As Safir Logo
المصدر:

25 عاماً على رحيل أم كلثوم .. تاريخ في حضورها وفراغ في غيابها، تأملات وشهادات من فنانين ومثقفين قيثارة العرب قامت بذاتها أم بغيرها؟ تبقى دائماً معجزتنا أم أن »مغني الأمة« انقضى أوانه؟

العام 1933 في بيروت
مع نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم
القامة التي رنت اليها امة
ام كلثوم مع رئيس الحكومة اراحل رشيد كرامي في بيروت
المؤلف: جابر عناية التاريخ: 2000-02-04 رقم العدد:8518

رحلت سيدة الغناء العربي منذ 25 عاما تماما، وتماما في بدايات حربنا الأهلية التي ما زلنا نعيش فوضاها ومراكماتها. غيابها لا علاقة له بالزمن المقتطع من حياتنا الدموية. حق لها علينا أن نتذكرها، أن نرى إلى حضورها في الذائقة الغنائية العربية، حجمه وديمومته وما بقي منه. أم كلثوم لم تحتج يوما إلى شهادات في صوتها وأدائها واختياراتها وما رافق غناءها من ألحان لكبار عصرها وأفذاذ شعر عربي، وغنائي، حضنوا الصوت وأعطوه بُعده الدرامي المتألق الذي حفر طويلاً في وجدان العرب. وفي سبيل كلام أجمل، وموسيقى أفضل، وغناء يسمو عن استهلاكيات الوقت، وبغية كشف ما بقي من هذه النتاجات العلامات في تاريخ الغناء العربي، ومعرفة مدى مواءمتها فنيا لزمننا ومداركنا الإبداعية، خضنا في إجابات أظهرت حنينا وأكدت حضورا وبانت فيها فروقا في التلقي والاختيار. شهادات هي جزء من سيرة شخصية وحكاية صبا وعمر فني، والسؤال إذا كانت الأجيال الجديدة ستقيس سيرا جديدة مع أم كلثوم. لكن الكلام عن أم كلثوم لا يصح إلا شهادة وذكرى خاصة. وها أنا أبيح لنفسي أن أبدأ بشهادتي وذكراي. أما الشهادات فنسوقها بحسب الترتيب الألفبائي. إن تعديلا طفيفا في اختيار ما نسمع، يجعل الحياة مختلفة كليا. حين كان أبي يسمعها، كان يغرورق ويحبنا أكثر، نحن أطفاله الصغار المتحلقين حوله. يسمع الصوت العجيب ويتألق وجهه وينير كمن يملك سرا سعيدا لا يريد أن يشاركه فيه أحد. أنا بدوري لم أكن أميز، هل هي تلاوات قرآنية ما يسمع، أم ماذا؟ »أم كلثوم« كان يقول لي، مؤكدا بإشارات واثقة في ترنحات رأسه، وتروح تختلط الوجوه والأشياء في رأسي، عبد الناصر، فاتن حمامة، النيل، نجيب محفوظ، عبد الحليم حافظ، الأهرام، محمد عبد الوهاب، طه حسين، كلهم من بلد صوتها، من مصر. صوت أم كلثوم كان يستبيح كل مساحات بيتنا في أمسيات حفلاتها المعتادة. فكانت أرائك الصالون غير المستعملة في الأيام العادية، والتي تذكر بأشخاص تعبوا من الانتظار، تمتلئ بأجسادنا الصغيرة بإيعاز من الوالد الذي يُرخي حضورا بالغ الأنس، فيسري بيننا شعور خدر مطمئن من دون أن نعي معنى الذي يجري. وهو يجري مع ذلك عبر نوافذنا المشرعة التي تسمح بمرور صوتها الى الجيران، الذين يمررون لنا صوتها بدورهم عبر نوافذهم المشابهة. منذ الصباح، كانت أمي تعمل بنشاط متسلحة بخرقة قماش ومنفضة ريش. كما أن الأكل تزدهر صنوفه، فتلك ليلة من ليالي »الست«. وهي في الإرسال المتلفز الأول لإحدى حفلاتها، منحتني سعادة قصوى، المرأة التي لم أعرفها، والتي تبعدني أجيالا. في ما بعد، رحت أسمعها »لحسابي« وحدي متفلتة من إحاطة أبي. كنت أتأملها مطولاً مشدوهة بهامتها العالية في التلفزيون الصغير. عنق ممتلئ عافية وصوتا، وهي لو عرفت كم سيبقى معنا، لتمنت أن تعيش مرة أخرى، التأكيد المرعب على خيارها الصعب. إن في سماعها ذلك الحديث الصغير الذي تعده روحي بعناية كما لو هو احتفال كبير ما يشعرني بانني قوية، ومن قوتي أترنح في دوار إغماءة طويلة لا تنال كفايتها. تلك الفلاحة، تقف شامخة مغمضة العينين قليلا وكأنها تنام نصف نوم، تم تستيقظ فجأة لتبدأ حياة حقيقية. يرتفع صوتها وئيدا في ثقل فلاحي بارد الأعصاب. يتخذ وجهها تعبيرا واثقا مترفعا، تعبير شابة مشبعا بالرضى الخاص، بينما يبين الثغر المفتغر، أسنانا ناصعة البياض، فيما الشعر المسوى بدلال، ضفيرة ممسوكة في أسفل رأسها، محبوكة بلونها الأسود المعطَّر. زهرة سحرية تتفتح على المسرح، تقوم في ثيابها كما عرش محتشم صغير. تفرد أوصال صوتها على جمهور وقع في الشرك وانتهى الأمر. ثم بأي صوت كنا نقاوم النوم؟ تلك نعمة إلهية كانت تحمينا، نحن الصغار، من الانزلاق في أسرتنا. وكنت شخصيا أصغي ملهوفة الى الحب الذي تسكبه لأجلي. كان لا يفارقني الشعور، وهي تغني عبر الجهاز الصغير، بأنها تستطيع أن تفعل أي شيء، بذينك الخدين الملتهبين، مدفوعة بتدله جماهيرها، مأخوذة في غنائها بين الخدر، والجنون المحموم. يرتفع صوتها بلطف. ولكن بتهديد مرافق للطف الأثير. ثم بغضب. غضب ترقصه ترجيعات الصوت. غضب نبيل يولد من صدق انفعالاتها، تغذيه وتوسعه وتطلقه بأكبر ما يمكن، فيمتد في لحظته حتى أقصى فضائه. غضب في الحب وفي الوجد وفي مبارحات الغرام. غضب عطوف على العشق والأرض ومناجاة الذات. وكنا نتذوق، وما زلنا، كل لحظة من لحظات الصوت الخارق والموسيقى والكلام، والتي بدت أبدا، بأطيب مما ينبغي. فيما تستسلم هي لشعورها بالنصر، ولذلك البيان الهادر المخلص للفن. بالنسبة لفنانين سقطوا، بدا عيشهم بسيطا تماما ولا يحتاج اجتهادا. بالنسبة لأم كلثوم، كان من الصعب بمكان معادلة العيش البسيط والنجاح. لذلك كافحت ضد فقدان التوازن غير العادل، وانتصرت، ليس من جمال صوتها وحده، بل بسبب من فكرتها الخاصة عن النجاح، التي من دونها تغدو الحياة دائرة فارغة سريعة الانحدار. أم كلثوم رأت الى حياتها من منطق شمولي. وهي كفنانة حقيقية، أحست الثقل الذي يصلّب كتفيها، فتأنت، وتفكرت، ووازنت، واختارت، وثملت في تمام إخلاصها. إن شغفها الجامح بالفن وحده، كان شهادة مخيفة وحقيقية وصادقة، على الشغف الإنساني الراقي، المبذول بتبذير من أجل النجاح والتحقق. سامي أبو مراد: ذورة أعمالها »الأطلال« يبقى صوت أم كلثوم دائما بتميزاته في مراحله وحقباته المتتالية مع القصبجي والسنباطي وعبد الوهاب، هؤلاء الذين شكلت ثورة سيد درويش الموسيقية منهلاً لهم. يضاف إليهم زكريا أحمد ومحمد الموجي. صوت أم كلثوم صوت رهيب جامع لكل هذه الحساسيات التلحينية في أداء فاهم ومنافس في آن. وأحسب ان ميزتها الكبرى هي قدرتها على غناء الشرقي بنسبة مائة بالمائة. إذ ان حنجرتها تؤدي ربع الصوت بكل سهولة. في حين ان ذلك لا يحصل إلا بصعوبة فائقة لدى المطربات الأخريات. وعندي أن ذروة أعمالها هي »الأطلال« للسنباطي، وإن فضل آخرون أغنيات أخرى. سهيل إدريس: بغيابها انفض جمع العائلة كانت أم كلثوم تشكل بالنسبة إليّ ولعائلتي مناسبة فعلية عظيمة، إذ كنا نتحلق حول الراديو في آخر كل شهر لنستمتع بغنائها العبقري. وأذكر أن والدتي، بخاصة، لم تكن تفوت هذه المناسبة، وكنت أنا شخصيا من عشاق هذا الصوت الرائع الذي لم تجد الطبيعة بمثله. حفظت معظم أغانيها وحاولت أن أغنيها أمام بعض أفراد العائلة، الذين كانوا يجدون فيه بعض حلاوة. وأذكر أنني أحببت بصورة خاصة أغنية »النوم يداعب عيون حبيبي«، كما كنت أردد أغنيتها الخالدة »رق الحبيب«. وحين غابت أم كلثوم انفض جمع العائلة التي كان صوتها يؤمن حضوره، فكانت خسارتنا فيها لا تعوض، إذ فقدنا هذه المتعة العظيمة التي كانت توفرها بتلك الحنجرة العظيمة التي منَّ الله عليها بها. وكنا على يقين بأن ملايين البشر الذين يتذوقون الفن الكبير، مجتمعون مثلنا حول الاذاعة. وقد ذكّرنا المسلسل الأخير الذي مثلته صابرين بالليالي الخالدة، وكشف لنا مزايا إنسانية في أم كلثوم التي لن نعرف مثلها على الاطلاق. نضال الأشقر: ظاهرة طبيعية أم كلثوم هي ظاهرة طبيعية مثل العواصف، مثل الشتاء، مثل الرعد. صوت أم كلثوم هو مثل قوة الطبيعة. أنا حتى الآن لم أسمع مثل صوتها. وأعتقد ان صوتها هو »للأربع وعشرين ساعة« وليس لفترات الصباح أو المساء. نسي الناس ما معنى حالة حرب. أم كلثوم ترفعنا الى حالات من الطرب والفرح والألم، رائعة. كل الأجيال أحبتها. ولحسن الحظ الشباب يكتشفونها الآن. وألاحظ ذلك من حفلاتنا في المسرح، حتى ولو كان المغني الذي يؤدي أغنياتها دون صوتها طبعا. الشباب يكتشفها مجددا. وهذا شيء مهم. هناك شيء في صوتها يشبه حالات الطبيعة الهادرة. أراهن انها ستصبح على الموضة في أوساط الشباب حاليا ومستقبلا. »يا ظالمني«، »أنت عمري« وكل الأغنيات التي شاركت فيها في المناسبات الوطنية كلها جميلة. أم كلثوم لم تكن حالة طرب فقط، بل كانت فاعلة في المنحى السياسي والاجتماعي والثقافي المصري، الى جانب الانتماء الواضح لمصر ورفعة مصر والعالم العربي. توفيق الباشا: كل الموسيقى في غنائها بدأت سماع أم كلثوم منذ السادسة من عمري ولا أزال أستمع إليها يوميا حتى الساعة. وكلما استمعت إليها تجدد تراثها عندي. وهو تراث غزير وفريد يمتد من مرحلة أبو العلا محمد وصولا الى مرحلة محمد عبد الوهاب وما بينهما. صوتها ليس صوتا فقط عندي. بل هو ذاكرة لطبائع في الغناء والتلحين العربيين. ففي أغنيات أبو العلا محمد خصائص القصيدة الكلاسيكية. وفي أغنيات القصبجي التجديد والتحديث بعد أن سلمته أم كلثوم صوتها. غير انني كلما استمعت الى أغنيات الشيخ زكريا أحمد بصوت أم كلثوم انفردت أمامي مرحلة مزيج بين الكلاسيكية وبين العصرية التي خطا إليها زكريا بخطوات وئيدة ولكن متمكنة. خطاها بثقة. وكل هؤلاء يردونني بشكل أو بآخر، نسبيا، الى الانجازات الفتوحية التي أحدثها الشيخ سيد درويش في عالم الغناء والموسيقى العربيين. في صوتها كل خطوط هؤلاء. حتى السنباطي الذي تدرج واكتسب من هذا التجمع، وبالأخص كلاسيكيات أبو العلا وموسيقى عبد الوهاب حين كان عازفا في تخته في الثلاثينيات، ومن خلال مرافقته لأستاذه القصبجي. في »النوم يداعب جفون حبيبي« أول مونولوغ في أغنية عربية مستلهم من الأوبرا عن طريق السنباطي. أما زكريا فبقي فريدا في تلحينه لها. في حين بقي عبد الوهاب يخاف من صوتها، وبقيت هي تخاف موسيقاه. »أنت عمري« شكلت نقلة أخرى في حياة أم كلثوم وخصوصا بعد غياب القصبجي عن التلحين لأم كلثوم بعد »رق الحبيب« في العام 1949، وغياب زكريا. لا أحب مطولات أم كلثوم. ولكنها تؤثر فيّ. وأحب أكثر »رق الحبيب« وألحان زكريا أحمد في »الآهات« و»الأوله في الغرام« و»هوّ صحيح«. جورجيت جبارة: والدي أول من أذاع صوتها حكايتي مع أم كلثوم حكاية طفولة، حين كانت عائلتي تسكن مصر. أثرت عليّ منذ طفولتي عبر جدتي التي شُغفت بالطرب العربي الى حد كبير، في الوقت الذي كنت أميل فيه، منذ الصغر، تجاه الموسيقى الكلاسيكية. سمعتْ جدتي كل شيء من أم كلثوم، ونقلت سماعها إليّ. وأم كلثوم طغت على الأجواء في مصر. وكنت من هؤلاء الذين يدهشون حين تقفر الشوارع من الناس أيام الخميس في المساء حين تغني. كان العصر، عصر إذاعة. وكنت أتضايق من طغيانها وخصوصا أن أغنياتها طويلة جدا. ولكنني حين عدت الى لبنان في العام 1956 بدأت أفهم معنى ومغزى ومدى صوتها. انها صاحبة صوت أثير أثّر فيّ تماما وخصوصا في أغنيتي »أنت عمري« و»أنساك«. قد يفاجئ البعض قولي إن ثمة علاقة عائلية ربطتني بأم كلثوم. فوالدي إيلي جبارة كان صاحب إذاعة في القاهرة، تعرفتُ من خلالها إلى »السيدة« الكبيرة. كانت آنذاك ترفض أن يطلع صوتها في إذاعة. ولكنها حين أقامت ريستالا في »الأوبرا« نقل والدي المحطة بكاملها الى هناك من دون معرفتها، وبالاتفاق مع جماعة الأوبرا. نقلوا معدات ثقيلة جدا. ذلك أن الميكروفون كان بحجم الرغيف يومها. وتمت تغطية كل شيء بالورد. أذاعت إذاعة »راديو فؤاد« لمالكها والدي، الحفلة بهذه الطريقة. قرصنة جمال وثقافة لحظة تاريخية، وكنت رقصت في حفل ضم السيدة أم كلثوم أقيم بمناسبة عيد الثورة المصرية وشاركت فيه هند رستم وشكوكو بحضور الرئيس جمال عبد الناصر. حملونا الى نادي الضباط بكميون عسكري. رقصنا وفتيات الباليه الصغيرات بعد تدخل والدي، وعدنا الى بيوتنا، وقد استمر غناؤها الى ما بعد عودتنا بساعات. قدرة خارقة في صوت استثنائي. حسن الجوني: حنجرة تختزن طرب العرب أسمع كل ما غنته أم كلثوم، ولا سيما الأغنيات الأخيرة لأني أجد عند سماعها نضجا في الخامة الصوتية، وفي انتقاء المفردة الشعرية الحديثة. كما أسمع بين الكلمة والحنجرة، الموسيقى المتجددة في حنجرة أم كلثوم. كأنما أغنياتها الأخيرة كانت تتويجا لنتاج مبدع حقا. »شمس الأصيل« أكثر ما يشجيني، كذلك »نهج البردى«، »رباعيات الخيام«، »يللي كان يشجيك أنيني«، كذلك »أنت عمري«، »سيرة الحب«. مرجع متجدد أم كلثوم، حداثي يجتاز خلال لحظات من سماعها من أقصى نقطة في الغناء العربي الى زمننا الحاضر. انها بدون شك الحنجرة التي تختزن طرب العرب. تبقى أم كلثوم في الوجدان الأنقى ممن يبحث عن الشعر المغنى، واللحن، والعاطفة الناقلة لأعمق أعماق النفس التي تشفو غراما لن يتحقق إلا داخل إطار وجه أم كلثوم الحاضر الغائب. ثمة سوية إبداعية في كل نتاجاتها الغنائية. فلا تجد تفاوتا بين طقطوقة أو قصيدة، كلها بحسبي مدعاة سكر، كمن يدخل محرابا مقدسا فينتشي من دون أن يسكر فعلا، أي من دون حاجة الى منشطات. أمين الحافظ: وصلتْ الى النيرفانا يوم الخميس في 18 أكتوبر 1948، غنت أم كلثوم أغنية »نهج البردى« بطريقة لا مثيل لها. وبالصدفة كان هناك تسجيل السهرة وحصلت عليه في ما بعد. كان هناك إعجاز في التسجيل وصلتْ فيه الى مرحلة »النيرفانا« وكلما أتذكر هذه الأغنية أتمنى على إحدى المطربات ترديدها هذا إذا قدرت. انها أغنية »مدرسة في الطرب« لا مثيل لها. حتى الآن لم أر ثمة خطرا من ذوبان أم كلثوم، بعكس كثير من الفنانين. الجيل الجديد عنده إمكانية تشرّب أم كلثوم ومحبتها شرط توفر الجو اللازم. وكما للذواقة في الموسيقى الكلاسيكية تلاميذ، يجب أن يكون هناك تلاميذ للغناء الشرقي. انها تراث لا يمكن الاستغناء عنه. أكثر ما أحب دور »لما انتِ ناوية تهاجريني أمال دموعك كانت ليه« أول أغنية من لحن رياض السنباطي. والثانية »رق الحبيب« للقصبجي. عندها أغنيات تعمل على الإعجاب الشديد مثل »رباعيات الخيام« و»الأطلال«. ولكن ما يُطرب هي »رق الحبيب« و»يا ظالمني«. أما الأغنيات التي لحنها لها محمد عبد الوهاب فما نحب فيها هو لحن عبد الوهاب لا حالة الطرب أو صوت »السيدة«. حسن داوود: صوت الأمة المنقضي في سنة 1965 وكنا بعد في الصفوف التكميلية، غنت أم كلثوم »انت عمري« لمحمد عبد الوهاب. آنذاك، بدا ذلك وكأن تاريخا من الطرب ينتمي الى جيل سبقنا وقد تجدد فجأة ليصير لنا. جعلنا في تلك السنوات نترقب ظهور اغنيات جديدة لأم كلثوم منها »انت الحب« و»سيرة الحب« و»بعيد عنك« وسواها، في الوقت الذي نرجع فيه الى تراث أم كلثوم السابق، الذي يسبقنا، لنتخذ منه اغنيات تضعنا نحن في ذلك التاريخ. كان يمكن للشاب في الستينيات ان يلائم ويساوق اندفاعه نحو الحياة وغرامياتها، على أنغام أم كلثوم. ولا يخفى أن الاستماع إليها لابن الخامسة عشرة أو السادسة عشرة يضعه في مصاف رجال، كان لا يفهم كيف انهم يجلسون ساعات طوالا متأوهين مطروبين وهم يسمعون أغنياتها. مع اغنياتها الجديدة بدءا من »انت عمري«، أضافت أم كلثوم جيل الصغار الى جيل الكبار، جامعة هكذا ما عجزت عنه سياسات وتواريخ. الآن، أرى انني بت انطرب أقل لأغنيات أم كلثوم، أو أنني لا أطلبها. في مرات أحسب أن الاستماع إليها يلزمه نوع من المشاعر قد ذهب وانقضى. أحب مثلا ان أسمع ليلى مراد أو عبد الحليم حافظ أحيانا أو حتى محمد عبد الوهاب. مع هؤلاء أشعر بأن الصوت واللحن والكلمات معبرة عن تاريخ أجدني أحن إليه. كأن سنوات الأربعينيات والخمسينيات وحتى الستينيات انقضت ولم تترك من أشيائها ماثلا! وهذه الأغنيات كأنها، الأغنيات، هي صدى هذه العقود الثلاثة. انها تذكر بها أشكالا وازياء وعواطف وأمكنة، بينما أجدني ازاء أم كلثوم كأنني خارج أي تاريخ معين. كأن أم كلثوم، أو كأن أغنياتها نص لا تاريخي، أي لا يجري عليه التبدل. إذاً، لا يستدعي الحنين، نصها ذاك، الكامل المنغلق، المترفع عن كل ما هو مشهدي أو تفصيلي أو تزييني، فوق كل حياة. هذا من اختصاص المغني الذي تجعله أمة رمزا لها. المغني الذي في مستوى الأمة والذي في كل ما ينشده عليه ان يكون بموازاتها وفي حجمها. أعرف لماذا أحب مشاهدو مسلسل »أم