As Safir Logo
المصدر:

أم كلثوم: إنجاز بثلاثة أضلاع

المؤلف: سحاب الياس التاريخ: 2000-02-04 رقم العدد:8518

صدفة التزامن بين حلول الذكرى الخامسة والعشرين لرحيل سيدة الغناء العربي »أم كلثوم«، مع انهاء عرض المسلسل الهام عن حياتها، تستدعي أكثر من ملاحظة: 1 لقد اجتازت أم كلثوم حتى الآن، أو اجتاز فن أم كلثوم بعد رحيلها، امتحانين كبيرين في موضوع »الخلود الفني«. الامتحان الأول كان نجاحا يوميا لاسطوانات وأشرطة أم كلثوم، في تبوؤ مقدمة المبيعات باستمرار، في فترة الازدهار الغريب لموجة الفن الاستهلاكي. أما الامتحان الثاني، فجاء مع المسلسل الذي كتبه محفوظ عبد الرحمن وأخرجته إنعام محمد علي، والذي أثار لدى كل العرب، بين المحيط والخليج، حالة التوحد الوجداني الذي كانت تثيره أمسية »أم كلثوم« في الخميس الأول من كل شهر. علما بأن حظ المسلسل في أداء مثل هذه المهمة لم يكن مؤكدا، في إحدى أسوأ مراحل الإحباط السياسي والاجتماعي التي تجتازها الأمة العربية. 2 إذا كان نجاح أم كلثوم في اجتياز هذين الامتحانين الكبيرين في مجال »الخلود الفني« يمكن أن يوصف لدى الأجيال العربية المخضرمة بأنه قد ينحصر في مساحة الحنين الى الماضي الجميل، والى الذكريات الوجدانية ذات الطابع الشخصي، فإن مثل هذه الأوصاف، لا تنطبق أبدا على الموجات المتلاحقة من الجيل الجديد الذين يشكلون نسبة عالية من إعادة اكتشاف فن أم كلثوم بعد رحيلها، سيما أن الأخبار الصحافية التي غطت هذا الموضوع، تشير الى زحف شبابي باتجاه أغنيات أم كلثوم الأكثر قدما، بعد أن ظلت شهرة أم كلثوم لدى جيل الشباب محصورة في أغنيات فترة الستينيات. 3 لقد نال المسلسل التلفزيوني عن أم كلثوم، قسطا من الرقي في المعالجة، ومن دقة المعلومات (على الرغم من نواقص واضحة في هذا المجال)، الأمر الذي أدى (ولو جزئيا) الى لفت نظر كل الأجيال العربية (المخضرمة والشابة)، الى ان الانجاز الفني العربي الكبير الذي يحمل اسم أم كلثوم، لم تكن العظمة الاستثنائية لصوت أم كلثوم إلا ضلعا من أضلاعه الثلاثة، أما الضلعان الآخران فهما: } دور بيئة أم كلثوم العائلية ثم الثقافية، في بناء شخصيتها الإنسانية على سوية ثقافية راقية، تربت على الجذور العميقة للثقافة العربية في الأدب وفي الموسيقى. } دور عباقرة التلحين الذين أحاطوا بأم كلثوم، واستخدموا صوتها للتعبير عن ثورتهم الموسيقية، خاصة في النصف الأول من حياة أم كلثوم، حين لعب كل من أبو العلا محمد، وداوود حسني (الذي أغفله المسلسل) ومحمد القصبجي وزكريا أحمد والسنباطي، أدوار الأساتذة المؤسسين للشخصية الفنية العملاقة لأم كلثوم. 4 إذا كان لا بد في الملاحظة الأخيرة من كلمة عن أنجح وسيلة لتكريم »أم كلثوم«، فالحقيقة أن ما هو حري من الأمة العربية بالتكريم حاليا، هو تراثها الموسيقي كله في القرنين الأخيرين، الذي تشكل أم كلثوم (ومجموعة ملحنيها وشعرائها) علامة بارزة من علاماته. فهذا التراث لا يتعرض فقط لإهمال شديد الغرابة في أجهزة الإعلام العربية (الإذاعية وخاصة التلفزيونية)، ولكنه يتعرض أيضا لإهمال أكاديمي وحضاري مروع لا مثيل له عند أي أمة أخرى، سواء في مجال التدوين بالنوطة، أو تأريخ سير عظماء الموسيقى والغناء، أو حفظ هذا التراث في تسجيلات رقمية حديثة، أو استكمال الدراسات النظرية بشأن الانجازات الهائلة التي حققها الموسيقيون العرب بين منتصف القرن التاسع عشر، وثلاثة أرباع القرن العشرين. فليس أليق من قيام العرب بواجبهم الحضاري ازاء تراثهم الموسيقي الحديث هذا، من وسيلة لتكريم أم كلثوم، وسواها من العباقرة الذين صنعوا لنا هذا التراث، الذي يكاد يضيع من آذاننا ومن بين أيدينا.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة