As Safir Logo
المصدر:

القصبجي وُلد وسيد درويش في عام واحد وعلّم عبد الوهاب وتزوج 4 نساء لم ينجبن له ولداً (*) لحّن لأسمهان بدون رضى أم كلثوم وأهملته أم كلثوم عام وفاة أسمهان وتجاهلته الدولة والتلفزيون

المؤلف: الحفني رتيبة التاريخ: 2000-01-28 رقم العدد:8512

وُلد محمد علي إبراهيم القصبجي في 15 أبريل (نيسان) عام 1892، بعد 29 يوما فقط من مولد سيد درويش.. وكأن القدر أراد أن يهدي عالم الموسيقى نجمين في آن واحد ليكونا منارة للموسيقى العربية في القرن العشرين. عاصر القصبجي سيد درويش خمس سنوات من 1918 1923 وهي السنوات القصيرة التي عاشها سيد درويش في القاهرة، والتي أنجز فيها معظم أعماله. ولد محمد القصبجي في حارة قواديس بشارع حسن الأكبر بحي عابدين، ولم يكن الوالد يعلم ما يخبئ القدر لابنه. فقد كانت أمنيته أن ينشأ ولده نشأة دينية، يحفظ القرآن ويرتل آياته.. ويصبح عالما من علماء الفقه والدين. أما الوالدة (عائشة عثمان بشناق) فكانت على عكس رغبة الوالد، تتمنى أن ترى ولدها أفنديا.. يختال بين شباب الحي بالبدلة والطربوش.. يتحدث باللغة الإنكليزية والفرنسية. كانت تعطف عليه، وتلبي كل رغباته، حتى أصبح أكثر أطفال الحارة شقاوة. والمعروف أن محمد القصبجي كان الولد الوحيد بين أربع بنات بعد وفاة أخيه أحمد. ألحقه والده بإحدى المدارس الأولية حيث أتم حفظ القرآن الكريم، وفي عام 1903 ألحق بمدرسة عثمان (باشا) ماهر الابتدائية بالقلعة.. وفيها اضطر الى ارتداء العمامة والقفطان، فكانت حسرة الأم على ابنها كبيرة كلما رأته بالزي الديني بينما أقرانه يرتدون البدلة والطربوش. شب الطفل في صراع بين الوجهة التي أرادها له والده، وبين الوجهة التي تجرفه فيها موهبته التي كانت تسري في كل قطرة من دمه؛ وهي أن يصبح في يوم ما فنانا مرموقا. كان ناظر المدرسة ويدعى الشيخ أحمد الحملاوي شاعرا ضليعا في اللغة العربية، لفت نظره ذكاء القصبجي الصغير، فقربه إليه، وأولاه رعايته. لم تستهو القصبجي هذه الدراسة على الرغم من تفوقه فيها، فكان كلما خرج والده من المنزل أخذ عوده يحاول العزف عليه. وكم كانت فرحته عندما يدق بإصبعه على الأوتار فتخرج منها بعض النغمات. أراد القصبجي الصغير أن يمتلك آلة عود خاصة به، ولكن كيف؟ والمصروف الذي يأخذه من والده ضئيل؟ لجأ إلى نجار الحي وطلب منه أن يمنحه عودا من الخشب طوله 16 سنتيمترا، وثبت في نهاية هذا العود رزتين خلعهما من (تختة) المدرسة، وأخذ يراقب والده، فكلما انقطع وتر من أوتار عوده أسرع والتقطه. واستطاع أن يشد هذه الأوتار على قطعة الخشب.. أحس الوالد باهتمام ولده بالموسيقى، وعلى الرغم من اجتهاده في المدرسة، كان يعنفه ويطالبه بمضاعفة المذاكرة. وتشجيعا له على الدراسة كان يعده بأنه إذا حفظ الآية القرآنية الجديدة، أن يصحبه يوم الجمعة الى تياترو اسكندر فرح، ليحظى بسماع صوت الفنان الكبير الشيخ سلامة حجازي، ومشاهدة مسرحياته الغنائية. فكان هذا حافزا كبيرا للقصبجي لحفظ الآيات القرآنية. وكان بعد عودته من المسرح يسترجع ما سمعه من غناء وألحان.. عام 1911 أنهى القصبجي دراسته الدينية، فألحقه والده بمدرسة المعلمين، غير أن الموسيقى والغناء كانا قد تأصلا في نفسه.. فكان يغني ألحان الشيخ سلامة حجازي لزملائه في الفصل، حيث يجد منهم كل التشجيع. أحس الوالد بزيادة تعلق ولده بالموسيقى، وخشي معارضته أو إبعاده عنها.. فبدأ الوالد يشجع هذه الهواية، وأهداه عودا من أعواده وبدأ في تعليمه العزف عليه، وتلقينه بعض نظريات الموسيقى. وفي عام 1912 تلقى القصبجي دعوة من أحد الأعيان لإحياء فرح في القناطر الخيرية، بل وتسلم عربونا قدره خمسة جنيهات. إلا أن الفنان الناشئ اصطدم بمشكلة الفرقة التي سترافقه! فلم يجد أمامه إلا أن يستعين بزملائه في المدرسة.. أقيم الحفل، وكانت سهرة ناجحة.. كافأهم عليها والد العريس بأن منح كل فرد من الفرقة جنيهين زيادة على الأجر.. مما شجع القصبجي على الاستمرار في نشاطه الفني إلى جانب دراسته، إلى أن تخرج من مدرسة المعلمين عام 1914. بعد التخرج حاول القصبجي إقناع والده بممارسة الفن، إلا أن الوالد عارض بشدة هذه الرغبة، وقدم طلبا الى وزارة المعارف يطلب لابنه وظيفة مدرّس في إحدى المدارس. أخذ القصبجي يبحث في حيلة تبعده عن التعيين، فلم يجد أمامه إلا أن يدعي ضعف الإبصار حتى يرسب في الكشف الطبي، فيضطر والده إلى توجيهه للعمل في مجال الموسيقى والغناء. وفي يوم الكشف الطبي أخذ القصبجي في تنفيذ حيلته.. يشير إلى اتجاهات العلامات في عكس اتجاهها، ونجحت حيلته ورسب في الكشف الطبي، واستبعد اسمه من كشف التعيين... كانت سعادة القصبجي كبيرة، تصور أنه بحيلته هذه استطاع التخلص من الوظيفة، وأخذ يعد نفسه للعمل في المجال الفني.. إلا أنه فوجئ بمفاجأة أخرى.. فقد تم استدعاؤه للمرة الثانية لإعادة الكشف الطبي، بعد أن أوصى الوالد رجال القومسيون بمراعاته. نجح في الكشف الطبي هذه المرة بالرغم من إشاراته العكسية للعلامات.. فالمشرفون على الكشف عملوا بالتوصية، وتم تعيينه (عريفا) أي معلما بمدرسة زينب بنت خليل يحيى ببولاق. وكان ذلك في نيسان عام 1915. وعهد إليه بتدريس اللغة العربية والحساب والجغرافيا والتاريخ. لم يجد القصبجي أمامه إلا الرضوخ لرغبة والده. فاستلم الوظيفة. وحتى يرضي نزعته الفنية، كان يؤدي وظيفته في الصباح، ويخصص الليالي للغناء. فكان بعد انتهاء اليوم الدراسي يعود إلى منزله مسرعا ليخلع الجبة والقفطان ويرتدي البدلة والطربوش.. متوجها لحياته الفنية. وفي 10 أيار عام 1917 قدم القصبجي استقالته من وظيفته في التدريس، وخلع العمامة والقفطان الى غير رجعة، وبدأت مرحلة جديدة في حياته. البدايات كانت بداية القصبجي مع الغناء عندما أراد أن يلحن بعض الموشحات والأدوار على غرار من سبقوه من أهل الفن.. إلا أنه وقف أمام مشكلة..!! من أين يأتي بنصوص الأغاني وهو ملحن غير معروف؟ فلن يستجيب مؤلفو الأغاني له. بدأ في نظم بعض الكلمات، ونجحت محاولاته الأولى، وكان من بين تلك الأغاني: الحب له في الناس أحكام.. والصبر ياما نصَف مظلوم يا قلب ليه سرك تذيعه للعيون.. والعين بتفضح كل مغرم. لم يكن للقصبجي صوت يزاحم به مطربي عصره أمثال: صالح عبد الحي، وعبد الباري، وعبد اللطيف البنا.. فاتجه لآلة العود وأخذ يعزف في تخوت العوالم، وبذلك ضمن الرزق الدائم. خلال السنوات 1918 1923 لحن القصبجي بعض الطقاطيق تغنت بها مطربات الصالات. وكان الى جانب عمله يقوم بتدريس آلة العود في نادي الموسيقي الشرقي، ومن بين تلاميذه محمد عبد الوهاب، وفي المساء يشارك بالعزف في تخوت العوالم.. واستمر القصبجي يعمل في التخوت، وكان آخرها تخت أم كلثوم.. حتى بعد أن صار من كبار الملحنين، فقد كان يخشى البقاء بلا مهنة إذا ما ترك العزف. استمر في تخت أم كلثوم يعزف ألحانه وألحان غيره؛ رياض السنباطي، زكريا أحمد، محمد عبد الوهاب، بليغ حمدي، كمال الطويل، وسيد مكاوي. وكان لا يخجل من تلقي التوجيهات منهم. التقى القصبجي بالفنان محمد عبده صالح، عازف القانون المعروف، الذي قدمه للمطربة توحيدة، وهي من المطربات المشهورات آنذاك.. غنت له دور »الحب له في الناس أحكام«، وكان هذا اللحن فاتحة الخير للقصبجي الملحن.. فأقبلت عليه بقية المطربات يطلبن ألحانه.. وتنبهت شركات الأسطوانات لهذا الملحن الشاب، وبدأت تسجل أغانيه. كان اتجاه الأغاني في هذه الفترة الى الطقاطيق الخفيفة، وأراد القصبجي لنفسه الانتشار، فاتصل بالشيخ محمد يونس القاضي الذي أمدّه ببعض نصوص الطقاطيق، من بينها: بعد العشا يحلا الهزار والفرفشة، وشال الحمام حط الحمام. وغيرهما. انتشرت هذه الأغاني وقامت شركات الأسطوانات بتسجيلها مقابل خمسة جنيهات للملحن، وجنيهين للمؤلف. لم يرض القصبجي عن الطريق الذي سلكه في الفن.. وتلحينه للأغاني الهابطة، فنشأته دينية، ورأى الابتعاد عن هذا اللون من الغناء، والعمل على الارتقاء بالأغنية، والبحث عن الكلمات الراقية. وحتى يتمكن من تقديم هذا الفن الراقي، فلا بد من تعلم أصول الموسيقى ونظرياتها عمل على تثقيف نفسه، فاشترى بعض الكتب الموسيقية من ميدان العتبة، وبدأ في دراستها. وأخذ يستمع إلى ألحان من سبقوه من الفنانين العرب الكبار.. وبعض الأعمال من الموسيقى الغربية محاولاً تذوقها، وداوم على حضور حفلات دار الأوبرا الملكية، يستمع إلى الفرق الأجنبية من أوركسترا سيمفوني، وفرق أوبرا، ومشاهدة عروض الباليه. وكانت أمنيته أن تتاح له فرصة السفر إلى إيطاليا للدراسة. فالقصبجي ظل يبحث عن الثقافة الموسيقية أينما كانت.. لم يكن متعصبا للون واحد من الموسيقى.. بل يقبل على الاستماع الى جميع ألوان الموسيقى باستثناء موسيقى الجاز، التي وصفها بأنها موسيقى غير معبرة. كما كان القصبجي دائم الاتصال بقادة الفرق الموسيقية ليتعلم منهم مبادئ التوزيع الموسيقي. ويعتبر القصبجي واحدا من القلائل الذين يجيدون تدوين النوتات الموسيقية، التي أخذها عن والده. فهو معروف بجمال خطه، لذا كثيرا ما كان والده يعهد إليه بإعادة تدوين بعض النوتات الموسيقية.. فكان لا يخجل من أن يسأله عن أسماء العلامات الموسيقية وأزمنتها. وعندما بدأ التلحين قام بتدوين كل ما عزفه وابتكره من ألحان، وهي خبرة نادرة بين أنداده ومعاصريه. في عام 1920 تعرّف القصبجي إلى الصوت الجميل محمد عبد الوهاب، وأعجب بموهبته وسرعة حفظه للألحان فقربه إليه، واستمرت علاقتهما مدة خمس سنوات، إلى أن دخل أمير الشعراء أحمد شوقي في حياة عبد الوهاب، وعلى هذا قلّل القصبجي تردده على الفنان الناشئ. وفي العام نفسه التقى القصبجي بكامل الخلعي الذي أخذ عنه الموشحات. وكان كامل الخلعي يلحن لمنيرة المهدية أعمالها المسرحية من أوبريت وأوبرا، وعن طريقه تم التعارف بين القصبجي ومنيرة، وبدأ التعاون بينهما، فغنت له العديد من الأغاني منها: والله زمان يا دلعدي ما شفنا ليلة زي دي من بعد 13 سنة ما يجبش زيي إن لف الكون اسمع أغاني المهدية وغيرها.. سجلتها منيرة على أسطوانات بيضافون. اللقاء بأم كلثوم يقول القصبجي: ».. أول مرة سمعت فيها أم كلثوم كانت في أواخر عام 1923، كانت تغني طقطوقة لإبراهيم فوزي مطلعها »في غرامك ياما شفت عجايب«، تعرفت إليها بعد ذلك بسنة، أي عام 1924، ومنذ ذلك التاريخ لم أفترق عنها، وقد عرفني بها أبي. فقد كان من أصدقائه متعهد الغناء، الشيخ محمد أبو زيد، فصحبني لأسمعها، وأعجبت بصوتها، وصعدت الى خشبة المسرح لأرى عن قرب صاحبة هذا الصوت الجميل، وحييتها فردت التحية من دون أن تتعرف إلى شخصيتي. وفي منتصف عام 1924، وكنت في هذا الوقت ألحن لجميع شركات الأسطوانات، ومن بينها شركة أوديون التي كانت أم كلثوم تسجل فيها أغانيها، وأغلبها من ألحان الدكتور أحمد صبري النجريدي.. طبيب الأسنان والموسيقي الهاوي. ومن هذه الأدوار: أنا على كيفك، الفل والياسمين والورد، مالي فتنت وغيرها. ومن بين ما سجلت أم كلثوم أغنية من تلحيني، من دون أن تعرف أنها من ألحان القصبجي، أغنية: »قال إيه حلف ما يكلمنيش«، وكنت قد لحنتها للسيدة نعيمة المصرية، كلمات ألبير ليفي مدير شركة أوديون. خشي ألبير أن تتعقد الأمور فصحبني إلى منزل أم كلثوم في شارع قولة بعابدين، وقام بتعريفي إليها قائلاً: »الشيخ محمد القصبجي.. صاحب آل إيه حلف«. اعتذرت أم كلثوم لعدم معرفتها لشخصي، وإقدامها على غناء أحد ألحاني من دون الرجوع إليّ.. فأسمعتها اللحن على أصوله، وأعدنا تسجيله. ومنذ هذا اليوم بدأت علاقتي الفنية بها. كوّن القصبجي لأم كلثوم أول تخت موسيقي (فرقة موسيقية صغيرة) لتصاحبها في الغناء، بدلاً من فرقة المنشدين التي كانت ترافقها. وكان هذا التخت يضم أعلام العازفين آنذاك: محمد العقاد (قانون)، سامي الشوا (كمان)، محمد القصبجي (عود)، محمود رحمي (إيقاع). واختار القصبجي لها مسرح »دار التمثيل العربي« لتقدم فيه حفلاتها الغنائية، بدلاً من الصالات العادية.. مثل »البوسفور« و»سانتي«، وكان المعروف ان منيرة المهدية تقدم حفلاتها على هذا المسرح. خشي مدير المسرح من غضب سلطانة الطرب منيرة المهدية، إذا ما سمح لأم كلثوم بالغناء في مسرحه، ولكن القصبجي استطاع إقناعه.. ووقع عقدا طويل المدى بينه وبين أم كلثوم. ومنذ عام 1926 وحفلات أم كلثوم تستقطب الجمهور، برغم ظهور حملات صحافية مغرضة، قامت بها منيرة المهدية عندما شعرت بخطر يهدد فنها. أحست أم كلثوم مدى إخلاص محمد القصبجي لها ولفنها، فاستسلمت لرأيه، ونفذت له ما طلب.. واعتبر في هذه الفترة ملحنها الأول. واستمر القصبجي يشترك بعوده في تخت أم كلثوم الذي لم يفارقه حتى آخر أيام حياته.. كما كان القصبجي يرافقها في خطواتها ولقاءاتها مع الموسيقيين والشعراء، وفي كثير من أسفارها خارج البلاد.. كان القصبجي من أقرب الشخصيات لأم كلثوم، وأول لحن غنته أم كلثوم في الاذاعة المصرية، مونولوج »ياللي جفاك المنام« كان من ألحان محمد القصبجي وكلمات أحمد رامي. وآخر ما غنت أم كلثوم للقصبجي مونولوج »رق الحبيب« كلمات أحمد رامي، سجلته على أسطوانات كايروفون عام 1944. ولا يُعرف حتى الآن سبب إقلاع أم كلثوم عن غناء ألحان هذا الفنان القدير بعد »رق الحبيب«، برغم اعترافها طوال حياتها بفن القصبجي في التلحين. شجعت أم كلثوم القصبجي على الاستمرار في التلحين لأصوات أخرى، وكانت تطلب منه عرض هذه الألحان عليها أولا، قبل عرضها على هؤلاء المطربات والمطربين. وكانت تبدي رأيها في اللحن. ومع ذلك لم تقدم على غناء أي منها. القطيعة روى المؤرخ الموسيقي محمود كامل وكان من المقربين إلى محمد القصبجي، مأساة القصبجي مع أم كلثوم بعد »رق الحبيب«. يقول محمود كامل: ».. عهدت أم كلثوم إلى القصبجي بتلحين بعض أغانيها بعد »رق الحبيب« ولكن هذه الألحان لم تغنها أم كلثوم، فقد حدث في عام 1954 ان اختارت أم كلثوم أغنية وطنية من شعر أحمد رامي مطلعها: »يا دعاة الحق هذا يومنا« لكي تسجلها بالاذاعة بمناسبة أعياد الثورة. وطلبت من القصبجي تلحينها، فعاد الأمل من جديد الى قلبه، وأحس بأن أبواب السماء بدأت تتفتح له مرة أخرى، وتوجه إلى الله أن يلهمه التوفيق والسداد، وان ترضى أم كلثوم عن هذا اللحن وتقبل غناءه. وبدأ القصبجي يلحن كلمات الأغنية.. وكان من فرط فرحته ونشوته، كلما انتهى من تلحين مقطع منها، يحمل عوده مسرعا الى فيلا أم كلثوم بالزمالك، يسمعها ما لحنه. وكانت تبدي له علامات الرضى، فيعود الى منزله منشرح الصدر، قرير العين. وظل هكذا الى أن انتهى من تلحين نصف الأغنية. وجاءت أم كلثوم إلى منزل القصبجي لسماع اللحن، ومعها الشاعر أحمد رامي.. وكنت رابعهم. وأمسك القصبجي بعوده وراح يغني اللحن، وهو يدعو الله في قرارة نفسه أن يلقى إعجاب أم كلثوم ورضاها. ولكن أمله خاب. لم تقتنع أم كلثوم بلحن الأغنية، وأشارت عليه بأن يعيد تلحينها من جديد. حاول القصبجي ان يؤكد لها انه ليس في الإمكان أبدع من هذا اللحن، ولكن من دون جدوى.. ورفضت أن تغني أم كلثوم الأغنية. لم تعهد أم كلثوم بالأغنية إلى ملحن آخر، وإنما اعتذرت عن غنائها. واكتفت بأغنيتها المعروفة »مصر التي في خاطري وفي دمي« التي سجلتها في العام السابق. وسافرت الى الاسكندرية لتقضي فترة الصيف. وشاء القدر أن تكون أغنية »يا دعاة الحق هذا يومنا« من نصيب المطربة فايدة كامل. ولم تكن تلك هي المرة الأولى التي يحاول فيها محمد القصبجي أن يلحن لأم كلثوم بعد أغنية »رق الحبيب«، ولا يكتب له التوفيق. فقد كان من المقرر أن نسمع تحفة السنباطي »سهران لوحدي أناجي طيفك الساري« بأنغام القصبجي. لكن أم كلثوم لم ترض عن لحن الأغنية.. فسحبت كلماتها من القصبجي وعهدت بها إلى رياض السنباطي. وكان منتظرا أن تنعم بسماع أغنيتين من تلحين القصبجي، وهما: نشيد الجلاء »يا مصر إن الحق جاء« شعر أحمد رامي، و»للصبر حدود« تأليف عبد الوهاب محمد، ولكنهما كانتا من نصيب الملحن محمد الموجي.. وأوجد تراجع أم كلثوم عن غناء ألحان القصبجي فتورا بينهما. فعلى الرغم من تعلق القصبجي بها فنياً وروحياً، واستمراره في العمل في فرقتها الموسيقية، إلا أن هذه التصرفات الأخيرة جرحت شعوره. وقبل وفاته بعامين، ساءت العلاقة بينهما أكثر، وأضحت علاقة عمل فقط.. ولم يكن القصبجي يدري سر هذا الفتور.. يقول محمود كامل: »إن هذا الفتور جاء لثلاثة أسباب: أولاً: سوء الحالة الصحية للقصبجي في السنوات الأخيرة.. وعدم استطاعته حفظ الألحان التي تقدمها أم كلثوم على المسرح، والتي كان قد قام بعزفها من قبل. ثانياً: كثرة شكواه لزملائه من سوء معاملة أم كلثوم له. ثالثاً: إصرار القصبجي على الحصول على أجره كاملاً عن الحفلات التي تتبرع أم كلثوم بإحيائها، والتي كانت تقوم بدفع أجور الفرقة من جيبها الخاص. ويعلل الناقد الفني كمال النجمي ما صار من خلاف بين أم كلثوم والقصبجي بقوله: ».. ماذا حدث للقصبجي في هذه المرحلة الطويلة التي بلغت عشرين عاما تقريبا؟ قيل انه كان في تلك المرحلة يهمس لأصدقائه بأن أم كلثوم قد أصابته »بعقدة نفسية« فلم يعد قادرا على التلحين، فقد كانت ترفض ما يلحنه لها.. لحنا بعد لحن، وتعطي الكلمات التي فرغ من تلحينها لغيره من الملحنين، ليصوغوا لها ألحانا أخرى. وذات يوم قالت أم كلثوم للقصبجي: يبدو يا »قصب« انك محتاج إلى راحة طويلة!! وارتاح القصبجي عشر سنوات كاملة.. ثم أعطته أم كلثوم كلمات أغنيتها »للصبر حدود«، ولكنها لم تقبل اللحن، وأخذت الكلمات وأعطتها لمحمد الموجي. ومن المفارقات العجيبة.. ان استمعت أم كلثوم للحن غنته المطربة سعاد محمد من ألحان القصبجي في حفلة أقيمت تكريما لها في معهد الموسيقى العربية، وأعجبت باللحن، وظنت ان القصبجي قد استرد موهبته، فكلفته بتقديم لحن لها يختار كلماته بنفسه. وجد القصبجي كلمات جميلة، وسهر الليالي في تلحينها، ولكن اللحن لم يعجب أم كلثوم.. وردته إليه.. »كانت هذه آخر محاولات أم كلثوم مع القصبجي في التلحين. إلا أن القصبجي ظل مخلصا لها متفانيا في خدمتها، غيورا على فنها. لم يخاصمها لأنها لا تغني ألحانه، ولم يتخل عن العمل معها، ولم تقل درجة وفائه وإخلاصه لها، فكانت حفلات أم كلثوم مقدسة لديه، لا يعوقه الاشتراك فيها أي شيء، مهما بلغت أهميته«. روى المؤرخ الموسيقي محمود كامل: »كان لعدم غناء أم كلثوم ألحانا جديدة للقصبجي بعد »رق الحبيب« أثره المباشر على قيمته الفنية، فقد حدث حينما أهدت أم كلثوم الى الاذاعة عام 1952 بعض تسجيلاتها الغنائية لتذيعها بدون مقابل، كان من بينها لحن »رق الحبيب«، وأشارت أم كلثوم على الاذاعة أن تدفع نصيب المؤلفين والملحنين في هذه التسجيلات. فقررت الاذاعة أن يصرف للقصبجي 200 جنيه. ورفض القصبجي يومئذ هذا التقدير، وأبرق الى مدير الاذاعة محتجا على هذا التصرف، وطالب بمساواته بزميله رياض السنباطي الذي قدرت له الاذاعة 300 جنيه بحجة ان قيمة الفنان تنخفض وترتفع تبعا لقلة وغزارة إنتاجه، وأن أم كلثوم لا تغني الآن من ألحان القصبجي. ولما سمعت بذلك أم كلثوم، لم ترض عن هذا التصرف الشاذ، ووعدت بالاتصال بالمسؤولين لمنح القصبجي حقه المشروع.. وفعلاً كان لتدخلها نتيجته الطيبة، وقبض القصبجي أجره كاملا غير منقوص. ومن المواقف التي تظهر مدى تعلق القصبجي بأم كلثوم هذه الواقعة: روى ان القصبجي أجرى عملية جراحية في عينه يوم أول شباط عام 1962، وبرغم ذلك لم تعقه العملية عن الاشتراك في حفلة أم كلثوم. واستمر القصبجي قائدا للفرقة بعد أن أسندت أم كلثوم إلى محمد عبده صالح عازف القانون إدارتها.. فأصبح القصبجي عضوا مثل الآخرين في الفرقة. وكان آخر لحن شارك فيه القصبجي بالعزف في فرقة أم كلثوم، قصيدة »الأطلال« للشاعر الدكتور ابراهيم ناجي، ومن ألحان رياض السنباطي.. إلا أنه توفي قبل تقديمها على المسرح. قدمت أم كلثوم هذه القصيدة بعد وفاته بأسبوعين، في حفلها الشهري في 7 نيسان 1966، وتركت مكان القصبجي شاغرا، فهذه الحفلة هي الأولى التي قدمتها أم كلثوم بعد وفاة محمد القصبجي.. كان القصبجي يخشى في سنواته الأخيرة أن يحتل مقعده في فرقتها الموسيقية عازف آخر على العود. وقد رشح في خياله لهذا المكان رياض السنباطي أو محمد الموجي. إلا أن أم كلثوم لم تفكر بعد وفاته بإحلال عازف آخر مكانه، واستمرت الفرقة تقدم حفلاتها مدة ثلاث سنوات من دون إدخال آلة العود عليها. أسمهان كان القصبجي يطارد الأصوات الجميلة.. أسره صوت علياء الأطرش، والدة فريد وآمال الأطرش (أسمهان). وكان قد تعرف إليها عن طريق الشيخ محمود صبح، وفريد غصن، وداود حسني، وزكريا أحمد. لحن القصبجي لها بعض الأغنيات (مسجلة في أرشيف شركة كولومبيا باسم المطربة الأميرة علياء المنذر الأطرش). وكانت الأميرة علياء تقيم سهرات فنية يلتقي فيها كبار الفنانين والكتاب والأدباء. وكان القصبجي من المعجبين بالأميرة ومن عشاقها. استمع في إحدى الأمسيات الى صوت آمال وهي تردد بعض الآهات والليالي، فأسره صوتها. قدم القصبجي هذا الصوت الى المطرب محمود صبح الذي استمع إليها وهي تغني أغنية أم كلثوم: »سكت والدمع اتكلم« (رامي القصبجي). أعجب محمود صبح بدوره بهذا الصوت، وتنبأ له بمستقبل باهر. لم يكتف القصبجي برأي محمود صبح، وعرض الصوت على داود حسني، وفريد غصن وزكريا أحمد.. فبهروا جميعا واعترفوا بأن هذه المغنية سيكون لها شأن كبير في عالم الغناء. وتبرع داود حسني بتعليمها العزف على العود، وزكريا بتلقينها أصول الإلقاء الغنائي، والقصبجي النظريات الموسيقية.. المقامات وطريقة الانتقال في ما بينها. أما فريد غصن فكان عليه تعليم آمال أغاني التراث. يعتبر القصبجي الملحن الوحيد الذي تفهم إمكانات صوت أسمهان، فلحن لها ما يتماشى مع لون صوتها وعذوبته. كما يعتبر الملحن الثاني بالنسبة لعدد الألحان التي قدمها لهذا الصوت بعد فريد الأطرش. أحست أم كلثوم بخطورة هذا الصوت عليها، فعملت على حصر ألحان القصبجي بها، إلا أن القصبجي تعلق بأسمهان واستمر في التلحين لها. وبدا أول جفاء بين أم كلثوم والقصبجي ان كاد يصل الى إبعاده من تختها، لولا تضامن أعضاء الفرقة معه. وذات يوم جاء رياض السنباطي الى أم كلثوم بقصيدة »حديث عين« للشاعر أحمد فتحي، رفضت أم كلثوم القصيدة معللة بأنها حديثة الاتجاه، بعيدة عن ذوق مستمعيها. بينما أعجب القصبجي بهذه القصيدة، فعرض على السنباطي اعطاءها لأسمهان.. فكانت أول لحن غنت به أسمهان من ألحان السنباطي. غضبت أم كلثوم من هذا التصرف، وبدأت العلاقة تسوء بينها وبين السنباطي أيضا.. إلا أن السنباطي أعاد استرضاء أم كلثوم بألحانه لها. استمر القصبجي في مد أسمهان بروائعه الغنائية منها: »هل تيم البان« و»الطيور« وغيرهما.. أراد القصبجي التجديد في ألحانه لأم كلثوم إلا أنها كانت ترفض هذا اللون واتجهت الى ألحان زكريا أحمد التي كانت تعتمد على الطرب. والمعروف ان القصبجي كان بطبعه مجددا، يسعى الى الخروج من الحدود التقليدية.. من دون أن يفقدها طابعها. ومن هذه المحاولات الجديدة كانت أغنية »منيت شبابي« وفيها حاول القصبجي أن يجعل أم كلثوم تغني سلما صولفائيا يبدأ من قرار المقام وينتهي بالجواب، وعندما لم يتجاوب صوتها مع هذه الحركة الفنية، عهد الى الأوركسترا بأداء هذا الجزء من الأغنية. والمعروف ان صوت أسمهان يختلف في معدنه وإمكانياته عن صوت أم كلثوم، فأغنية »الطيور« لا تتفق وصوت أم كلثوم بينما أدتها أسمهان ببراعة وتمكن. ولهذه الأغنية قصة: كان القصبجي صديقا للدكتور محمود الحفني (والد الكاتبة)، وكثيرا ما كان يأتي لزيارة الأسرة، والاستماع الى تسجيلات من الموسيقى والغناء الغربي. فالوالدة تقتني مجموعة كبيرة من هذه الأسطوانات. عشق القصبجي صوت »ارنا زاك« وهي مغنية نمساوية تجيد غناء »فالسات يوهان شتراوس، الموسيقي النمساوي. وأذكر انه استمع الى فالس »غابات فيينا« من موسيقى شتراوس أكثر من مرة، وكان كلما جاء جزء الاستعراض الصوتي وأداء المغنية لنغمات حادة شبيهة بتغريد العصفور (كوليراتورا)، بمصاحبة آلة الفلوت، كان يضرب برأسه في الحائط مرددا كلمات الاستحسان. وذات يوم طلب مني إحضار العود، وأخذ يدندن بعض النغمات. وفي اليوم التالي، جاء الى والدتي سعيدا يسمعها لحن الطيور الذي استوحاه من أداء المغنية النمساوية. غنت هذا اللحن اسمهان باقتدار كبير. ماتت أسمهان عام 1944، في نفس العام الذي قدم فيه محمد القصبجي آخر ألحانه »رق الحبيب« لأم كلثوم، وبذلك ضاعت من بين يدي القصبجي جوهرته التي كان يمدها بأجمل ألحانه.. والتي كان قد وضع في صوتها آمالا كبيرة.. زوجات وشقاء اعتبر القصبجي حياته الأسرية ملكا له وحده، فلم يعرف المحيطون به إن كان متزوجا أو عازبا. والواقع أن القصبجي تزوج أربع مرات، وفي كل مرة كان يطلّق زوجته لعدم إنجابها ولدا يحمل اسمه. وفي المرة الأخيرة أفهمه الطبيب ان عدم الانجاب لا يرجع إلى عقم الزوجة، فاستسلم لزواجه الرابع. كانت السنوات الأخيرة في حياة القصبجي سنوات شقاء، بسبب إبعاده عن التلحين برغم أنه كان يشعر بأنه قادر على الانتاج والعمل.. وانه ما زالت لديه أفكار جديدة وألحان مبتكرة. كان يرى زملاءه غارقين لآذانهم يلحنون ويبدعون، وهو العاطل المستبعد عن الاذاعة وشركات الأسطوانات.. لا يكلفه أحد بعمل ما. ومن المواقف التي آلمت القصبجي، موقف وزارة الثقافة منه عند إنشائها لمعهد الموسيقى القومي (الكونسرفاتوار) عام 1959. افتتح بالمعهد قسم للغناء العربي، وعين زميله رياض السنباطي للتدريس فيه، ولم يفكر أحد في إسناد وظيفة مماثلة له، وهو الذي تخرج على يديه عشرات الفنانين والأساتذة. حتى التلفزيون في بداية إنشائه عام 1960 أعطاه ظهره. كان هذا الجهاز يعمل على استضافة الفنانين وتقديم أعمالهم للجمهور. ولم يفكر أحد في استضافة القصبجي فشعر بمرارة كبيرة لعدم اتصال أحد به. عام 1965 اتصلت به المذيعتان ليلى رستم وأماني ناشد تطلبان منه الظهور على الشاشة الصغيرة. رفض محمد القصبجي الظهور على شاشة التلفزيون.. وكان محقا في ذلك.. قال »كيف لا يعترف بي التلفزيون كملحن، ويطلب مني المشاركة بالكلام.. أنا ملحن قبل كل شيء«. لم يفكر التلفزيون في استضافة القصبجي إلا بعد كتابة بعض التساؤلات من الصحافيين. وأخيرا جدا.. دخل القصبجي استوديوهات التلفزيون، وسجل أغنية من تأليف »إمام الصفطاوي، وغناء »نادية نور«، والمدهش ان هذه أول أغنية يلحنها القصبجي للتلفزيون.. بينما لحن »الضفادع« عشرات بل مئات الأغاني. بدأ اليأس يدب الى قلب الملحن الكبير الذي امتنعت مواهبه عن العطاء، بعدما تدفقت طويلا بالعطاء الغزير، فكف عن محاولات التلحين، ولم يعد يعنيه إلا ملازمة أم كلثوم كرئيس لفرقتها الموسيقية، يتقاضى عن كل حفلة عشرين جنيها. ولكن حتى رئاسته للفرقة لم تدم له. فقد أصابت القصبجي بلبلة جعلته ينسى بعض أجزاء من اللوازم الموسيقية والجمل اللحنية، والكلمات في هذه الأغنية أو تلك، فترتبك الفرقة، وترتبك أم كلثوم على مرأى ومسمع من جمهور حفلاتها. اضطرت أم كلثوم الى أن تعهد بقيادة فرقتها الى عازف القانون الكبير محمد عبده صالح، الذي كان أشبه بالكمبيوتر في حفظ جميع الألحان الكلثومية. وبعد تلك المحاولات الطويلة غير المجدية في العودة إلى التلحين، ثم بعد عزله من رئاسة الفرقة الموسيقية، وتحوله الى مجرد عازف في الفرقة، وبعد تاريخه الحافل العريق، اضطر الى قبول هذا الوضع غير اللائق حتى لا ينقطع عنه رزقه الوحيد. بعد هذه التحولات الأليمة في حياته، استسلم محمد القصبجي لليأس، ووجد فيه راحة من النضال العقيم من أجل العودة للتلحين. وكان استسلامه لليأس الباب الذي دخل منه المرض إليه. (*) تنشر هذه المقالة بالاشتراك مع مجلة »الكتب، وجهات نظر« الصادرة في القاهرة. الى طولها تنشر بتصرف.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة