As Safir Logo
المصدر:

حكم غادة أبو كروم

المؤلف: بيضون عباس التاريخ: 2000-01-20 رقم العدد:8505

القاضية غادة أبو كروم في مطالعة الحكم في قضية مارسيل خليفة قالت ما معناه إن ثمة أمورا مخالفة للدين تجري مجرى العادة وتعم في المجتمع ولا يقاضى عليها حجة من البداهة بحيث غفلنا عنها، كثيرة هي الأمور للدين ولا يقاضى عليها، كثيرة بحيث انها تملأ حياتنا، ألسنا نراها في كل لحظة وكل مكان، الآن وأمس وغدا، طالع »الأغاني« واسأل نفسك كيف يتسنى لهذه الكثرة أن تشرب الخمر غير خائفة ولا مهددة، معصية ليست من الهنات ولا الصغائر لكنها سارت مسرى العادة وخلي بينها وبين صاحبها والله. ما قالته غادة أبو كروم صحيح، قالت إن ليس من شأن المحكمة ان تعيد الناس إلى الجادة وأن تحاسب الناس على أمور كبروا فيها، بل ليس من شأن المحكمة أن تسنّ للناس سنّة جديدة وأن تخرجهم من شؤون وأمور وجدتهم عليها، ليس هذا بالتأكيد شأن القانون ولا شأن المحكمة، لا يهدي القانون ولا يرد الناس إلى الطاعة ولا يعظهم ولا يدعوهم إلى أن يهجروا دين آبائهم أو أن ينقلبوا عن سنّة وجدوا آباءهم عليها ولا عن أسباب كبروا فيها ولا أعراف تعوّدوها ولا خصال ورثوها، هذا شأن الدعوة والعقيدة والقانون ليس دعوة ولا عقيدة، هذا شأن الدين والقانون ليس ديناً، قالت غادة أبو كروم وجدنا آباءنا وأهلنا وأنفسنا على شيء ولا داعي لأن نغيره بقوة الدولة أو القانون، فليس من شأن المحكمة التغيير ولكن الموازنة وسن الحدود والحقوق، ليس من شأن المحكمة رد الناس إلى الدين إذا خالفوه أجيالاً بدون أن ينقلب هذا إلى جناية ولا خروج. قالت غادة أبو كروم ان دعوى خليفة ليست من شأن المحكمة، فالمحكمة ليست كنيسة ولا مجلسا مليا والمحكمة ليست للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمحكمة ليست داعية ولا مبشرا وعلى هذا فرّقت أبو كروم بين القانون وبين المجتمع، بين القانون وبين الشرع، بين المحكمة وبين الدعوة، بين الحكم وبين الهداية، من هو ضال أمام القانون هو غير الضال أمام العرف والشرع والعقيدة، فحيث العقيدة لا يبقى القانون عقداً اجتماعياً، بل يتحول الى عقيدة فوق المجتمع وفوق القانون. فذلكة القاضي الذي حكم في قضية طه حسين استحالت وثيقة ثقافية، وليست مطالعة غادة أبو كروم في تفصيل تلك الفذلكة ولا متابعتها، لكن حكم غادة أبو كروم هو أيضا وثيقة ثقافية، فحيث يضيع تعريف القانون والدولة، وحيث تختل موازين العلاقة بين الدولة وهيئات المجتمع وجماعاته، وحيث يضيع الفارق بين الجماعة والسلطة وبين القانون والعرف، في وضع كهذا تبدو مطالعة غادة أبو كروم فيصلاً، ليس جديدا ردنا الى العقد الاجتماعي لكن العودة الى المبدأ أمر ينبغي أن يوجد دائما من يفعله ما دامت الفوضى لا تترك لنا مبدأ.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة