As Safir Logo
المصدر:

اطلب مع «السفير» «الكتاب للجميع» الباب الضيق لأندريه جيد

المؤلف: بيضون عباس التاريخ: 2011-07-09 رقم العدد:11932

كان اندريه جيد في أيامه من كبار كتاب فرنسا، بل من كبار كتاب العالم وقد منح لذلك جائزة نوبل فيما حرم منها معاصره الفرنسي مارسيل بروست. لم يصمد اسم بروست بعد وفاته للاختبار وشحب صيته ورجح عليه جيد، بل بات البون بينهما شاسعاً، وعد كثيرون أن حياة اندريه جيد تفوق أدبه، فقد كان مثل بروست مثلياً رغم زواجه لكنه جهر بمثليته بل وقف من الأخلاق التقليدية موقفاً معادياً معلَناً فكان «اللاأخلاقي» أحد عناوين كتبه. لن نجد شيئاً من ذلك في رواية الباب الضيق المستمد عنوانها من قولة المسيح: «اسلكوا أضيق السبل» فهي رواية باطنية تتكلم عن تجربة دينية شديدة الجوانيه. تروي الرواية حكاية جيروم الذي فقد والدته مبكراً وظل بعد وفاتها ينتقل صيفاً إلى دار خاله لينزل في ضيافته. يجد هناك ابنتيه إلسا وجولييت. منذ البداية يؤخذ بإلسا وتتوافق ميولهما ومزاجهما، والقراءة ركن أساسي في هذه الميول. لقد أحب إلسا بكل طاقته وصارحها بذلك، أما إلسا فلا يمكننا وصفها بالصراحة. لم تخف إلسا انها تبادله الحب لكنها لا ترغب في أن تسلك هذه العلاقة المعيار التقليدي وتنتهي بالنهايات المعتادة. يفاجأ جيروم بأن إلسا تريده أن يتزوج أختها التي شعرت انها تحبه في سريرتها، وتصر جولييت عند ذلك على أن تقبل خطيباً يكبرها عمراً بكثير ولا تحبه فضلاً عن كون أذواقه لا توافق أذواقها فهو تاجر لا يأبه بالأدب ولا الموسيقى ولا المطالعة. لقد ردت جولييت على تضحية إلسا بتضحية مقابلة. الغريب أن جولييت الديناميكية الصاخبة، بخلاف طبيعة إلسا الهادئة، ترضى بهذا الزواج وتنجب وتسعد أخيراً به، فيما تستمر إلسا في معاندة نفسها وعاطفتها. لقد أرادت أن تضحي من أجل أختها وحين استحال عليها ذلك أرادت أن تضحي بهذا الحب وهي المثالية المتدينة من أجل غاية أعلى وهي القداسة، وهي كما نفهم من يومياتها كلما عاندت نفسها كلما زادت حباً لجيروم وتعذبت من معاندته، وكلما زاد حبها زادت رغبتها في تجاوزه وتخطيه إلى غاية أعلى منه. صراع ينهكها جسداً وروحاً. لقد اختارت القداسة وتخلت عن كل شيء: الحب والقراءة والموسيقى. لقد بدا لها كل ذلك ترفاً لا يليق بها أن تمارسه. هذا الصراع أسقمها وأمرضها ولا يلبث أن أدى بها إلى الوفاة. يعيش جيروم بقية حياته في ذكرى إلسا. لم تعش حياتها وحرمته من أن يعيش حياته. هذه الرواية ذات تجربة صوفية، فالحب الإلهي يفني صاحبه ويتآكله إلى أن لا يبقى من شيء. بيد أن إلسا، كما نفهم من يومياتها، لم تكن سعيدة بتجربتها سعادة الحلاج الذي قال وهو على المحرقة «لقد تعجلت الفرح وإني بما أتحفت به لخــجل». نكاد نفهم من يوميات إلسا أنها معذبة وأن تجربتهــا قد أدت بها إلى حال لا تستطيع التراجع عنها وأنها تقــريباً شقية بها. لكننا، أيا يكن الأمر أمام تجربة صوفية تتنازل عن الحب الدنيوي في سبيل الحب الإلهي بيد أن للحب الإلهي أيضاً مسالكه الوعرة وعذاباته. تأثرت إلسا بالجالسينية وهي مذهب في المسيحية عدته الكنيسة هرطقة رغم ان باســكال الفيلسوف الفرنسي كان من أتباعه. هذا المذهب يرى أن الطبيعة البشرية لا تستطيع ببطــاقتها الخاصة أن تستحق الغفران الذي لا تستحقه إلا بالنعمة الإلهية. اللطف الإلهي وحده ينجي الإنسان من طبيعته الفاسدة. بقي أن نقول إن الترجمة الجميلة للكتاب من صنع نزيه الحكيم وأن اندريه جيد كان صديقاً لطه حسين وبينهما مراسلات جمة.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة