As Safir Logo
المصدر:

»الحصرم« مجموعة زكريا تامر القصصية القصة ضميراً وسخرية وحلماً واقعياً

المؤلف: حيدر صفوان التاريخ: 2000-02-03 رقم العدد:8517

الكتاب: الحصرم الكاتب: زكريا تامر الناشر: رياض الريّس للطباعة والنشر »الحصرم« مجموعة زكريا تامر تشكل ترسيخا واستكمالا ثابتا ومتغيرا في آن، لمسيرته القصصية، وإنضاجا لحكمة مضادة مستمدة من الحكايات الشعبية، المحلية والاجنبية، ومن تثاقف محلي وعالمي، يعيد زكريا تامر صياغته بمزيج من براءة الاطفال وحكمة وجنون الشيوخ الذين فقدوا كل شيء الا عقولهم. فمنذ »صهيل الجواد الابيض«، 1960، الى »ربيع في الرماد«، 1963، الى الرعد 1970، الى »دمشق الحرائق« 1975، وصولا الى »الحصرم« اليوم، عام 2000، أثبت زكريا تامر أنه الضمير النابش لخفايا التاريخ السيكولوجي للشرق، وبامتياز، موظفا شخصياته القصصية في غير أطرها التقليدية.. هكذا، يدخل تامر هذه الشخصيات الى عصرنا المترنّح تحت ضربات ألفية جديدة ثالثة، يحاكمها، يقتلها، يرثيها. انه الباني بامتياز لعالم متداخل متخارج من الحلم والاسطورة والواقع، راسما اسكتشات واقعية خيالية، مدهشة بدقتها، وطرافتها وايحائيتها. وهو يفعل ذلك بنجاح فذ. انه لا يملك خلاصا ولا يدعو لثورة، لكن عمله القصصي طيلة السنوات الممتدة من الخمسينات حتى اليوم، هو في الحقيقة الثورة الفنية الكبرى، التي نشأت على خطاها أجيال من الروائيين المحدثين، ثورة في الشكل وفي المضمون. ان زكريا تامر سيظلم اذا عومل من خلال الأيديولوجيات والنظم السائدة والأفكار المرتبة. انه كاتب يرثي الفقراء ويحلم بمجد لم يأتِ بعد، وربما لن يأتي أبدا، الا على انقاض مؤسسات قائمة من المحيط الى الخليج، مؤسسات تبيع التزييف والرداءة. انه، كشأن الموسيقيين والرسامين والشعراء، يكتب بجنون عاقل جدا، او بعقلانية »مجنونة« بنظر الأغبياء والوجهاء والحمقى. وهنا مكمن العفوية والفرادة لهذا الأديب الطفل الكبير الذي يلهو بالألوان وبالأحداث وبالمشاهد، بعفوية وجمال مدهشين، ومتى أقمنا على كتاباته الحدود والمقاييس، فإن العصفور التامري الصغير سيموت داخل أسوار قفصه الكتابي، المنفتح على العالم، بكل تناقضاته الرحبة والضيقة، المحلية والقومية والعالمية، أجل ان زكريا تامر كاتب يائس، يناضل في ثورة كتابية عارمة مدمرة، من خلال اليأس، لإثبات الإيجاب والتفاؤل عن طريق نفي النفي. انه لا يصمم ولا يرسم مخطوطات جاهزة مسبقة لقصصه، وانما يترك عينه الحساسة ترسم بملكة الشعر والإبداع صورة للعالم، ولا يهمه ان كانت هذه الصورة هي الحقيقة الخارجية للعالم ام لا، اذ انه يصنع منها حقيقة داخلية.. حقيقة الفن التي تعبّر بأقصى مداها عن عالمنا وعن عصرنا المفزع... حي عربي في مدينة عربية و»الحصرم« عنوان إيحائي لمجموعة قصص متكاملة الحدث والموضوع، تكاد تكون فصولاً لرواية واحدة، نتعرف من خلالها على شخوص تمثل أدوارا هي عبارة عن نماذج اجتماعية مألوفة، رغم غرابتها، السيكولوجية، والاجتماعية والفكرية. تدور أحداث هذه المجموعة في حيز جغرافي محدد، هو حي شعبي في أي مدينة عربية، من المحيط الى الخليج، يزيد عن حدوده، ليصبح فلكا اجتماعيا محاطا بعوالم ومؤثرات سوسيولوجية وثقافية متشابكة. وتحدد العملية السردية الرائعة والمريعة ملامح هذا الفلك الاجتماعي، المضحك والمؤلم والمبكي في آن، بدقة فائقة، مشيرة الى حالات اجتماعية وثقافية قد اخترقت وعي الانسان العربي وأردته مستسلماً لواقع هو اكثر غرابة من الخيال. نعبر الى هذا العالم من خلال لغة عربية في منتهى الجمال والسلاسة، تتجسد في أسلوب سردي ذي ايقاع موسيقي جذاب، لتخلق شرخا وجوديا بين واقعية الخيال، وخيالية الواقع. يتعمّده الكاتب ليبقي القارئ على حالة من التوتر تمنعه من الاسترخاء في ترف النسيان او التناسي. ويضفي العنوان الذي يرجع الى حكاية الثعلب والعنب، على هذه المجموعة القصصية صبغة الحكمة المستمدة من الحكاية الشعبية، ليذكرنا ان الوضع ان كان حصرما، فلا بد من ان يستوي وينضح مع مرور الزمن. ان هذه القصص هي الحصرم المجازي في حلق القارئ العربي، تنبهه الى مسؤوليته التاريخية للنهوض بواقع جديد يليق بأمة عريقة الحضارة، يوحي أدبها الذي يمثل زكريا تامر علامة من كبار علاماته، انها من غير اي شك، أمة حية متجددة«. المدينة الفاضلة »بفضلاتها« دعونا نقرأ حصرم زكريا تامر، تماما كما هو، بجنونه العاقل الهائل الأبعاد. في الحكاية القصيرة جدا، ما قبل الاخيرة والتي بعنوان »وعدها الرابع«، كتب زكريا تامر كتابة في منتهى السخرية السياسية من أحداث القرن العشرين الكبرى. التقى حمدان وريما أول مرة في مهرجان خطابي سياسي، وقد أحبها حمدان، واتهمها بعد فترة أنها بلا قلب، فوعدته ان تحبه حين يصل الانسان الى القمر، ووصل الانسان الى القمر، ومشى على أرضه، فلم تنكث ريما بوعدها، لحمدان، وأحبته، فلاحقها طالباً الزواج بها، فوعدته ان تتزوجه حين يصبح الاتحاد السوفياتي رأسمالياً، وصار الاتحاد السوفياتي رأسماليا، فبرّت ريما بوعدها لحمدان وتزوجته، واعتبر نفسه أسعد رجل على وجه الارض، ولكنها ضبطته بعد أشهر يتنهد مكتئباً، ونبّهها الى ان البيت بلا أبناء موحش لا يطاق، فوعدته أنها ستنجب صبيا حين يُهدم جدار برلين، وهُدم جدار برلين، وبيعت حجارته لهواة الآثار، فلم تخلف ريما وعدها لحمدان، وأنجبت صبيا يشبه أباه »ولا يختلف عنه الا في الشاربين«.. فلم يفرح حمدان سوى أيام قليلة، اشتكى بعدها لريما من جيوبه الفارغة والبطالة المتفشية وضآلة الرواتب، فوعدته ان أحواله ستتبدل عما قريب حين تصبح اميركا شيوعية، وصارت أميركا شيوعية تخفق في سماواتها الرايات الحمر، ولكن أحوال حمدان لم تتبدل، وظلت جيوبه فارغة والبطالة متفشية والرواتب ضئيلة«. انه الكلام القاسي الذي يؤدي بالقارئ الى التفكير »بمدينة فاضلة« ولو في الأحلام آتية من فضلات هذا القرن العشرين اللعين، نحو القرن الواحد والعشرين، حيث الجيوب ربما .. تصبح ممتلئة، والبطالة ربما.. منقرضة، والرواتب ربما .. دسمة منتفخة... حسب ما تمليه علينا تصورات »والت ديزني المشؤومة«، للفردوس المفقود.. انها السخرية السوداء التي تعرف بسياقها كيف تميز بين اللون الابيض واللون الاسود.. والامر متروك للنقاد والقرّاء والمتخصصين. وتأتي الحكاية الاخيرة في كتاب زكريا تامر والتي بعنوان الحكاية الاخيرة، يحكي فيها تامر على لسان الحكواتي، تصوّره للفن المقبل الآتي: الضحك الرومنسي هنا اذا بزكريا يدخل القارئ العربي على روضة للانسان والحيوان، تتعايش فيها المتناقضات الصارخة بسلام، وبوداعة ومحبة مثيرة لأحلام الاطفال الأبرياء. ان تامر يحدثنا عن فردوس مقبل لا بد آت، تتسكع فيه الغزلان والفيلة والنمور في الشوارع والساحات بخطوات متكاسلة. الحكاية الاخيرة لا تتجاوز الصفحة الواحدة، ولكنها تحكي وتستشرف عالما رومنسيا يدفعنا للضحك المكتوم وليس للضحك الانفلاشي الفاقع مثلما تفعل الافلام الكوميدية لعادل إمام، سامحه الله.. انه الضحك الرومنسي المكتوم الذي يصعب تحقيقه الا على يد خبير بالرومانسية وتفرعاتها وتداخلاتها في كافة الفنون، والا على يد من ستتوفر لديهم الارادة الحسنة، شرقا وغربا، شمالا وجنوبا. فلنقرأ زكريا تامر في حكايته الاخيرة، من آخر الكتاب رجوعاً الى الوراء، على طريقة »المجانين العاقلين« في قراءة الصحف والمجلات: اتهم رواد المقهى الحكواتي الذي هو زكريا تامر نفسه ذا الشعر الابيض والوجه الشاحب المتجعد والشاربين الكثين بأن كل ما لديه من حكايات بات معروفا ومملا يرهق الآذان والرؤوس، وطالبوه بحكايات مثيرة تسلي فعلا، فلم يرد الحكواتي بكلمة، واكتفى بالصمت المتكبر والابتسام الهازئ، وعندما خفّ ضجيجهم، تكلم بثقة، ووعدهم أن يروي لهم حكاية غريبة لم ترو من قبل، ستجعلهم ينامون كأنهم لا يزالون أجنة في بطون أمهاتهم، فساد الصمت في المقهى، وحدّق رواد المقهى الى الحكواتي بنظرات فضولية مترقبة، وعندئذ ابتسم الحكواتي ثانية ابتسامته الهازئة، وابتدأ يروي حكايته الجديدة، فنام رواد المقهى، »ونام أخ يهمّ بقتل أخيه«، ونام سكان الكرة الأرضية، ونام الحكواتي (...)، ونبت العشب على سطح الاسفلت، وبنت العصافير أعشاشها فوق صفيح السيارات، وباضت الحمائم على أجنحة الطائرات المجللة بالغبار (...)، وتسكّعت الغزلان والفيلة والنمور في الشوارع بخطوات متكاسلة«.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة