اختطفت سناء حمود يوم عيد ميلاد ابنتها الكبرى عبير. حدث ذلك في السابع من كانون الاول العام 1987 في العيد العاشر لعبير. كان عمر سناء في ذلك الحين ثمانية وعشرين عاما ولديها ثلاثة اولاد: بنت وصبيان. خرجت سناء على امل ان تعود فتحتفل بعيد ابنتها.. لكنها لم تعد. عرف زوجها باختطافها بعد مرور أربع وعشرين ساعة على غيابها، ظن في البداية أنها قضت ليلتها في منزل شقيقها ولم تستطع إعلامه بغيابها عن المنزل ربما بسبب الحصار المفروض على المخيم في ذلك الوقت. في اليوم التالي على خطفها، أتت فتاة من المخيم وأنبأت زوج سناء بأن أختها إقبال وزوجته اختطفتا على حاجز ميلشياوي. عرفت الفتاة من سائق سيارة الاجرة الذي أقل سناء وإقبال الى المخيم من موقف البربير. أنزلت سناء وإقبال من السيارة امام حشد كبير من الناس والمسلحين واقتيدتا الى سجن قريب تابع للحزب الخاطف. هناك، فوجئت سناء »بمخطوفين أمضوا في سجن ذلك الحزب ثلاث سنوات او اكثر، اعطوني أرقام هواتفهم في عين الرمانة وطلبوا مني ان أتصل بذويهم إذا خرجت لأعلمهم بأنهم ما زالوا على قيد الحياة. لا اذكر من اين حصلت على القلم ودونت على كف يدي رقمين. لا اذكر اسماءهم الآن. كل ما اذكره هو لحاهم الطويلة وثيابهم الرثة والخوف من ان اصبح مثلهم! بعض المخطوفين كانوا يتلقون الاطعمة والسكائر، اذ كان ذووهم على اتصال بالخاطفين. لم توفق اختي حين خروجي بالاتصال بذوي المخطوفين لأن الخطوط الهاتفية كانت معطلة ولم اعد اذكر الآن اين وضعت الارقام«. حين اختُطفت سناء تملكها رعب فظيع من ان تتعرض للاغتصاب او القتل »قضيت ليلة واحدة في السجن، ما لبثوا ان افرجوا عني بعد مرور حوالى ست وثلاثين ساعة كانت الاطول في حياتي«. كان لشقيقة سناء معرفة وثيقة بشخص نافذ في احد الاجهزة الامنية ساعدها على اطلاق سراح سناء: »حين علمت باختطاف اختي جن جنوني، اذ عرفت من امي وابنتها بعد مرور اربع وعشرين ساعة. لم اجد نفسي إلا وأنا اقف بسياتي عند حاجز الخطف وأترجل منها لأقول لأفراد الحاجز اني عرفت انهم اختطفوا اختي البارحة ظهرا، وأحذرهم من الاقتراب من اختي او مسّ شعرة منها. شحب وجه أحد المسلحين ونفى متلعثما علاقته بالخطف. لا اعرف من اين أتتني الجرأة... وبإشارة من اصبعي اكرر تحذيري وأعدهم بأني سأعود إليهم قريبا. عدت الى البيت واتصلت بالشخص النافذ. لم يتردد في مساعدتي وطلب إلي ألا أقلق. وبالفعل، جاء بعد ساعات الى منزلي مصطحبا اختي سناء بنفسه. كانت رواية سناء عن الحادثة متقطعة ومبهمة منذ البداية، بسبب الخوف المسيطر عليها منذ ذلك الوقت، فالرعب الذي عاشته بين ايدي الخاطفين تلك الليلة حفر في روحها كالوشم: »لم يضربوني او يغتصبوني، مع اني كنت خائفة طوال الوقت ان يفعلوا. كنت اسمع ما يحدث للمخطوفين والمخطوفات، لكن لم اظن يوما انني سأتعرض لتجربة مماثلة. في البداية، قالوا انهم سيقايضونني بزوجي مع انه لا علاقة له بما يجري. ما لبثوا ان هددوني بقتل أولادي بعد استدراجهم لزيارتي في السجن. حين أتى الشخص النافذ لإطلاق سراحي، اخذوني الى منزل لا اعرفه وطلب المسؤول الميليشياوي ألا أخبر أحدا عن الشخص النافذ او عنه شخصيا كشرط لإطلاق سراحي. كي يضمن تكتمي على اسميهما هددني بقتل أختي وزوجها ان تفوّهت بكلمة عنهما وقال مؤكدا جدية تهديداته: »ان لم استطع ان اطالك في المخيم فتذكري ان اختك تقيم خارجه.. كما زوجها. وعدته بالكتمان«. بالرغم من اطلاق سراح سناء لم تنفك لحظة عن التفكير بتهديدات الخاطفين في الأيام التي تلت حادثة الخطف. سيطر الخوف عليها »واستحوذت عليها فكرة ان يقدم الخاطفون على قتل شقيقتها وأولادها«، تقول اخت سناء. لم يمض شهران على اختطافها حين وقعت سناء في انهيار عصبي حاد: »لم تعد تأكل على الاطلاق وصارت »جلدة على عظمة«. وحين تأتي لزيارتي، لا تتوقف عن ترداد انها تسمع صراخ اولادها، وانها يجب ان تخرج للبحث عنهم وإنقاذهم من ايدي الخاطفين. لأهدئها، اصطحبتها في سيارتي الى الروشة فمنطقة الحمراء. عند تقاطع البيكاديللي سمعنا صوت متسوّل ينتحب استدرارا للشفقة فدب الذعر في قلب سناء فجأة وطلبت ان اوقف السيارة قائلة: »أولادي يصرخون. سيقتلونهم. توقفي، ألا تسمعين صراخهم، رفضت ان اتوقف وبدأت اشعر باليأس وأفكر ماذا سأفعل؟ حين رأتي ساهمة قالت: لم انت هكذا، هل غسل الخاطفون دماغك. انتبهي منهم.. ثم هزتني بعنف لأتوقف قبل ان تفتخ باب السيارة أثناء سيرها وتلقي بنفسها الى الطريق، لتركض في الشارع على غير هدى. تتلفت يمنة ويسرة والخوف يزعزع كيانها، بدأت أبكي، اوقفت السيارة في وسط الشارع وهرعت وراءها أبكي وأبكي ولا ادري ماذا افعل وأنا اتوسل إليها ان تعود معي... الى ان اقنعتها بأني سأبحث عن اولادها وأنقذهم قائلة: ثقي بي.. ألم أنقذك حين اختطفوك؟«. في ذلك اليوم كان اولاد سناء في المنزل بصحبة والدهم. التهديد الوحيد الذي يمكن ان يتعرضوا له ربما كان القصف. تتابع اخت سناء رواية ما حدث لشقيقتها وهي تختنق بالبكاء، وتروي كيف ادخلت اختها الى مستشفى خاص للأمراض النفسية: »كان القرار صعباً علي، لكن لم يكن هناك من مفر. في المستشفى فوجئت بالعديد ممن اعرفهن هناك... يعانين حالات مماثلة!«. مكثت سناء شهرا كاملا في دار العجزة الإسلامي المستشفى الوحيد المتوفر لهذا النوع من الامراض في ذلك الوقت. حين تعافت سناء بعض الشيء خرجت من المستشفى، لكن الطبيب طلب مراقبتها عن كثب وقال انها ستضطر لتناول الادوية وتلقي العلاجات النفسية لفترة طويلة. عاود الانهيار العصبي سناء مرات عدة، لكن بحدة اقل من المرة الأولى، حين تصف سناء ما تشعر به حين تقع في الانهيار تقول: »أسمع أصواتا... صراخ اولادي.. اصوات رصاص.. دوي القصف. احيانا اشعر بأني لا اطيق الاحتمال.. ذات مرة اقدمت على محاولة الانتحار!«. منذ سنتين، حاولت سناء الانتحار حين عاودها »الصراخ«. »لم يأخذني احد على محمل الجد، وشعرت بأنني اصبحت عبئا على عائلتي فقطعت شرايين يدي«. اذ ذاك نقلها زوجها وأختها الى مستشفى مار يعقوب للأمراض العقلية بحالة طارئة، مكثت هناك حوالى ثلاثة اسابيع حيث قطبوا الجرح وأجروا لها العلاج بالادوية والصدمات الكهربائية. على الرغم من العوارض الجانبية للصدمات الكهربائية التي تفقد المريض ذاكرته او بعضا منها، ما يزال »الخوف من الخطف« مسيطرا على سناء حتى اللحظة. رفضت سناء منذ البداية ان تفصح عن اسمها الحقيقي او اسم شقيقتها او اسم الفتاة التي اختُطفت معها وأطلق سراحها ايضا بعد يومين. اطلق سراح سناء منذ ثلاثة عشر عاما، لكنها ما تزال حبيسة الخاطفين والخوف الذي زرعوه في قلبها ما يزال يقتات من روحها وحوّل سناء الى وردة ذابلة اخمدت في ريعان تفتحها. من يعرف سناء من اهل المخيم يتذكر كيف لجأت للاحتماء من خوفها والخاطفين »بتعويذة (حجاب) علقتها في رقبتها«. بعد تعافيها من الانهيار الاول، وحين عادت تعبر الحاجز المسلح مجددا وتسأل عن بطاقة هويتها تعمد سناء »الى اخراج التعويذة وإبرازها للمسلحين«. رغم تسلح سناء بالإيمان واللجوء للدين كسبيل للشفاء، لم يخفف ذلك من خوفها، وظلت ذاكرة الخطف وتهديدات الخاطفين حية تسكن روحها. من يرَ سناء اليوم، يلمح فيها انسانة جردت ملامحها من التعابير واغرورقت عيناها بالفراغ.. فيما روحها سجينة عالم من الخوف صنعه الخاطفون، فظلت بالرغم من إطلاقهم لسراحها: مخطوفة!