القاهرة: «هو الجيش بيعذب ليه... حسني راجع ولا إيه؟» يعلو هتاف بعض الثوار بصيغة استنكارية خلال «جمعة التطهير والمحاكمة» في 8 نيسان الحالي، التي أعادت إلى الذهن الحالة المليونية التي شهدها ميدان التحرير قبل تنحي الرئيس المخلوع حسني مبارك. متظاهر آخر يهتف «عسكر عسكر عسكر ليه، إحنا في سجن ولا ايه»... تساؤلات حاول احد المشاركين في التظاهرة الإجابة عنها قائلاً «الثورات تاريخياً تحوّل السجون إلى متاحف، ثورة 25 يناير رغم ولادتها من رحم التعذيب في ذكرى عيد الشرطة حوّلت المتحف المصري إلى سجن». يلفظ كلماته بحرقة ويستفيض بشرح الانتهاكات الحاصلة منذ استلام المجلس العسكري زمام الأمور في فترة ما بعد 11 شباط. الشاب المنفعل لم يكن ربما ليتوقع انه بعد ساعات معدودة سيتم اقتحام الميدان المتواجد عليه مجدداً، وهذه المرة بإطلاق الرصاص الحي على حوالى ألف متظاهر قرروا الاعتصام المفتوح. 9 نيسان: الجيش يطلق النار على المدنيين لم تمّر «جمعة التطهير والمحاكمة» على خير. التفاؤل الذي ساد اليوم المطلبي من خلال التأكيد على قدرة التعبئة الجماهيرية ضد تباطؤ الجيش أو تواطئه، تحوّل إلى هجوم شامل انطلق حوالى الساعة الثالثة صباح السبت 9 نيسان بجهود قوات الشرطة العسكرية والصاعقة والمظلات التابعة للقوات المسلحة مع قوات الأمن المركزي والعمليات الخاصة التابعة لوزارة الداخلية، (وفق التقرير المشترك الذي أعدته مراكز حقوقية استناداً إلى إفادات شهود عيان، 10 نيسان 2011). وفق التقرير المذكور، العملية بدأت بتطويق الحديقة الدائرية لميدان التحرير ودخول مدرعات الجيش الميدان بسرعة فائقة وشروع قوات الصاعقة والشرطة العسكرية في إطلاق النار في الهواء بشكل مكثف، في الوقت ذاته الذي اقتحمت مجموعة منهم حديقة الاعتصام، وبدأت في الاعتداء على المعتصمين بالضرب بالهراوات وكعوب البنادق والركل بالأرجل. وبعد نجاح «عملية تطهير» الميدان، تطوّر الأمر إلى ملاحقة مجموعات المعتصمين خلال محاولتهم الهرب في الشوارع المتفرقة من التحرير. بتصعيد غير مسبوق، تحوّل اتجاه إطلاق النار من الهواء إلى الأرض، ومن ثم إلى أجساد الهاربين... ثم إلى السماء مجدداً. احمد (اسم مستعار) طالب حقوق عمره 22 سنة اعتقل فجر السبت من ميدان طلعت حرب وتم الإفراج عنه بعد حوالى 24 ساعة. كان يحمل على كتفه جريحاً ينزف من فمه ورأسه وبطنه، يحاول الهرب به، حين ألقت به الشرطة العسكرية أرضاً. الجريح إلى جانبه ينزف وهو مستسلم لضربات عشوائية انهالت على جسده بكعوب البنادق. محمد (اسم مستعار)، زميله في الاعتقال الذي أفرج عنه أيضا الأحد، شبّه ما حصل فجر 9 نيسان بالاعتداءات الدموية التي شهدها ضد جهاز الأمن المركزي يوم 28 آذار، ما يجعله يتساءل عن ثمار الثورة التي أعادت مجدداً الأمن المركزي لقمع الأصوات المعارضة للنظام! حصيلة «موقعة المشير» (كما شاء البعض تسميتها) كانت مقتل شخص، وإصابة 71، بإصابات تنوعت بين طلق ناري وضيق في التنفس وحالات إغماء وهبوط حاد وجروح وكدمات، وفق وزارة الصحة. غير أن المراكز الحقوقية طالبت بالتحقيق بشأن تواطؤ بعض المستشفيات ومسؤولي وزارة الصحة لإخفاء الأعداد الحقيقية للقتلى والمصابين في الاعتداء. فض اعتصام التحرير لم يعد ممكناً تخيّله من غير حملة اعتقالات عشوائية. فتم اعتقال 42 متظاهراً من ميدان التحرير والشوارع المتفرقة، وتم نقلهم إلى النيابة العسكرية في الحي العاشر في مدينة نصر بالقاهرة، الشهيرة بـ«س 28». ووجهت لهم تهمتي خرق حظر التجول (رغم أن عدداً منهم اعتقل بعد انتهاء ساعات حظر التجوال) ومخالفة أمر الحاكم العسكري بمنع التجمعات. أفرج عن 11 متظاهراً منهم، بينما يبقى مصير الباقين مجهولاً. وقد وثّق محامو المنظمات الحقوقية أن عددا من المعتصمين ظهرت على أجسادهم كدمات وسحجات، بينما عانى بعضهم من إصابات وكسور جراء الاعتداء عليهم أثناء اقتحام الميدان. وقد نفى المجلس الأعلى للقوات المسلحة، في مؤتمره الصحافي الذي عقد في 9 نيسان، واقعة إطلاق النار على المتظاهرين وأشاروا إلى أن الموقوفين من «عناصر الثورة المضادة»، وأنهم «من فلول النظام السابق». فيما أكدت المنظمات الحقوقية في بيانها أن استجواب النيابة العسكرية لهؤلاء المحتجزين لم يتطرق على الإطلاق لمثل هذه المزاعم. «موقعة المشير» ليست حادثة منفردة شعار معركة ما قبل التنحي «الجيش والشعب يد واحدة» تعرّض لهزّات عديدة، أهمها يوم وقف الجيش المصري على الحياد تجاه مجزرة «موقعة الجمل» في 4 شباط. إلا أن هذا الشعار بدأ يفقد شعبيته بشكل تدريجي منذ قمع تظاهرتي ميدان التحرير وشارع مجلس الشعب ليلة 25 ـ 26 شباط، حين اقتحمت قوات الشرطة العسكرية ميدان التحرير وشارع مجلس الشعب وقامت بتحطيم الخيم التي أقامها المعتصمون للمطالبة برحيل حكومة أحمد شفيق وألقت القبض على العشرات وتم إطلاق سراح بعضهم. مهمة الشرطة العسكرية أصبحت فض التظاهرات بالقوة، أما الوسائل فباتت معروفة عند الكثيرين: ضرب بالعصي والصواعق الكهربائية واعتقالات عشوائية ومطاردات في الشوارع الجانبية. ربما تم تحقيق مطلب الذين ضربوا وسحلوا بإسقاط حكومة شفيق، لكن عمرو البحيري نال حكما عسكريا بالسجن خمس سنوات. يقول شقيقه محمد البحيري، انه القي القبض عليه صباح 26 شباط، وأحيل للتحقيق في 28 منه من دون حضور محام يتولى الدفاع عنه... حكم عليه في الأول من آذار بالسجن خمس سنوات بتهمة كسر حظر التجوال والاعتداء على مجند. طبعاً السيناريو لا يكتمل من دون المرور عبر المتحف، حيث تم سحله على الأرض وضربه. ثم يضيف بتأثر «قالوا له «ارفع راسك فوق أنت مصري» ليصفعه العسكري على رأسه بسخرية». «أخذوا منا شعار الثورة لإذلالنا به!» هكذا ختم الشقيق حديثه. صباح 26 شباط أصدر «المجلس العسكري» بياناً قال فيه انه «أفرج عن جميع المقبوض عليهم، وانه لم يصدر تعليمات أو أوامر بالاعتداءات على المتظاهرين، وأن تلك الاعتداءات لم تكن مقصودة من قبل القوات المسلحة وأنها لن تحدث مرة أخرى»، لكنها حدثت. في 6 آذار، يقول محمد سيّد، مدرّس لغة عربية، انه توجه مع مجموعة من المتظاهرين إلى مقر أمن الدولة في لاظوغلي للاعتصام، تنديداً بحرق ملفات فساد النظام السابق. بعد حوالى ساعتين، سمع إطلاق نار كثيف في الهواء، وجرى هجوم ثنائي من قبل الشرطة العسكرية من ناحية ومجموعة بلباس مدني تحمل أسلحة بيضاء. «من استطاع الهرب كان محظوظاً، أنا من المجموعة التي القي القبض عليها! انهال العساكر علي بالضرب مطلقين الشتائم والإهانات... وسحلوني على الأرض حتى مدخل مقر أمن الدولة. كنا مجموعة من 27 شخصا. أمرونا بنزع ثيابنا الخارجية وبالنوم على بطوننا ليبدأ مسلسل التعذيب باستخدام الصواعق الكهربائية والعصي الخشبية والأسلاك الحديدية...على جميع انحاء الجسم!». يتوقف فجأة عن الكلام، ويغص قائلاً «والله لو عندك كلب مش ح تعامله كده... ست ساعات ضرب متواصل». ثم يعترف بخجل انه من الأشخاص الذين تم الاعتداء عليهم جنسياً باستخدام العصي. تم توثيق حالة محمد من خلال الطب الشرعي وقدم بلاغاً لـ«مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب». تم الإفراج عن جميع معتقلي لاظوغلي، لكن ذلك لم يوقف حملة الاعتقالات العشوائية في أماكن الاعتصامات. في 9 آذار، دخل الجيش ميدان التحرير لفض اعتصام حوالى ألف متظاهر، برفقة مدنيين يحملون العصي والسيوف. السيناريو يشبه إلى حدّ ما الأحداث السابقة الذكر: ضرب المتظاهرين بالصواعق الكهربائية والعصيان. تفكيك الخيام وهدم العيادة الطبية غير الرسمية. منع الصحافيين من التصوير. اعتقال حوالى 170 متظاهراً، من بينهم 17 امرأة، واقتيادهم إلى مكان التعذيب... المتحف المصري. أجساد المعتقلين الذين تم الإفراج عنهم تشهد على ذلك. أفرج عن بعضهم، لكن أغلبيتهم صدرت بحقهم أحكام عسكرية بالسجن تتراوح بين سنة وثلاث سنوات. أما النساء، فصدرت بحقهن احكام بالسجن سنة مع وقف التنفيذ. وقد ذكرت منظمة العفو الدولية «أنهن تعرضن (كباقي المعتقلين) للضرب وللصعق بالكهرباء، وأخضعن لعمليات تفتيش بعد تعريتهن، بينما قام جنود ذكور بتصويرهن، ثم أخضعن لفحوصات لعذريتهن وهددن بتوجيه تهم البغاء إليهن»!. «مش بلطجي» انتهاكات تتم جميعها في ظل تعتيم إعلامي من قبل وسائل الإعلام المصرية، الحكومية والخاصة على حدّ سواء. أفظع من ذلك، تداولت بعض وسائل الإعلام، ومنها التلفزيون الرسمي، بعض اللقطات التي تظهر أن الجيش المصري قام بالقبض على «بلطجية»، لتبرير جرائم التعذيب والاعتقالات العشوائية والمحاكمات العسكرية الحاصلة أمام الرأي العام. فأصبحت كلمة «بلطجي» كلمة سحرية بهدف خلق رأي عام مساند لقمع الحريات. ورداً على الدعاية الرسمية، يقوم الناشطون بنشر فيديو وشهادات عن الناس المعتقلين، من طلاب وممثلين وفنانين تشكيليين، ليتم الإفراج عنهم سريعاً. يؤكد المحامي أحمد راغب، مدير مركز هشام مبارك للقانون، «أن هناك اعتبارات طبقية في ما يتعلق بالمحاكم العسكرية. من هو من خلفية اجتماعية معينة قريبة من أوساط المثقفين، أي من له صوت، يفرج عنه سريعاً. أما الفقراء والناس الغلابة أخذوا أحكاماً عسكرية حتى لو أنهم كانوا يمرون صدفةً بمكان الاعتصام». راغب شدّد على انه حتى الناس المسماة «البلطجية» التي تقوم بترويع المواطنين يجب أن تعامل معاملة إنسانية وتحاكم أمام المحاكم المدنية. كذلك يتأسف المحامي طاهر اسمر، من جبهة الدفاع عن متظاهري مصر، انه غير قادر على القيام بدوره، «فالمحكمة العسكرية ترفض تزويدنا بأية معلومات، تصدر الأحكام العسكرية بسرعة رهيبة قد تصل إلى اقل من 24 ساعة». ويضيف «ليس لدينا القدرة على رصد أعداد المعتقلين في المحاكم العسكرية ولا أماكن وجودهم: لأنه لا يسمح للمحتجزين الاتصال بذويهم، وليس من حقهم توكيل محامي من داخل السجن، ولأن النيابة العسكرية لا تفصح عن أعداد الموقوفين». ويؤكد أن «هناك مئات الحالات من المختفين قسرياً، لا نعرف مصيرهم وأسباب احتجازهم، أو مكان احتجازهم بشكل دقيق». إذا خطورة المرحلة هي ضبابيتها. من هم «البلطجية» ومن هم «ثوار 25 يناير»؟ ما هي «الثورة» وما هي «الثورة المضادة»؟ توصيفات يستعملها الجميع ضد الجميع، لكنها تكثر على ألسنة «الرسميين» ضد «المعتصمين». الأكثر وضوحاً أن ممــارسات النظام السابق ما زالت نفسها، مع الفــرق البســيط أنها تحصل باسم «الثورة» وعلى يد الجــيش وليس الشرطة والأمن المركزي. ما يدفع إلى التساؤل عن ثمار الثورة التي دفع ثمنها مئات الشهداء وآلاف الجرحى.