As Safir Logo
المصدر:

«فندق بيروت» لدانييل عربيد يُعرض اليوم للمرّة الأولى دولياً في لوكارنو رحلـة فـي الجغرافيـا والـذات والفضـاءات المفتوحـة

دارين حمزة في لقطة من «فندق بيروت»، وفي الاطار المخرجة دانييل عربيد
المؤلف: ج ن التاريخ: 2011-08-04 رقم العدد:11954

أنهت المخرجة اللبنانية الشابّة دانييل عربيد (مواليد بيروت، 26 نيسان 1970) فيلمها الروائي الطويل الثالث «فندق بيروت». الثانية بعد ظهر اليوم بتوقيت سويسرا، يُعرض الفيلم للمرّة الأولى دولياً. المناسبة: اختياره في المسابقة الرسمية الدولية للدورة الرابعة والستين (3 ـ 13 آب 2011) لمهرجان لوكارنو. قصّة الفيلم تكاد تكون عادية، شكلاً على الأقلّ: لقاء بين مغنية لبنانية تُدعى زُها (دارين حمزة) ومحام فرنسي يُدعى ماثيو (شارل بيرلينغ)، ذات ليلة من ليالي بيروت. التفاصيل القليلة المنشورة عن الحبكة، أوحت أن خلفية كل واحد من الطرفين مليئة بالتناقضات، أو بالحكايات الخاصّة. المغنية تعاني آثار طلاق حديث الصُنعة. المحامي منشغل بمسائل قانونية في العاصمة اللبنانية. لا شكّ في أن لقاء كهذا قابلٌ لأن يكون مدخلاً إلى عوالم ومتاهات. إلى ما يُشبه «خريطة» متعدّدة الوجوه والأنماط. خريطة مفتوحة على بلد ومجتمع وناس وفضاءات إنسانية متنوّعة. دانييل عربيد بارعة في تفكيك الواقع المجتمعيّ والإنساني لشخصياتها وفضاءات المدن التي تختارها كأمكنة لأحداث درامية، أو كحيّز مفتوح على أسئلة ملتبسة ومعلّقة. دانييل عربيد بارعة في رسم ملامح الإرهاق الذاتيّ الذي يعتمل داخل فرد، في علاقته بنفسه، كما في علاقته بالآخرين. في علاقاته المفتوحة، هي أيضاً، على تحدّيات وأسئلة تكاد لا تنتهي. حرفية «فندق بيروت» امتدادٌ لحرفية الاشتغال السينمائي، الذي صنعته دانييل عربيد في فيلميها الروائيين الطويلين السابقين «معارك حبّ» (2004) و«رجل ضائع» (2007). امتدادٌ لاشتغالاتها الأخرى، في أفلام روائية قصيرة ووثائقية: «ردم» (1998) مثلٌ أول. «أحاديث صالونية» (2004) مثلٌ ثان. لن تقف عربيد، في «فندق بيروت»، عند المشهد الأمامي للحكاية الأصلية. لن تقف عند تفاصيل القصّة العادية. اللقاء بين شخصين بداية لمسار درامي، لا شكّ في أنه متوغل في ثنايا الألم الفردي، وذاهبٌ إلى أعماق التبدّلات الحاصلة، هنا وهناك. لن تقف عربيد، في جديدها هذا كما في أفلامها السابقة، عند حدّ واحد ومحدّد. تميل هي إلى لعبة مرايا، بدت أوضح اشتغالاً في «رجل ضائع» منها في «معارك حبّ» مثلاً. شخصياً، أميل إلى فيلمها الروائي الطويل الأول «معارك حبّ». أميل، أيضاً، إلى «ردم». الرحلة الداخلية كمرآة للمحيط الضيّق أساساً، سمة أولى. الإضاءة على تفاصيل صغيرة تكاد لا تهمّ إلاّ صاحبتها، سمة ثانية. السبب؟ هذه تفاصيل تأخذ مُشاهدها إلى ما هو أبعد من اللحظة الراهنة. إلى ما هو أبعد من المباشر. «أحاديث صالونية» جزء من مسار سينمائي أتقنت دانييل عربيد صنعه، جاعلة إياه ركيزة تُلحّ عليها لمزيد من التفكيك وإعادة التركيب: تفكيك الوقائع والمعطيات والأحاسيس، وإعادة تركيب المُفكَّك في صوغ درامي متناسق وارتباكات الواقع ومتاهاته. «حدود» (2002)، فيلمها الوثائقي المشغول بقراءة الواقع العربي المحيط بفلسطين، يبقى أقلّ أفلامها أهمية سينمائية: ضياع الفكرة وسط ارتباك الاشتغال البصري. لكن هذا لا ينتقص من أهمية ما فعلته في أفلامها الأخرى: أقصد قدرتها الفكرية والجمالية على التفكيك وإعادة التركيب. مثلٌ أول: «معارك حبّ». إنها الحرب اللبنانية. أو بالأحرى أحد فصولها الدموية. التقوقع الدرامي في بقعة جغرافية واضحة المعالم الدينية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، أداة سينمائية لفهم حالات وتحوّلات. التأثّر بالمحيط الخاصّ بالمخرجة السينمائية نفسها مفتاح لمعاينة مسار جماعة، وقدرها المحتوم في الانخراط باللعبة القذرة للحرب اللبنانية إلى أقصى حدّ. المعطيات المتوافرة: عائلة وحرب أهلية وسقوط في لجّة الجحيم. الجحيم هنا متعدّد الأشكال: جحيم الحرب أولاً. لكن هناك أيضاً جحيم العائلة. الانفصال بين الداخل والخارج مستحيل الحدوث. إنها الحرب. وهذا يعني التفكّك الذاهب بالنصّ السينمائي إلى إعادة بلورة الحكاية من منظور ذاتيّ بحت. قيل مراراً إن السينما «تصفية حسابات». أي أن المرء يذهب إلى السينما لتصفية حساباته الشخصية: مع ذاته، مع محيطه، مع تاريخه، مع مكانه. «معارك حبّ» جزء أساسيّ، بالإضافة إلى «أحاديث صالونية»، في عملية «تصفية الحسابات» هذه. أو هكذا يُخيَّل إليّ، على الأقلّ. اختلاف الاختبار الروائي الطويل الثاني مختلف، قليلاً. أكاد أقول إن «رجل ضائع» نسخة روائية عن فيلمها الوثائقي «حدود»: الجغرافيا المختارة هي نفسها في الفيلمين. الرحلة، شكلاً على الأقلّ، هي نفسها أيضاً. في الوثائقيّ، نوعٌ من ضياع سينمائي في معرفة أدوات التعبير والعمل بها. هنا، سياسة وحدود جغرافية وثقافية. هنا، سلطات واحتلال إسرائيلي لفلسطين أرادت عربيد إلقاء نظرة عليه من خلال أبناء البلدان المحيطة بالجغرافيا الفلسطينية. في الروائي، الإمعان في لعبة المرايا بين الرحلة الجغرافية والتصوير الفوتوغرافي والهوس الجنسيّ، أداة لمواكبة وقائع العيش على الحدّ الواهي بين الواقع والمتخيّل. غالب الظنّ أن الجوهر الفعلي للعبة المرايا في الفيلم هذا منعقدٌ على ثنائية الصورة الفوتوغرافية والصورة السينمائية. قيل إن لعبة الثنائية هذه محتاجةٌ إلى اشتغال بصري أقوى لغة وتعبيراً. أي أن هناك ارتباكاً ما في المعالجة الدرامية للعبة. هذا قول نقدي. أميل إلى الاعتقاد أن اللعبة نفسها انعكاسٌ انفعاليّ للارتباك المعتمل في ذات المصوّر الفوتوغرافيّ الباحث عن أشياء كثيرة، من دون القدرة على بلوغ لحظة الوضوح المطلوب. أميل إلى الاعتقاد أن دانييل عربيد تقصّدت ارتباكاً كهذا، كامتداد لقلق فكري وإنساني ودراميّ إزاء اتّساع الجغرافيا المختارة والثقافات المنبثقة منها. هناك سمة أساسية تتبدّى واضحة في ثنايا النصوص الدرامية الخاصّة بالعمل السينمائي لدانييل عربيد: الرحلة. أكاد أقول إن هناك هوساً شخصياً للمخرجة بها. لا همّ إن كانت رحلة في الجغرافيا، أم في الذات. رحلة في التاريخ أم في الحرب (أحد أفضل أفلامها الوثائقية عن الحرب اللبنانية، حمل عنوان «وحدي مع الحرب»، أنجزته في العام ألفين). الرحلة مدخلٌ إلى عوالم كثيرة، يُمكن للسينمائية تكثيف حضورها في المبطّن الخاصّ بالمعالجة الدرامية. «ردم» نموذج أول. الفيلم القصير هذا تقديم سينمائي جميل للسمة هذه. رحلة البحث عن مكان وذاكرة. كأن عربيد أرادت، من بين أمور عدّة طبعاً، أن تُقدِّم اشتغالها السينمائي المقبل كجزء من الهوس بمفهوم الرحلة ومتاهاتها. أليس النصّ الدراميّ لـ«ردم» مثلاً، ولـ«معارك حبّ» و«وحدي مع الحرب» و«أحاديث صالونية» أيضاً، معقودٌ على مفهوم الرحلة؟ أي مفهوم البحث عن أمور ضائعة أو مفقودة أو تائهة، وسط انشغالات العالم المحيط بالشخصية الرئيسة (هل يُمكن اعتبار الشخصيات الرئيسة صُوَراً متعدّدة لدانييل عربيد؟) بأمور وتفاصيل ومتاهات خاصّة به، أي بهذا العالم الشاسع المحيط بالشخصية الرئيسة الطالعة منه، أو القادمة إليه؟ أما «فندق بيروت»، فالعرض الدولي الأول له مناسبة لاستعادة نماذج سينمائية سابقة لدانييل عربيد، في سياق البحث النقدي في مفاتيح اشتغالاتها البصرية. مناسبة لإعادة مُشاهدة أفلام لها، شكّلت منعطفاً في التجربة السينمائية اللبنانية والعربية، بقدرتها على الكشف والتعرية. بقدرتها على الذهاب إلى الحدود القصوى في لعبة المرايا الفاضحة بيئة وأناساً وحالات وتبدّلات. بقدرتها على الحفر عميقاً داخل البُنى النفسية والاجتماعية والانفعالية لهذه البيئة، ولناسها وحالاتها وتبدّلاتها أيضاً. غالب الظنّ أن «فندق بيروت» لن يبتعد كثيراً عن هذا المناخ المفتوح على أسئلة كثيرة مطروحة في أفلام سابقة لدانييل عربيد، لا تزال أجوبتها معلّقة في ذاكرة جماعية مثقوبة، وفي راهن جماعي تائه ومجروح.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة