As Safir Logo
المصدر:

خسارة ثلث مساحة أشجار المتن الأعلى في يوم واحد الحرائق تأكل صنوبر لبنان وإنتاجه يتراجع 18% خلال سنتين

أشجار صنوبر محروقة في دير الحرف
المؤلف: ضو انور عقل التاريخ: 2011-07-05 رقم العدد:11928

فقدت بلدة دير الـحرف في المتن الأعلى ثلث مساحاتها الخضراء في أقل من يوم واحـد، من دون احتــساب المساحــات التي نهشتها المرامل إبان الحرب وحرائق غيرها فضلاً عن التعديات، الامر الذي يتطلب رسم لوحة بـيانية جديدة تظــهر حجم الكارثة في منطـقة لا تملك من مقــومات اقتــصادية إلا أحراج الصنوبر، إن لجهة إنتاجها المباشر من الثمار، وإن لجهة ما تمثل من جمال جعلها مقصداً سياحياً وبيئة جاذبة لاستثمارات واعدة في المستقبل. ودير الحرف التي تمـلك واحدا من أهم مشــاعات وادي «لامرتين» الى جانب رأس المتن، بتخنيه، قرنايل، بتبـيات، الخريبة، القلعة، بمريم، رأس الحرف وقبيع، وبلدات أخرى بنسب أقل... احتلت مساحة غير متوقعة على «خارطة الحرائق»، ليتأكد بفعل التراجع والإهمال المتمادي، أن لبنان يتجه بسرعة نحو التصحر. فأشجار الصنوبر التي «تمتد على عشرين في المئة من المساحة الحرجية، أي 13 في المئة من المساحة الإجمالية، ما يعادل 12 مليون شجرة في المحافظات الخمس»... بدأت بخرق الخطوط الحمراء لوجودها، حسب رئيس «نقابة مزارعي وعمال الصنوبر في لبنان» النقابي فخري المصري. ويحذر الأخير عبر «السفير»، من أن «هذا القطاع بدأ يعاني من عدة عوامل خطيرة، أبرزها التهام الحرائق مساحات شاسعة من الغابات»، مؤكدا أيضا «أن إنتاج الصنوبر تراجع خلال سنتين إلى نحو 18 في المئة». لا يمكن أن نتحدث عن كارثة طاولت بلدة بعينها. صحيح أن بلدة دير الحرف هي المتضررة، لكن في المحصلة، فإن المتن الاعلى ولبنان خسرا آلاف أشجار الصنوبر المعمرة بسرعة قياسية. تتعدى أهمية الصنوبر قيمته كمرفق زراعي اقتصادي بيئي الى مصدر للطاقة الحيوية عبر الفوائد التي يجنيها المزارعون من الاغصان الناجمة عن التقليم إلى الاكواز الفارغة وكِسَرِ الصنوبر الصلبة التي تستعمل للتدفئة... بما يخفف عنهم تبعات تأمين موجبات التدفئة من الوقود الاحفوري، خصوصا اذا علمنا ان العاملين في هذا القطاع لا يتكبدون مالا لتأمين مستلزمات التدفئة، لا بل ان ما يفيض من هذه المخلفات يصار الى بيعه بأسعار توازي اسعار الحطب، فضلاً عن أهمية الصنوبر على مستوى المناخ والبيئة وتماسك التربة. من هنا تأتي اهمية الحفاظ على غابات الصنوبر في لبنان كأولوية كان يفترض ان تدرج في البيان الوزاري للحكومات. لولا المطر رئيس بلدية دير الحرف جوزف أبو جودة، عرض لـ«السفير» لحجم الكارثة التي «وقعت في تشرين الاول الماضي وكان يمكن أن تمتد الى قرى قريبة لولا العناية الإلهية التي جلبت الأمطار في اليوم التالي»، لافتاً إلا أن ذلك «لا يقلل من حجم الجهود التي بذلها رجال الدفاع المدني الذين استقدموا 24 سيارة إطفاء والجيش اللبناني الذي شارك في إخماد ومحاصرة النيران على الارض ومن خلال الطوافات، فضلاً عن أهالي القرى والبلدات المجاورة الذين هبوا للنجدة، وكل ذلك خفف من حجم الكارثة». ولفت أبو جودة إلى أنه «من الصعوبة بمكان تحديد مساحة الاحراج بدقة، لكن يكفي أن نذكر أن النيران اشتعلت من أسفل وادي لامرتين وساعدتها الرياح لتأخذ في طريقها الاشجار صعوداً الى البلدة»، منوها الى أن «اهتمامنا وقتذاك تركز على عدم امتداد ألنسة اللهب الى المنازل»، وقال: «ومن ثم امتد الحريق الى المقلب الآخر متخطياً الطريق الرئيسية بين دير الحرف – رأس المتن ليطال الاشجار في المنطقة المطلة على المتن الشمالي»، لكنه أكد أن «النيران التهمت أكثر من خمسة عشر الف شجرة صنوبر تتراوح أعمارها بين 25 وأكثر من مئة سنة وإن كانت النسبة من الاشجار المعمرة»، وقال: «إن المساحات المحروقة التي تشكل أكثر من ثلث مشاعات البلدة بعضها ملكية خاصة فيما القسم الاكبر منها عائد لوقف مار جريس – دير الحرف». وتحدث أبو جودة عن إحضار أعداد من الاغراس «تقدر بنحو 1500 غرسة صغيرة»، لكنه اعتبر أن «الخسارة كبيرة ولا يمكن تعويضها قبل سنوات طويلة وعلينا ان نزرع للأجيال المقبلة»، لافتاً إلى أنه «تبين لنا مؤخرا أن عددا قليلاً من الاشجار لم يحترق بالكامل وسننتظر للسنة المقبلة لنعرف ما اذا كانت هذه الاشجار ستنمو من جديد»، مرجحاً أن «يكون الحريق مفتعلاً». التحقيق مع المدعي! افتراض ان يكون الحريق مفتعلا، كان يتطلب فتح تحقيق لا يقفل إلا عند معرفة هوية المفتعلين وإنزال اشد العقوبات بهم، كون هذا النوع من الحرائق هدد مورداً من موارد البلاد الرئيسية. حول هذا الموضوع يقول أبو جودة: «إننا عندما تقدمنا بشكوى الى النيابة العامة كانت النتيجة اننا نحن من خضع للتحقيق!». واستغرب أبو جودة أن «وزير البيئة السابق محمد رحال قدم تعويضات عن الحرائق لـ 43 بلدية باستثناء دير الحرف ورأس الحرف ولا نعرف الاسباب، بالرغم من أننا تقدمنا بطلب الى الإغاثة وللأسف لم يرد الينا أي جواب بحيث اضطررت الى مراجعة الهيئة العليا للاغاثة وثمة وعود ونحن ننتظر». وأضاف: «قبل يوم من وقوع الحريق كنا بصدد اتخاذ قرار بلدي «بالتقشيش» لكن الكارثة كانت أسرع»، لافتاً إلى «اننا بصدد اتخاذ قرار والمبادرة الى «التقشيش» كي لا تتحول النباتات وقودا للحرائق وننتظر اجراءات من قبل الوزارات المعنية للحد من مفاعيل الكارثة». انقراض مهنة النواطير منذ بداية السبعينيات من القرن الماضي اندثرت مهمنة «الناطور» في المتن الأعلى، وكان ذلك بفعل تحول المواطنين عن قطاع الزراعة الى قطاعات اخرى، وترك قسم كبير من المواطنين أملاكهم ونزحوا الى المدن، فيما ظل «الناطور» حاضراً في التراث الشعبي، وغاب صراخه عن المطلات المرتفعة. تجدر الاشارة إلى أن نقابة مزارعي وعمال الصنوبر كانت أول من طالب بإعادة تفعيل دور النواطير في الأحراج لتأمين الحماية من السرقات والحرائق المفتعلة. رئيس النقابة فخري المصري، اعتبر أن «النقابة هي الاداة التنظيمية الوحيدة التي تعنى بهذا القطاع في لبنان، وهي تطالب بشق الطرقات الزراعية لتسهيل وصول الشاحنات وحافلات الدفاع المدني في حال حدوث حرائق، خاصة أن غابات الصنوبر خسرت الكثير بفعل الحرائق»، ولفت إلى أن «عدد العائلات التي تعتاش من الصنوبر يزيد عن 50 الف عائلة، تعمل على زراعته وتنظيف الأرض وصولاً إلى إنتاج الحب الأبيض ثم بيعه وتصديره». وطالب المصري وزارة الزراعة بمد النقابة بالشتول لإعادة التشجير، ووزارة الداخلية والبلديات بتفعيل القرارات الصادرة من الوزارة التي تقضي بإصدار مراسيم تشريعية تلزم البلديات بتشجيير الصنوبر بالأراضي المشاعية. وحسب المصري فإن «غابات الصنوبر تنتشر بكثرة في الأراضي المشاعية وتمتلك الأديرة نسبة 62 في المئة منها». بتخنيه تعيد التراث وكانت بلدية بتخنيه أولى من تنبهت لهذا الامر فقامت قبل شهرين بتعيين سامر عفيف ابو الحسن «ناطور» أحراج بلدة بتخنيه، ليكون أول «ناطـور» في المتن الأعلــى منـذ ان اندثـرت هذه المهـنة في مطلـع السبعينيات، وجاءت هذه الخــطوة منسجمة مـع مطالب البيئـيين وشريحة كبـيرة من المواطـنين، فضلاً عن النقابة «التي كانـت قد رفعت توصــية في هـذا المجال إلى وزارات الزراعـة والبـيئة والداخلية، ذلـك أن مأمــوري الاحراج غير قادرين على مراقبة الثروة الحرجية بشكل فاعل ومؤثر»، على ما قال مسؤول لجنة البيئة في البلدية وليد ابو الحسن. وعلمت «السفير» أن أحد أبناء البلدة قدم سـيارة «جـيب» رباعية الدفع للبلديـة ليستخدمـها «الناطور» الجـديد خلال مهامه. وشدد أبو الحسن على «أهمية التربية البيئية»، وأشار إلى أن «التعاون بين البلدية، ولجنة الوقف ورابطة آل ابو الحسن أثمر عودة ناطور الأحراج الى البلدة، وبدأ عمله في مراقبة الاحراج وحراستها لحمايتها من الحرائق المفتعلة وقطع الأشجار»، وتمنى «اعتماد هذه الخطوة في كل القرى والبلدات المجاورة في المتن لأن أي حريق يمتد ليطاول أحراج المتن». الإدارة المستدامة وسط الواقع القائم، تبدو الصورة قاتمة، ما لم تبادر وزارات البيئة والدخلية والزراعة إلى تبني خطة وطنية للحفاظ على ما بقي من الثروة الحرجية، وتحديد آلية واضحة لتنفيذها، بعيداً من الترف الاعلامي الذي تلجأ إليه بعض الجمعيات البيئية. وهنا ثمة مسؤوليات تقع بالدرجة الاولى على البلديات كسلطة محلية قادرة على العمل وفقاً لمقتضيات واقعها، شرط أن تلقى رعاية من الوزارات المعنية. وما يسترعي الانتباه أن الحرائق زادت في منـطقة المتن الأعلى على الرغم وبالتزامن مع زيادة عدد مراكز الدفاع المدني، اذ استحدثت منذ نحو أربع سنوات أربعة مراكز للدفاع المدني في هذه المنطقة! وهذا يعني أن ثمة ضرورة لتأمين ادارة مستدامة لغابات الصنوبر، وثمة اجراءات من السهل اتخـاذها، وهــي تتـطلب مؤازرة الدولة، ومن بينها إلزام مستثـمري وأصحـاب الاحراج بإدارة غاباتهم بشكل يبعد عنها مخاطر الحرائق والعبث والفوضى. أنور عقل ضو

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة