوفي، كما اقول[، منذ البداية وبغير توقف، تيار لم يؤخذ بعد بالدراسة. فمنذ البداية حصل اتجاه داخل المذهب لا يرى في الامامة والولاية والعصمة (وما الى ذلك من مفاهيم خاصة) افكارا بعيدة عن العقلاني، والاجتماعي، والقابل للتطبيق. ان ابن سينا، مثلا، خير ممثل لذلك التيار الذي يجسد الجانب الفلسفي للنظرية الشيعية السنية. كما ان مفكرين، منذ النهضة حتى اليوم، امثال الافغاني (ومحسن الامين، واحمد رضا وسليمان ظاهر، لا يرون في السياسة الشيعية وفي مفاهيمها الخاصة اية دلالات سحرية او غير صراطية واضحة. يقال الامر عينه في صدد التصوف، وعند العرفاني. لقد قالت فرق اسلامية عديدة ان الله هو الوصي على الامة، وان من لطف الله عليه تعيين امام لها (2). وقضية تعيين الحاكم وسلطاته وعلائقه مع الجماعة لم تكن قديما وفعلا قضية تتعلق بما يوعزه الله للناس ان ينصّبوا هذا او ذاك عليهم. ان الامور السياسية او الشؤون الاقتصادية، هي عند اي مسلم مقيد بالكتاب والسنة، ملزمة بالاخلاق، اي بالدين الاسلامي عموما، او بأهل الدين من حيث مصالحهم ودنياهم. وليست النشاطات الاقتصادية، او تعيين الدول والحكام منزَلة. انها ظواهر للتطوير والدراسة والمبادئ. إنها ظواهر مرتبطة باختيار بشري، وانتفاع من التاريخ الاسلامي والعالمي، وتنظيم، وعلوم متعددة. من جهة اخرى، ان مبدأ النص والتعيين، الذي تجده عند الفارابي وابن سينا مثلا، لا يعني انه لم يوجد عند المسلم الذي تولى الحكم أمويا كان ام عباسيا ام سلجوقيا. فذلك المبدأ هو عينه الذي بموجبه يعين فيه الحاكم (او الخليفة او السلطان) خليفة له. انه هو هو المعنى الذي نعرفه عند الملوك، وعند الخلفاء، والسلاطين. هو لمصلحتهم لا لمصلحة الجماعة؛ فاء على فئة لا على الفئات كافة. وسنة الحياة هزمت منذ بعيد ما ليس هو في مصلحة الاكثرانية داخل المجتمع، وفي الحضارة والسياسة. هوامش 1 هي الفرق التي بقيت مقيدة بالكتاب والسنة. اما داخل الفرق الشيعية الباطنية، وبعض الحركات الصوفية المغالية، فنجد القول بنسخ او إبطال للكتاب والشريعة او التكاليف. 2 ليس الانتقال من مذهب اسلامي الى مذهب آخر انتقالا او تغيرا على الصعيد السياسي العملي او في شؤون الحكم والادارة والسلطة من طرف الى طرف. ففي الحالتين تبقى الظاهرة السياسية محكومة لا بالمذهب، بل بعوامل تاريخية اعمّ واغنى. 3 درسنا شيئا من ذلك الجانب المغفَل في: التفسير الصوفي للقرآن عند الصادق، بيروت، دار الأندلس، 1979؛ ايضا: مؤسسة عز الدين، بيروت، 1993. 4 قا: نظرية الحاكمية لله في الفكر الاسلامي الراهن (عند الاخوان المسلمين، مثلاً).