أطلق مسؤول رسمي أخيرا صيحة مدوية منددة بالطائفية، فألزم نفسه بالبحث لاحقا عن مخرج، كما هي العادة لدى كثير من المسؤولين، سوى واحد يرفع كثيرا من صوته اللاطائفي، ولا يتراجع، بل يمضي في حركته الطائفية بما تقتضي من اختزال طائفته فيه، ما يشكل مصدرا ممتازا لقوة حضوره. لقد قدر البعض ان وراء الحدة في لهجة المسؤول، ربما كان سخونة ما، في مكان خفي، من السجال المعهود بينه وبين مسؤول آخر، ما زال يستمد له الغذاء من ذكريات مضطربة، لم يستطع المسؤول المصرِّح الكف عن استحضارها، عند أي مضايقة او شعور بالضعف، بصرف النظر عما تستلزمه مؤسسات الحكم من علاقات فيما بينها. وفي حين يبدي المسؤول الثاني تعجبه من زميله، يذكر بتجربة تنفيذية مشتركة لهما، لم يثبت فيها الزميل أنه معافى تماما من إغراء الطائفية. ولم يعتم المسؤول الثاني ان وافق زميله فأعلن الموافقة على رغبته في الشروع في إلغاء الطائفية، عبر صيغة اللجنة العتيدة البعيدة إياها. ليعود المسؤول بعد التصريح الحار فيقول الكلام الذي يقوله الواقعيون في المسألة، ما نتوقع معه ان يلوذ الجميع بالصمت، بعد هذه الموجة، التي لا ندري السر في حركتها، والذي غالبا ما يكون بعيدا عنها أصلا وفصلا، ويصمتوا حفاظا على اللازم لهم من عصبية طائفية، ما زالوا يعملون على رفع منسوبها لإيمانهم بأنها نصابهم السياسي شبه الوحيد، والذي يشعرون بالحاجة أحيانا الى تلوينه بمساحيق وطنية او علمانية فاقعة لونا وقليلة الكثافة والجدوى. ان هذا النمط من الإثارة الدورية، يفتح وعي اللبنانيين على الإشكالية العميقة للطائفية، التي يمكن ان لا تكون عيبا، لولا مراوغة الطبقة السياسية وإصرارها على تعقيدها، والتلويح بحلها كما لو كان إجراء يؤشر على الكوارث هنا يحلو لمن ينتسبون طبيعيا الى الاجتماع السياسي اللبناني، ولا يحملون اعاقات العضوية في النادي السياسي ان يقولوا: حسنا.. ولكن الى أي أطر تنظيمية نحيل اجتماعنا الوطني إذا ما ألغينا الطائفية؟ ربما كانت الفوضى التنظيمية هي التي تنتظرنا لتعيدنا الى طائفية أبغض. ان جدية وواقعية ونظافة السعي الى إلغاء الطائفية والتخفيف من ضرائب هذا الإلغاء واحتمالات الانتكاس، تقاس بمدى الجدية في تأسيس الاوضاع التي تمكن من تشكيل مجتمع مدني يشكل القناة او جسر العبور الى حالة ديموقراطية لا تعاند خصوصيات تاريخية في تكوين لبنان، المجتمع والكيان، حتى لا تكون المعاندة قطيعة متعسفة تؤدي الى المزيد من سلبيات الطائفية.. وهذا يعني مثلا ان نعمل على تنظيف العمل النقابي من الرصيد الأصلي من الطائفية والذي أضيفت اليه بعد الطائف علامات ومؤشرات تنذر بمخاطر اجتماعية وسياسية لا يستهان بها. وان نفتح الأفق على انتاج احزاب سياسية لا طائفية بريئة من الرعونة العلمانية التي عانينا منها وأسهمت في اعادة أهلنا الى عصبياتهم. آخذين في الاعتبار ان المشهد الحزبي الطاغي الآن هو مشهد طائفي ومذهبي، من الكتائب الى الأحرار الى التضامن الى التيار الوطني المستقل، الى التيارات المنحلة او المهاجرة، والكامنة على المفرق الطائفي، الى الحزب التقدمي الاشتراكي الذي ما زالت اللمسات غير الطائفية في بنيانه تجميلية، وفي حالة تراجع كمي وكيفي، الى حركة »أمل« التي جاءت المنافسة القوية لها على الود المذهبي، قاطعة بين الخطاب التأسيسي الصدري وبين ضرورات الاستمرار، الى حزب الله، الذي ظلت مذهبيته تحكم متحوله اللبناني رغم طرح السرايا الوطنية في المقاومة، التي دخلت في الخطاب اكثر من الفعل. الى الكتلة الوطنية، التي تمتاز بارتفاع النبرة الديموقراطية في خطابها، والجسم طائفي ومذهبي مصفى، وان كانت هذه النبرة ما لبثت ان تحولت الى غصة عندما شارك اثنان من قيادات الكتلة في وثيقة وطنية كانا يفترضان انها لا تتنافى مع المنطلقات الوطنية للكتلة وتم فصلهما من قبل العميد بناء على ذلك. الى حركة التوحيد والجماعة الاسلامية التي تعقلت الى حد أنها أصبحت مهددة في بنيانها المذهبي مما قد يعيدها الى السياقات الاولى، خاصة اذا لم يفسح لها المجال لتعبر عن نفسها نيابيا بما يوازي حجمها ومجمل التحديات التي تواجهها، الى جمعية المشاريع التي لم يسهم حراكها السياسي في تخليصها من بعدها الطائفي والمذهبي بقدر ما كان مناسبة لتأكيده.. اما الاحزاب اليسارية والقومية، فهي بحاجة الى اعادة إعمار لا تقل تعبا ومشقة عن عملية التأسيس، خاصة وأنها ابتليت بالمزاوجة بين نبرتها العلمانية العالية وسلوكها اليومي المحكوم بالضرورات الطائفية التي تبالغ فيها احيانا فتتيح لقواعدها وكوادرها ان تعبر عن كامن طائفي في وعيها يتمظهر علمانياوالا فانه من الخطر والخطل في مكان، ان يكون بيننا من يتوهم لأسباب تحت سياسية بأن المعبر الى لبنان الديموقراطي والى العصر والقرن الجديد والألفية الثالثة والى استيعاب استحقاقات التسوية والعولمة وما بعد الحداثة هل مررنا فعليا بالحداثة؟ هو ان نقيم حالات حزبوية مشتهاة، مائعة أو رجراجة مفصلة على لحظات عابرة مهما تكن طويلة نسبيا، في عمر الدولة والسياسة اللبنانية، ولا مصدر ولا مسوّغ لها الا سلبيات الحاضر والماضي اللبناني، المبالغ فيها احيانا، اي انها تقوم على رؤية وموقف من الباطل من دون ان يكون الحق او الطريق اليه واضحا، وهذا في منتهى الخطورة لان السلب لا يكفي مؤونة لاجتراح مسارات وطنية سليمة وحضارية وجامعة. ان المنزل الذي نريد ان نبنيه يحتاج الى باب ندخل اليه منه.. وليس الباب الذي نملكه هو الذي يُملي او يكفي باعثا حقيقيا على بناء المنزل... والمنازل الاخرى، التي شوهتها الطائفية وأقامت فيها وطردت الوطن والمواطن منها، والمنازل التي طالتها الحرب بالدمار والتشويه، يمكن اعادة قراءة صورتها وهندستها وأسسها ومواقعها ومساحاتها وضرورة الإبقاء عليها، كلا او بعضا، او ضرورة جرفها، وفي المقابل نعد معا مشروعا للعمران السياسي ونقيم مؤسسات تشريعية وتنفيذية وإدارية لا تنقصها المعرفة والإرادة والادارة والذاكرة والقدرة على الاستشراف والحيوية والفتوة المدعومة بالحكمة والروية، ونبدأ بتنفيذه بتحقيق الشروط الاولى، وأول هذه الشروط الاولى، مجلس نيابي، نتيح للأصلاء من أهلنا، ومن خلال الانتخابات الحرة فعلا وقولا، ان يختاروا وكلاءهم فيه، ونراقب اختياراتهم بدقة ومسؤولية، ونكتشف معا مواضع الخلل وأسبابه، ومسؤوليتنا عنه، لنعالج على مدى دورة تشريعية، نضع خلالها المسألة الطائفية على سياق التخفيف ونتيح بالقول والممارسة والأداء للأفكار والقيم الوطنية ان تكون حاكمة على الطائفية لا محكومة لها وبها، وبذلك يصبح إلغاء الطائفية أمرا ميسورا وفي الحدود الميسورة، ومن دون ان يكون تهديدا ضمنيا بإلغاء الطوائف. مما يجعل أهلها أشد تمسكا بسلبياتها منهم بإيجابياتها، على أساس ضرورة تصديقنا بأنه ليس هناك حق مطلق الا الله ولا باطل مطلق الا الشيطان. لقد تعودنا ان نسمع شكوى مرة من الطائفية، كلما حدث في لبنان حدث مشوب بملابسات طائفية، ثم لا يلبث الشاكي ان يعود الى دفاتره وحساباته ويجري تعديلا على خطابه. فهل كانت أحداث الضنية سببا لما سمعناه ثم سمعناه معدلا على اللحن الوطني؟ ربما كانت حكومتنا قد استشعرت، متأخرة كما هي العادة، نقصا ذريعا في أهليتها للوقاية من حدث مثل حدث الضنية والعلاج الشافي له. وربما كان الكلام الدائر عن وفدنا الى المفاوضات مع إسرائيل، والذي يعكس إرباكا حكوميا هائلا، في مفصل خطير، سببا آخر من أسباب الانفعال اللاطائفي، الشبيه بالعلماني، على توقع منا بأن تعود الدولة، بعلمانييها شكلا وبطائفييها، الى تسويغ اي حركة تحت السقف الطائفي.. وعليه فاننا ومن أجل الوصول بالطائفية الى حل معقول ومتدرج وغير صاعق، اي من أجل الوصول الى وضع المسألة على سكة الحل، نرى ان توكل المهمة الى المؤسسات الدينية القائدة والى امتداداتها في عقلاء الطوائف الذين يقيمون في الوطن ويمرون بالطائفة مستكشفين همومها وحساسياتها كجماعة وطنية، ويتفهمونها ويصبرون عليها ويدعونها الى تفهم الحساسيات الاخرى، المختلفة او المضادة، ويعملون على تطويرها من الداخل، بقوانينها، لا بالنبذ واللعن والادانة والاستعلاء العلماني.. ربما تكون الهيئات الدينية القيادية اكثر أهلية لوضع تصور واقعي وعملي لحل المسألة الطائفية، لأنها تسمع من الجميع، من الغلاة والمعتدلين، من الصادقين والمنافقين، وتعرفهم من كلامهم ومن سماهم.. إذن ندعو طرفا من أهل هذه الطائفة ونفرا من أهل تلك، من أهلها العلماء المؤمنين والمتنورين والحواريين. ونطلب إليهم، بعدما نضعهم في موقع استشاري لا يعدم قدرة على الإلزام، إعداد برنامج وطني بعيد عن أوهام الإلغاء المراوغة والمتعجلة، وبعيدا عن وضع الحساسيات والفوارق الطائفية والمذهبية، في يد القوى السياسية المتصارعة، منعا لاستغلالها فئويا وطائفيا ومذهبيا، على حساب الوطن والمواطن.. وهذا ليس تعطيلا للسياسة، لأنها معطلة، ولكنه دعوة الى انتاج سياسة وطنية، لمرة واحدة، وبشكل استثنائي ومؤقت، محكومة بالعلم والإيمان وبعيدة عن الطموح او الطمع السياسي المباشر... إذ لا قائد أعلى في المؤسسات الدينية يطمع بنيابة او وزارة او رئاسة.. ونحن نسمع بأن اكثرهم مؤهلون للمشاركة الفاعلة في رؤية المشروع وطني حضاري. كما يقر الذين يعرفونهم عن كثب، من أصدقاء وخصوم. اما ان هذا الطرح يشكل مفارقة فكرية وسياسية بحجم الكارثة، فرأيي انه نتيجة كارثة »مدنية« فكرية وسياسية، وهو ربما كان السبيل الأمثل للخروج من هذه الكارثة او وضع حد لها... وإنها لأسباب تدعو الى الفخر والحرج والدهشة معا، ولعلها من خصائص لبنان، التي لا بد من البحث مجددا في أهمية الحفاظ عليها او تطويرها! ان يصبح الشأن التطويري والتغييري والنهضوي، في مستوى الأطروحة والفكرة، شبه محصور في المؤسسات الدينية، التى أتاح لها »التخبيص السياسي المدني اللبناني« ان تظهر مميزة وأكثر أهلية، بعدما ألزمها برفع أهليتها مع ضمانة أخلاقية تستمد صدقيتها من الايمان وما يفرضه من تحسس بالمسؤولية واستبعاد للنوازع والدخائل. لقد أعطى لبنان سياسييه بعد الاستقلال، وعلمانييه فرصا ضيعوها.. وخوفا من ان يتجاوز الوطن سن الاخصاب ويصل الى العقم ليصبح وبشكل نهائي دولة واحدة مقسمة على طوائف، او دويلات طائفية متواطئة على دولة... او دولة من جماعات سياسية مولودة خارج الرحم، لا تمت الى أبيها الحقيقي بصلة، ولا إلى الرسمي بصفة... قد نجدنا مضطرين الى تغيير الرحم، ريثما تتأهل الرحم السياسية وتتجدد وتصبح قابلة لحمل جنين يشابه زمانه ولا يفقد ذاكرته والجميل من خصائصه الموروثة. ان الذين أنجزوا الاستقلال استراحوا، والذين استراحوا في ظل الاستقلال استقالوا. والاستقلال ما زال بحاجة الى اعادة إنجاز من خلال قياسه على المستجدات في الفكر والحياة. ومن أغلى أمنياتنا ان يكون تصورنا خاطئا، ولا يثبت خطأه الا من خلال الكف عن الخفة والاستخفاف بشأن لبنان ومصيره...! ما ترتب عليه مفارقة محيرة وهي ان يعيد علمانيون من دون تعميم انتاج الطائفية، بينما يبدو الدينيون، او بعضهم، أقدر على انتاج أطروحة مدنية!!! وهل نبالغ؟ أرجو ان أكون مبالغا.