كلثوم« الأخير، لماذا أحبوا أم كلثوم وتلك القبة. ذاك ان المطربة انتقلت اليهم في حكايات وعلاقات وجدالات، كما في ازياء لبسها الممثلون تعود الى أزمنة بدأت في الثلاثينيات. المسلسل بدا وكأنه أحيا لذلك العالم الذي وصفته أعلاه بالمنغلق على نفسه. ثم ان مشاهدي آخر عام 1999 هم أبناء المسلسلات وعبدتها، تستطيع أن تقرب لهم ما كانوا نسوه أو غفلوا عنه على أطباق الحلقات التي تعرض كل يوم. في مقابلة أجريت مع صابرين مؤخرا، قالت كلمات عن الأمة والمقاومة وضرورتها، ذلك طبعا استوحته صابرين من الدور الذي لعبته والذي بدا انه استحوذ عليها، فبدت تتكلم للصحافة بما تفترض انه كلام أم كلثوم نفسه. في ما يتعلق بالمغنين والمطربين أحسب ان اهتمامهم بقضايا الأوطان وتعبيرهم عنها، بات في حكم المنقرض مع أجيال الطرب الجديدة. لم نعد في وقت يطمع المطربون فيه أو الممثلون الى ان يكونوا صوت أمتهم وضميرها. أم كلثوم، كانت كذلك من دون كلام أو تصريح. لقد وُضعت في هذا الموضع، ولا نعرف ان كان ذلك أتى من مبادرات منها أو من حاجة لدى الجمهور العربي الذي عشق سماعها. منصور الرحباني: تشبه مصر باقٍ من أم كلثوم كل شيء. غاب الجسد الذي ليس له قيمة. بقي اسمها وغناؤها وصوتها الذي ما زال يتردد. سيرتها وحضورها الطاغي. لم تمت أم كلثوم. حضورها ما زال. صوتها كان ظاهرة. أحب الجو الذي ترميني به أم كلثوم. المرء ينسجم معها في كل أغنياتها، كل بحسب مزاجه. لا أسأل معها على اFormeب شكل أغنياتها. معظم أغنياتها جميل. كان عندها مستوى وحافظت على حالها. وهي تشبه مصر. سعد سامي رمضان: قيثارة العرب أم كلثوم ظاهرة لن تتكرر أبدا. والى صوتها الرائع فهي تلقي الشعر بشكل جميل جدا. أم كلثوم زادت مكانتها عند كل الأجيال. ومن خلال المسلسل الذي قدم على التلفزة أصبح الناس يعرفونها أكثر. مجد أم كلثوم بُني على ألحان القصبجي في بداياتها ولا أنسى طبعا أستاذها أبو العلا محمد، ومن ثم كرت سبحة الملحنين الذين تناوبوا على صوتها. من الصعب المفاضلة بين أغنية وأخرى لأم كلثوم، لكن تظل »رق الحبيب« من أهم الأعمال التي غنتها، كذلك »رباعيات الخيام« ألحان السنباطي. ولا شك في ان رائعة عبد الوهاب »انت عمري« وكلما أسمعها، أتذكر عبد الوهاب الصديق الراحل الذي سألني عما أعجبني في »انت عمري« فقلت »أد إيه من عمري قبلك راح«. لن تتكرر أم كلثوم إطلاقا، صوتا وحضورا وتفهما وحساسية لكل كلمة وحرف. برحيل أم كلثوم في 2 شباط 1975 تقطعت قيثارة العرب والكلام عنها لا حدود له، بينما أعز أغنياتها على قلبي »سهران لوحدي« ألحان رياض السنباطي سنة 1955. جورج روفايل: معجزات وكفى مرت سنوات وأجيال وأزمنة وعصور... وقد يأذن الله سبحانه تعالى أن تمر أجيال وعصور أخرى والى ان تقوم الساعة... وستظل أم كلثوم ظاهرة وأسطورة يتحدث عنها الزمان ويخلدها التاريخ كأعظم وأقدر وأبرع مطربة ظهرت في تاريخ الغناء العربي... وإذا قلنا انها أعظم مطربة فإنما نعني طبعا انها أعظم الجميع نساء ورجالا، مطربين ومطربات... انها أعظم من تغنى بالألحان في دولة الغناء والطرب بأجمعها. وهي حائزة لكل الشروط والمزايا والمؤهلات التي جعلتها تتربع عن جدارة وعن جبروت على قمة القمم لفن الغناء العربي. وهي حائزة لكل ذلك بأرصدة كبيرة ضخمة تفوق بكثير كل التقديرات وكل التصورات. وارى ان جميع من كتبوا عن أم كلثوم وفنها وغنائها وشخصيتها وإمكانياتها ومواهبها التي أنعم الله بها عليها... كل من كتبوا عن ذلك وعن غير ذلك فصاحة وعلما وبيانا وتحليلا وغير ذلك... أعتقد انهم لم يصلوا جميعا الى الحقيقة المذهلة الرائعة والى العظمة التي تعلو عن كل وصف. وإلا فكيف نصف المعجزات إلا بكلمة واحدة تلك هي انها معجزات وكفى. وإذا استعرضنا الحياة الفنية لأم كلثوم منذ بداية حضورها من بلدتها طماي الزهايرة الى القاهرة في عام 1923 تقريبا وحتى رحيلها في أوائل عام 1975 فإننا يمكن ان نقول ان أزهى وأروع سنوات حياتها الفنية الغنائية كانت تقريبا منذ الثلاثينيات وحتى أواخر الخمسينيات أو ربما بعد ذلك بسنوات قلائل. وكان ملحنو أغانيها في تلك السنوات هم جهابذة وأئمة فن الموسيقى العربية محمد القصبجي والشيخ زكريا أحمد ورياض السنباطي... وكانوا يلقبون بالفرسان الثلاثة... عكف السنباطي في أواخر الأربعينيات على تلحين مونولوج سهران لوحدي متأنيا يبغي الكمال، فاستهلكت منه كثيرا من الجهد. حتى استقام له المقام المطلوب. لقد أجاب عندما سئل عن الأسلوب الذي اتبعه في تلحينها، بأنه لحنها من عدة مقامات قبل ان يختار المقام الملائم لها. إن السبب الذي حدا بالسنباطي لبذل كل هذا العناء يعود الى ان أحمد رامي كان قد أعطى هذا المونولوج الى محمد عبد الوهاب في العام 1944. فلحنه ولم يغنه بسبب الوسواس الفني الذي يلازمه. وعندما اشتد التنافس الخفي بين أم كلثوم وعبد الوهاب على الزعامة الفنية، طلبت أم كلثوم من أحمد رامي بما لها عليه من دالة أن يعطيها الأغنية المذكورة فأعطاها إياها، فدفعتها بدورها للسنباطي كي يلحنها. ولما كان السنباطي على علم بقصة الأغنية وان عبد الوهاب سبق ولحنها وهو كالعادة »نائم« عليها الى حين، فإنه عكف على نحت هذا المونولوج نحتا، وجرب فيها ما جرت من مقامات، الى ان تم له ما أراد، وخرجت بها أم كلثوم على الناس، لتغدو من الروائع الشاعرية في ألحانها وأدائها. حسن قبيسي: صوتها ولحن السنباطي متعتان تتناوبان عليّ لدى سماعي أم كلثوم، إحداهما تكمل الأخرى، صوتها ولحن السنباطي باعتبار ان صوت أم كلثوم تجسيد لألحان السنباطي. متعة تلقي صوت أم كلثوم عندي معطوفة دائما ومشفوعة بألحان السنباطي، أكثر منها مع القصبجي أو زكريا أحمد. أم كلثوم هي بنت زمن معين وعلاقات اجتماعية معينة وطريقة بتذوق الفن خصوصية. هذا الزمن وهذه العلاقات وتلك الطريقة ولّت، وبالتالي ذبلت أم كلثوم بهذا المعنى عند جيل معيّن. الجيل الناشئ طريقته بتذوق الفن مختلفة، وعلاقته مع الزمن مختلفة، وهو ان مال الى سماعها في قلة منه، فذلك عائد الى تأثر هذه القلة بأفراد جيلنا، أو هو ينهج في أيديولوجيات مشابهة لما كنا ننتهجها. صوتها مناسبة فضلى لمزج الموسيقى بالكلام بالصوت. وأفضل ما فعله مسلسل »أم كلثوم« هو إلقاء الضوء على نتاج أحمد رامي الشعري ونتاج رياض السنباطي اللحني اللذين أوصلا الصوت الى نضجه وعطاءاته المميزة.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة