من الثورة الى الثورة... كلمات أربع تختصر مسيرة العقيد الذي قرر القدر، بسخريته القاتلة، أن يسلب منه بالثورة، سلطة 4 عقود حصل عليها بالثورة ايضا، وكانت لتدخل عامها الثاني والأربعين في 1 أيلول 2011، ذكرى «ثورة الفاتح من سبتمبر». أجمعت الصحف بعناوينها العريضة ومتابعو التطورات في ليبيا على اقتراب «نهاية معمر القذافي» الذي رفض مذ هبّت رياح «الربيع العربي» أن يستسلم للتغيير، حتى تحوّلت ثورة ليبيا، على خلاف ثورتي تونس ومصر، الى انتفاضة مسلحة تشبه جزئيا ذلك الانقلاب الذي قاده القذافي و«الضباط الأحرار» في العام 1969 ضد الملك محمد إدريس السنوسي، بنجاح. في ذلك اليوم المفصلي من تاريخ ليبيا، حدث الانقلاب العسكري بهدف تقويض حكم المملكة الليبية واعلان نشوء الجمهورية العربية الليبية، فتشكلت حركة الضباط الوحدويين الأحرار في الجيش بقيادة الملازم أول معمر القذافي وقامت بالزحف باتجاه مدينة بنغازي لتحتل مبنى الإذاعة وتحاصر القصر الملكي بقيادة الضابط الخويلدي محمد الحميدي، قبل أن تستولي على السلطة وتسارع المملكة بالتنازل عن الحكم حيث كان السنوسي خارج البلاد في رحلة لتلقي العلاج في تركيا. اذاً، كانت بنغازي ـ كما هي اليوم ـ المحطة الأبرز في خطوات التغيير. نجح القذافي، قائد الانقلاب ـ الذي نعت الثوار الحاليين بـ«الجرذان الانقلابيين» ـ في صياغة مستقبل بلاده السياسي والعسكري. فلم يوفر فرصة التفاوض السريع آنذاك مع البريطانيين والأميركيين حتى حصل على جلائهم عن القواعد الأجنبية داخل ليبيا ملغياً الاتفاقيات العسكرية معهما في العام 1970 ومصادراً أملاك الايطاليين في الوقت عينه. حاول القذافي اضافة بعدٍ ثقافي على مشروعه الثوري، معلنا في ربيع 1973 عن «الثورة الثقافية» و«النظرية العالمية الثالثة» (التي انتظمها «الكتاب الأخضر» في ما بعد). ويمكن القول ان ليبيا سارت مذاك على قاعدتين: الاولى أن القرآن الكريم هو أساس الحياة فيها، والثانية أن القومية العربية هي الهدف الذي تسعى الى تحقيقه، بنفسٍ «ناصري» ساد المزاج الليبي العام. في 2 آذار 1977، اطلق على ليبيا اسم «الجماهيرية الليبية العربية الاشتراكية الشعبية». يومها، قدم العقيد الى المؤتمر الشعبي العام «النظرية العالمية الثالثة»، بحيث ان السلطة، تكون بيد الشعب الذي يمارسها عبر مؤتمر الشعب العام (يجتمع مرة كل 3 سنوات او عندما تدعو الحاجة) ويكون هو مصدر السلطة. أما اللجان الشعبية فتكون لجميع الفئات العاملة من الشعب الليبي. خطوة بلورها العقيد اكثر فاكثر في مؤتمر الشعب العام في طرابلس العام 1979، مستقيلا وأربعة من رفاقه (أعضاء في مجلس قيادة الثورة السابق) من الأمانة العامة للمؤتمر لمصلحة كبار الموظفين في الحكومة، محتفظا بسلطة الإشراف على الجيش. مشاريع إقليمية.. توسّعية هاجسٌ عسكري ظهر جلياً في نيسان من العام التالي، يوم عقد في العاصمة مؤتمر القمة الرابع لـ«جبهة الصمود والتصدي» الذي ضم فضلا عن القذافي، الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد، والسوري حافظ الأسد، واليمني الجنوبي علي ناصر محمد، ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات. اذ تقرر يومها إنشاء «قيادة عسكرية موحدة» مركزها دمشق، والاعتراف بـ«الجمهورية الصحراوية العربية الديموقراطية» وإيفاد بعثة الى موسكو لتقوية العلاقات الاقتصادية والعسكرية القائمة بين هذه البلدان وبين البلدان الاشتراكية، وفي مقدمتها الاتحاد السوفياتي. لم يكتف العقيد «الطموح» بهذا القدر من «التوسع العسكري»، اذا جاز التعبير، طارحا مشروعين إقليميين واسعين: الأول، قيام وحدة اندماجية مع سوريا في أيلول 1980، قبِل به الرئيس حافظ الأسد آنذاك ووقّعا بعد أيام «إعلانا» يقضي بإنشاء دولة موحدة على رأسها «قيادة ثورية واحدة»، إلا أن الإعلان بقي إعلاناً. والثاني، توقيع الرؤساء الليبي والأثيوبي، منغيستو هايلي مريم، واليمني الجنوبي، علي ناصر محمد، في آب 1981 معاهدة تعاون سياسي واقتصادي وعسكري بين البلدان الثلاثة، وهو ما تفسّر بأنه محاولة سوفياتية لإحكام قبضتها على شمال وشرقي إفريقيا. اما الحرب الليبية ـ التشادية، فكانت حربا على دفعات، اندلعت بين العامين 1978 و1987، حيث كانت الجولات في الأعوام 1978، 1979، 1980ـ1981 و1983ـ1987. في معظم هذه المحطات، قام العقيد بدعم عدد من الفصائل المشاركة في الحرب الأهلية التشادية، في حين وجد مناوئو القذافي الدعم من جانب الحكومة الفرنسية التي تدخلت عسكريا لإنقاذ الحكومة التشادية في الأعوام 1983، 1978 و1986، إضافة إلى دعم من قبل الولايات المتحدة التي كان القذافي يناصبها العداء. زادت الحرب الطويلة بين البلدين الإفريقيين التي كان اهم اسبابها قطاع أوزو المتنازع عليه، من وطأة التباعد بين اميركا وليبيا وبين ليبيا والغرب عموما، اذ قال المؤرخ ماريو أزيفدو ان السبب الآخر للحرب كان «انشاء القذافي دولة عميلة في تشاد بنظام جمهورية إسلامية على غرار الجماهيرية، والتي كان من شأنها طرد الفرنسيين من المنطقة ومد نفوذه إلى أفريقيا الوسطى». إذاً، جعل القائد العسكري، بناء القوات المسلحة اولى مهامه لدى توليه السلطة، مشرفا ايضا على التنمية السريعة في ليبيا خصوصا انها كانت تعرف في السابق بأكثر من حقولها النفطية وصحرائها، حيث كانت مسرحا لمعارك ضخمة بالدبابات في الحرب العالمية الثانية. العزلة الدولية تكرست عزلة القذافي على نحو خاص عقب حادث تفجير طائرة «بان اميركان» العام 1988 فوق لوكربي في اسكتلندا، على أيدي عملاء ليبيين. وقتل في الحادث 270 شخصا، فيما فرضت الأمم المتحدة العام 1992 عقوبات للضغط على طرابلس لتسلم الليبيين لمحاكمتهم، ما أصاب اقتصاد ليبيا الغنية بالنفط بالشلل، كما خفضت الروح الثورية لدى القذافي وخفت حدة تصريحاته المناهضة للرأسمالية والمعادية للغرب. وفي محاولة لإعادة البلاد الى الساحة السياسية العالمية، تخلى العقيد عن برنامج بلاده للأسلحة المحظورة العام 2003. وفي ايلول 2004، رفع الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الحصار التجاري الأميركي رسميا عن ليبيا كردّ على تخلي القذافي عن برنامج التسلح وتحمله مسؤولية تفجير لوكربي. كذلك ايطاليا. خطت الدولة الاوروبية خطوة تاريخية في آب العام 2008، لمحو آثار العلاقة السيئة مع ليبيا. اذ وقع رئيس الوزراء الايطالي سلفيو برلوسكوني، اتفاقية دفع بموجبها مبلغ 5 مليارات دولار لليبيا ليُعتبر ذلك بمثابة اعتراف معنوي بالأضرار التي ألحقتها ايطاليا بليبيا في عهد الاستعمار الذي دام 25 عاما. اما «تنشيط العلاقة مع ليبيا»، فكان العنوان العريض الذي ظلل العلاقة الأميركية الليبية في الآونة الأخيرة، بعدما التقت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندوليسا رايس الزعيم الليبي في أيلول 2008، معلنة عن دخول العلاقات «مرحلة جديدة»، قبل أن تتحدث خليفتها هيلاري كلينتون عن العنوان ذاته في نيسان 2009. أربعة عقود ونيّف مرت على حكم الرجل العسكري «الغريب الأطوار»، لم يهتز خلالها عرشه. لكن رياح شباط العاصفة، كانت الاعنف... وقع العقيد الذي أمضى فترة قصيرة من حياته في مركز تدريب تابع للجيش البريطاني في قبضة «ثورة شبابية».. كانت للغارات البريطانية ايضا، والغربية عموما، كلمة الحسم فيها.