القاهرة : ليل القاهرة ليس مختلفاً كثيراً عن نهارها. الحياة ما زالت تدب في هذه مدينة التي أصبحت محجّة للشبان العرب الطامحين إلى التغيير. لكنّ زحمة السير الخانقة في شوارعها سرعان ما تبدأ في التلاشي تدريجياً مع اقتراب حظر التجول الذي يمتد سريانه بين الثانية والخامسة فجراً، والذي يميل كثر إلى عدم الالتزام به، ما يطمئنك بأن لا شيء يبرر الخوف المسبق من حوادث أمنية تحفل بها وسائل الإعلام المحلية والعالمية، ولا يحتاج زائر القاهرة هذه الأيام إلى جهد كبير لكي يدرك أنها أحداث محدودة يجري تضخيمها. يجلس سبعة شبان حول طاولة يتوسطها إبريق من الشاي أمام مقهى شعبي في حي شبرا، وهم يتبادلون الأحاديث في السياسة والاقتصاد والثقافة. يتنبهون إلى وجود زائر غريب، فيتوجهون إليه ويسألونه بتهذيبٍ راقٍ عن مقصده. يطمئنون إلى أنه ليس «عنصراً مشبوهاً»، فيعتذرون منه ويسمحون له بأن يكمل طريقه بعد أن يدعوه إلى مشاركتهم في تناول الشاي... ثم يعودون إلى المقهى ليستكملوا نقاشاتهم. تلك عيّنة عن إحدى اللجان الشعبية التي أصبحت منتشرة على نطاق واسع في مختلف أحياء القاهرة وباقي المحافظات المصرية. شبان لا يجمعهم سوى «حب مصر»، نحّوا جانباً خلافاتهم السياسية والفكرية وتبايناتهم الأيديولوجية والطبقية، وقرروا أن يحموا «ثورة 25 يناير» بأنفسهم، وأن يحافظوا على زخمها خارج نطاق ميدان التحرير، الذي أصبحت فعاليات الثورة فيه مقتصرة على «المليونيات» الدورية. انطلاقة اللجان الشعبية كانت ليل الثامن والعشرين من كانون الثاني الماضي، في ما عرف بـ«جمعة الغضب»، حين خرج رجال مصر لمنع مؤامرة الفراغ الأمني التي سعى النظام السابق من خلالها إلى فرض معادلة «إما حسني مبارك... وإما الفوضى». يومها تشكلت مجموعات شعبية بشكل عفوي لإحباط ذلك المخطط الجهنمي: شبان يحمون ممتلكاتهم بما تيسّر من «أسلحة» كالسكاكين والعصي، ويتصدّون لهجمات البلطجية، سواء المدفوعين من النظام لبث الرعب في الشارع، أو أولئك الذين وجدوا في الفوضى الأمنية فرصة مناسبة للسطو على المنازل. ومع عودة الاستقرار الأمني تدريجياً إلى شوارع مصر، وخصوصاً بعد تنحي مبارك وعودة الشرطة مجدداً لممارسة عملها، أصبحت للجان الشعبية مهام جديدة تتوزع بين ملاحقة فلول النظام السابق، الذين ما زالوا ينشطون سياسياً تحت مسمّيات مختلفة - شخصيات مستقلة ورؤساء جمعيات ووجهاء عائلات... إلخ - وتعزيز التنمية الاجتماعية على المستوى المحلي، وصولاً إلى رفع الوعي السياسي والاجتماعي في صفوف المواطنين العاديين، وكل ذلك بهدف تحقيق تغيير سياسي واجتماعي وثقافي شامل على مستوى «ثورة 25 يناير». يتحدث الناشط الناصري سمير لطيف عن فكرة اللجان الشعبية قائلاً إنه «بعد الثورة برز اتجاهان حول سبل الحفاظ على الزخم الثوري: الأول يقول بضرورة تشكيل أحزاب وحركات سياسية جديدة، فيما الثاني يرى أن ثمة حاجة لتوعية الناس على حقوقها السياسية وتحقيق التنمية الاجتماعية على مستوى الأحياء». ويشير سمير، وهو عضو في إحدى اللجان الشعبية في منطقة العمرانية، إلى أن فكرة هذه اللجان جاءت انطلاقاً من حقيقة أن «الشعب المصري انتقل بشكل مفاجئ من مرحلة السكون إلى مرحلة الثورة، ما يثير مخاوف من أن يشهد مرحلة سكون جديدة، على غرار ما حدث في الكثير من التجارب الثورية في العالم، وهو أمر يستوجب تكثيف الجهود للحفاظ على الزخم الشعبي، فضلاً عن أن ثمة حاجة ملحة داخل المجتمع لإحداث ثورة ثقافية تواكب الثورة السياسية». ويرى لطيف أن «الحديث عن ثورة ثقافية داخل المجتمع المصري لا تعني أن ننظّر على بعضنا البعض، بل أن نعرّف الناس على حقوقهم وواجباتهم، وهذا ما نسعى للقيام به. أما التنمية الاجتماعية فتتخذ أشكالاً مختلفة، وهي تتراوح بين توفير الخضار للناس بسعر التكلفة، وإقامة دورات محو أمية، وتنظيم ورش تدريبية على استخدام الكومبيوتر، وغيرها من النشاطات التثقيفية». ويؤكد لطيف أن تجربة اللجان أظهرت حتى الآن نجاحاً ملحوظاً، لكنها بحاجة إلى مزيد من التطوير والتفعيل، خاصة أن تكريس الثورة على مستوى الأحياء يشكل أداة مهمة للضغط باتجاه تحقيق التغيير الشامل على المستوى الوطني، ويوفر في الوقت ذاته قدرة على التصدي لكل أشكال الثورة المضادة، مشدداً على أن هذه اللجان «غير مسيّسة ولا تستهدف استقطاب أحد إلى أي من التيارات السياسية القائمة، علماً أن معظم هذه التيارات ممثل في اللجان، ولكن على المستوى الفردي وليس السياسي». بدوره، يقول الناشط في «اتحاد الشباب التقدمي»، الجناح الشبابي لحزب «التجمع»، ناصر عبد الحكيم إن «فكرة اللجان الشعبية في مصر أطلقها اليساريون في عدد من أحياء القاهرة في الأيام الأولى لثورة 25 يناير، وانتقلت بسرعة قياسية إلى كل أنحاء مصر، وذلك بعدما رأى فيها الناس أداة ضرورية لحماية ممتلكاتهم والتصدي لهجمات بلطجية النظام على شباب الثورة، وهي هجمات لم تقتصر على ميدان التحرير». ويشير عبد الحكيم إلى أن «اللجان الشعبية انطلقت من واقع أن الدولة أداة تستخدمها طبقة داخل المجتمع لكي تفرض سيطرتها على طبقة أخرى، وأنه عندما تهتز أركان النظام، تكون مهمة الدولة، كأداة لحماية النظام، قد انتهت، ما يستتبع انهيار المنظومة الأمنية وانتشار الفوضى، وهو أمر تتفاعل معه الجماهير بتشكيل لجان شعبية مسلحة لكي تحمي نفسها بنفسها». ويرى عبد الحكيم أنه «بعد زوال خطر الفوضى الأمنية، كان مطلوباً من التيارات المشاركة في الثورة أن تطوّر عمل اللجان الشعبية من مجرد الحفاظ على الامن إلى الحفاظ على مكاسب الثورة، لكن هذا الأمر لم يتحقق إلا بشكل جزئي، إذ بقي مقتصراً على المناطق التي لقوى اليسار حضور قوي فيها، في حين تم فيه تفكيك عدد كبير من اللجان في المناطق الأخرى». وحول آليات عمل اللجان الشعبية في المرحلة الراهنة، يوضح عبد الحكيم أن «الناس بدأوا يدركون أن الفساد في عهد مبارك لم يكن مقتصراً على رأس النظام، بل كان ولا يزال ممتداً إلى المحافظين ورؤساء المجالس المحلية وكبار الموظفين. ولهذا السبب، فقد بدأت اللجان الشعبية بالعمل على ملاحقة فلول النظام السابق على مستوى الأحياء والقرى، حيث يتم تنظيم تظاهرات ووقفات احتجاجية لإقالة هؤلاء الفاسدين، وهو أمر يستهدف تفتيت النظام البائد بكل كيانه، وذلك من أجل قطع الطريق أمام أي شكل من أشكال الثورة المضادة». ويرى عبد الحكيم أن آليات العمل تلك ضرورية جداً للحفاظ على مكتسبات الثورة، لا سيما في المرحلة الانتقالية التي ستسبق الانتخابات التشريعية والرئاسية، موضحاً أن «أعضاء الحزب الوطني بدأوا يستعدون لخوض الانتخابات تحت مسميات مختلفة، وبالتالي فإن من مهام اللجان الشعبية في هذه المرحلة تحذير المواطنين من أن هؤلاء المرشحين كانوا ينتمون إلى هذا الحزب الذي خرب البلاد طوال أكثر من ثلاثين سنة». من جهتها، ترى الناشطة الشبابية سارة أحمد فؤاد أنه «من بين أفضل ما حققته اللجان الشعبية هو إتاحة الفرصة أمام شباب الحي الواحد، وحتى المبنى الواحد، لكي يتعرفوا على بعضهم البعض، بحيث يلتقون حول هموم مشتركة، ما يمكنهم من تبادل الأفكار والآراء، وتنفيذ مشاريع مشتركة، على غرار تأسيس الجمعيات التنموية». وتضيف سارة أن «اللجان الشعبية تقوم بدور بارز في ضبط الأسعار، وهو أمر بدأ في أيام الثورة، حين استغل عدد من التجار حاجات الناس للسلع، وقاموا بمضاعفة أثمانها، فتدخل شباب اللجان وهددوا المخالفين بإغلاق متاجرهم أو تسليمهم للجيش». وترى سارة أن «الشباب المشاركين في اللجان الشعبية يمتلكون من العزيمة والهمة ما يكفي للإسهام بشكل فعال في حماية الثورة، بدءاً بضبط الأسعار ومواجهة الغش، مروراً بحملات التجميل والنظافة في الأحياء، وصولاً إلى حملات للتوعية السياسية ومراقبة الانتخابات وفضح الذين كانوا يعملون لصالح الحزب الوطني وأجهزة الأمن في عهد النظام السابق». وتشير سارة إلى أن «اللجان الشعبية تشكل أطراً ضرورية لتحقيق المراقبة الفعالة انطلاقاً من الأحياء، وهذه نقطة مهمة جداً، باعتبار أن ثورة 25 يناير قد أحدثت التغيير على مستوى رأس النظام، بينما هناك حاجة إلى تغيير مماثل على المستوى القاعدي». لكن ثمة متحفظين كثراً على دور اللجان الشعبية، ومن بين هؤلاء منظمات المجتمع المدني. وفي هذا الإطار، يقول الناشط في حركة «شباب 6 أبريل» محمد عادل، إن «اللجان الشعبية فكرة يسعى اليساريون لتطبيقها بغرض إقامة كانتونات تفاوض بعضها البعض»، مشيراً إلى أن هذا الأمر لا ينسجم مع تطلعات شباب مصر الذين يريدون تحولاً ديموقراطياً من خلال التوعية السياسية والضغط باتجاه سن قوانين عصرية تشكل أداة فاعلة لإحداث هذا التحول. برغم ذلك، يؤكد عادل «إننا لن نمنع أحداً من ممارسة أي شكل من تشكيل لجان، خاصة إذا كان الهدف منها تعزيز التوعية السياسية، وهو أمر يشكل عنصراً أساسياً من عملنا، وإن كنا نقوم به بأساليبنا الخاصة المختلفة». ثمة إجماع بين شباب الثورة على أن الانتصارات المتتالية التي حققتها «ثورة 25 يناير» تبقى ناقصة ما لم تقترن بثورة شاملة تطال كل أوجه الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، لذا تراهم يشعرون بأن الثورة تنجز مهامها حيث يتم تطهير أرض مصر من خيوط الفساد والجهل والتخلف التي نسجها عنكبوت الحزب الوطني على مدى أكثر من 30 سنة.