As Safir Logo
المصدر:

عن مناضل مثقف لبناني عاش ومات فلسطينياً أليكــو بيضــا

الفنان السوري مورازو جاجان (مواليد 1969)
المؤلف: العارف اسامة التاريخ: 2011-04-08 رقم العدد:11858

منذ شهرين ابلغني غسان فواز ان أليكو بيضا قد توفي. كنا قد التقينا، أنا وكمال بكداش المقيمان في بيروت بغسان القادم من فرنسا، حيث يعيش منذ خمس وثلاثين سنة وقد جمعتنا ثلاثتنا بأليكو صداقة لم تضعف مع الزمن بالرغم من ندرة لقاءاتنا به، خصوصاً في السنوات العشر الأخيرة. كان ذلك منذ 47 سنة حين عرفنا بول كاسيا على أليكو بيضا وفؤاد زحيل وكنت أنا في أول سنن الجامعة وكذلك كان أليكو وفؤاد. كان الرجل داهية، واثقاً من نفسه ومن معتقداته، قادراً على التأثير في الغير بحدّته الدامغة وبخفة ظله التي تجعلك تتردد كثيراً قبل أن تقول له لا. كما كان شيوعياً مؤمناً بأن الرأسمالية سائرة لا محالة الى زوال، وأن تحقيق الشيوعية بما تحمله من أهداف نبيلة ترمي الى تحرير الإنسان من جميع الموانع التي تعيق وصوله الى حقوقه الطبيعية هي مسألة سنوات قليلة فقط. وأذكر يوماً أنه بمعرض شرحه النظرية الماركسية لابن خالته هنري بيتشوتو قال له ان الملكية الفردية هي السرقة. وقال له اذهب الى بيتك فإنك ستشاهد مصاغات وجواهر والدتك فهي كلها ناتجة عن قيام أبيك بسرقة الفقراء. فما كان من هنري بيتشوتو وكان في الخامسة عشرة من عمره إلا ان قام بسرقة مجوهرات ومصوغات والدته وسلمها الى أليكو ليقوم بتوزيع ثمنها على الفقراء. لم يكن أليكو يقصد من كلامه هذا الحدّ الذي وصل إليه ابن خالته الفتى فأعطى المصاغ لوالدته التي ردتها الى عائلة بيتشوتو بطريقتها. وكان الرجل ساحراً للفتيات جميعهن يستظرفن وجوده إلا واحدة أحبها، لكنها لم تلتفت إليه، لانها أحست بأنه أقوى منها وهي لا تريد حبيباً يمتاز عنها فلم تتجاوب معه، الأمر الذي أوجعه. في أحد الأيام اصطحبني معه الى بيته في منطقة كركول الدروز لتناول طعام الغداء. وقد استقبلتني والدته السيدة هنرييت استقبالاً كريماً فقال لها: لقد جئت معي بهذا الصديق المسلم الذي سيقوم بذبحنا نحن اليهود مستقبلاً. كانت تلك هي المرة الأولى التي أعرف فيها انه يهودي، فانعقد لساني نتيجة الحرج الناشئ عن هذه المزحة السمجة، فانتبهت والدته الى ما أصابني وضحكت وسألتني ان لا أرد على ابنها الذي نعتته بالجنون. أشهر عدة بعد تعرفي على أليكو فاتحني كما فاتح مجموعة من الشبان والشابات الجامعيين بوجوب العمل على تكوين منظمة طلابية تعمل ضمن جامعات لبنان ومدارسه بهدف تحقيق ديموقراطية التعليم في المجتمع اللبناني. وافقته على ذلك. وابتدأ العمل على إنشاء خلية عمل لوضع برنامج لهذا التنظيم وتحديد الوسائل الملائمة للوصول الى هذا الهدف. وقد كانت هذه الخلية مكوّنة من أليكو بيضا ويولا بوليتي وفؤاد زحيل وجاد تابت وسليم تركية وألبير نقاش والفرنسي جان كلود غارسان والمرحومة ميشال أده والمرحوم كريم مجدلاني. وما هي إلا أشهر حتى حققت جبهة القوى الطلابية تواجداً ملحوظاً في كليات الحقوق والهندسة والطب وطب الأسنان والصيدلة في الجامعة اليسوعية وفي معهد الآداب العالي وفي كليتي الحقوق والعلوم في الجامعة اللبنانية وفي مدرسة الليسيه ومدرسة مار الياس. وقد ساعدت شخصية أليكو بيضا الساحرة على تحقيق هذا التواجد الملحوظ بحيث إن الجبهة المشار إليها فازت في معظم انتخابات الرابطات الطلابية في هذه الكليات باستثناء كليتي الحقوق والعلوم في الجامعة اللبنانية، إذ كان حضورها في هاتين الكليتين أضعف منه في الجامعة اليسوعية. يهود معادون لإسرائيل هذه النجاحات استثارت التنظيم الطلابي في حزب الكتائب الذي كان يعتبر الجامعة اليسوعية معقلاً له قبل أن يأتي هؤلاء الشباب اليساريون حاملين قضية ديموقراطية التعليم وهم من الأغنياء الذين لن يستفيدوا من تطبيقها، فتحركوا لإيقاف هذا المدّ عند حده. وواجهوه بمختلف الوسائل بما في ذلك استعمال العنف. لا أعلم كيف وصل خبر هذه الجبهة الى غبطة البطريرك مار بولس بطرس المعوشي الذي سمع بهذه الجبهة الطلابية التي تضمّ أولاد الأغنياء وتطرح شعارات لا تنسجم مع سلوكهم الاجتماعي بما يثير الريبة واستدعى آباء الشبان الاعضاء في هذا التنظيم من المنتمين الى طبقة كبار الأغنياء منهم وطلب إليهم الضغط على أولادهم للانسحاب من هذه المنظمة السياسية والتي تتصرّف على انها منظمة طلابية فقط. لم يستطع الآباء إقناع اولادهم بترك هذه المنظمة وعلى العكس من ذلك فإنهم زادوا من نشاطاتهم فيها لانهم كانوا متمردين على واقعهم بما فيه واقعهم العائلي. في هذه المرحلة جرى النقاش داخل الهيئة القيادية في المنظمة حول مجموعة قضايا يجب العمل على دراستها عبر تأليف لجان عمل تقوم بدراسة كل قضية من هذه القضايا وتقدّم تقريراً عنها. فتشكلت لجنة ديموقراطية التعليم وأخرى حول تاريخ لبنان في البرامج الدراسية وثالثة حول الاقتصاد اللبناني ورابعة حول القضية الفلسطينية. وقد قام أليكو بتقديم مداخلة عرض فيها انه يعتبر القضية الفلسطينية هي القضية المركزية في لبنان واقترح تكوين لجان عدة خاصة بالقضية الفلسطينية وعدم الاكتفاء بلجنة واحدة بالنظر للجوانب المختلفة لهذه القضية. أمام هذه الموضوعات المعروضة للدراسة والنقاش طرحت قضيتان: الاولى ان عدد الاعضاء اليهود في هذه المنظمة كبير نسبياً بحيث يخشى ان يتم تناول هؤلاء هذه القضية من جانب خاطئ قد يكون قريباً من الفكر الصهيوني مما يؤدي الى تفجير المنظمة من الداخل. والنقطة الثانية هي ما طرحه عديد من الأعضاء من انه: ما علاقة القضية الفلسطينية بديموقراطية التعليم؟ وبمعنى آخر: هل جبهة القوى الطلابية هي منظمة ديموقراطية غير سياسية ام انها منظمة سياسية تختفي خلف واجهة غير سياسية؟ بالنسبة للمسألة الاولى تبين ان مساهمة الطلاب اليهود في اللجان كانت مساهمة ايجابية وانه لم يظهر من أي واحد منهم اية ميول متعاطفة مع إسرائيل، بل على العكس إذ كانوا واضحين في عدائهم لإسرائيل مثلما كانوا معادين لأهاليهم. ليس هذا فحسب بل انه قد نتج عن اللجان المتعلقة بالقضية الفلسطينية قيام مجموعات من الأعضاء هم غالباً من الفتيات بالتوجه الى مخيمات الفلسطينيين لمساعدة هؤلاء في مواجهة صعوبات الوضع المعيشي والتعليمي. أما بما يتعلق بتحديد طبيعة هذه المنظمة ما إذا كانت مرتبطة بقوى سياسية ام لا فقد تبين ان المرحومين نخلة مطران وأدمون عون وأغباش اغباشيان كانوا وراء إنشاء هذه المنظمة بهدف تحويلها فيما بعد لتكون نواة حزب شيوعي من طراز جديد وذلك في مواجهة الحزب الشيوعي اللبناني. وقد تبيّن ان قيادة الحزب السوري لم تكن بعيدة عن رعاية هذه المنظمة. على ان الحزب الشيوعي لم يقف لا مبالياً امام هذا التحرك فاستنفر قيادته الطلابية لشن نقاش واسع مع قيادة جبهة القوى الطلابية ساعدهم فيه بعض الأعضاء الشيوعيين أصلاً في هذا التنظيم الى ان تمكنوا بعد فترة من الوقت من جعل قيادة هذه الجبهة وأعضائها يعلنون استقلالهم عن قيادة السادة مطران وعون واغباشيان ويقررون الانضمام كأفراد في الحزب الشيوعي اللبناني. واستطاع الحزب الشيوعي بذلك ان يسيطر على منظمة أنشأت أساساً ضده الأمر الذي اعتبر نصراً له. الانتساب إلى الحزب الشيوعي وفي تقديري ان أليكو بيضا لعب دوراً اساسياً في عملية التحول السياسي هذه. ولولا اقتناعه بأن لا امل لهذا التنظيم ان يلعب دوراً سياسياً في مواجهة الحزب الشيوعي لما تم اتخاذ قرار الاستقلال عن مجموعة مطران. بعد ذلك قامت غالبية الأعضاء في الجبهة بتقديم طلبات انتساب فردية الى الحزب الشيوعي فقبل الأعضاء اليهود كأعضاء ـ مرشحين أي ان عضويتهم كانت معلقة على انقضاء فترة التجربة، كما قبل بعض الأفراد من غير اليهود كأعضاء مرشحين أيضاً ممن كانوا ذوي نفوذ سياسي متجذر أكثر من غيرهم. إلا ان الحزب فاجأ الطلاب اليهود عند انتهاء فترة الترشيح برفض انتسابهم الى الحزب من دون تحديد أسباب ذلك. وفي اعتقادي ان السبب انه كان يخشى ان يقارن قبوله اليهود كأعضاء فيه بموقفه المؤيد لتقسيم فلسطين الذي اتخذته الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1947، بحيث يعتبر قبوله عضوية اليهود فيه جزءاً من مسيرته الفكرية والسياسية المؤيدة لإسرائيل، في حين انه ليس في هذا الموقع. وقد ادى ذلك الى حرمان الحزب نفسه من مجموعة من الشخصــيات القيادية من طراز أليكو بيضا. وليت الأمور انتهت عند هذا الحد إذ فوجئنا بمقال نشرته مجلة الهدف سنة 1967 على ما أظن زعم فيه ان جبهة القوى الطلابية هي منظمة صهيونية وان هناك اجتماعات سنوية تعقد في فيينا بين قادتها وبين مجموعة تأتي من إسرائيل للتنسيق بين بعض. وكان هذا الكلام محض افتراء لا اساس له في الواقع، إلا ان هذا المقال لم يبق دون انعكاسات، إذ طلب الحزب الشيوعي اللبناني من جبهة القوى الطلابية إعلان حلها لانه خشي أيضاً من ايجاد ارتباط بين المزاعم حول صهيونية هذه المنظمة مع ارتباطها بالحزب الشيوعي اللبناني. وهكذا أطلق النار على هذه المنظمة التي حركت الوضع الطلابي في لبنان لسنوات عدة وحوّلته شعلة نار غير خامدة. وقد علمت سنة 1976 من أحد الصحافيين الذين كانوا يعملون في «الهدف» آنئذ ان من أوعز بكتابة هذا المقال كان سماحة مفتي فلسطين الشيخ أمين الحسيني. أمام ما جرى اصيب أليكو بخيبة أمل كبيرة حين أدرك انه لن يستطيع ان يشارك في مسيرة الشعب اللبناني نحو التقدم والاشتراكية، ففضل نقل نشاطه الى فرنسا وصار يعمل مع بعض المنظمات الافريقية بطريقة غامضة. وفي باريس زرته مرات عدة فوجدته كما عرفته دوماً ثائراً ومناضلاً، كما تعرفت الى صديقته الفرنسية وتُدعى بول. انقلاب إلا أن ما فاجأني بعد ذلك أنه قام بمغامرة كبيرة هي تدبير محاولة انقلاب عسكري على الحكم القائم في الكونغو ـ برازافيل بالاتفاق مع بعض الضباط الكونغوليين إلا ان هذا الانقلاب فشل وجرى اعتقال صديقته بول، فيما تمكّن أليكو من الهرب. وفي هذه المرحلة تمكن من تقوية علاقاته بحركة «فتح» ونسجا معاً علاقات لا اعلم اين وصلت ولا أستطيع تحديد مسارها في هذه الفترة. كما ظل أليكو عاملاً في أوساط الشبان اليهود المقيمين في فرنسا وجلهم من أصول لبنانية. وبالرغم من وجود فارق في العمر بينه وبينهم إلا انه بقي ذلك الساحر الذي يفتن محاوريه ويفرض سحره عليهم. ومن الأشياء الطريفة التي اطلعت عليها منه عملية قبوله كلاجئ سياسي في فرنسا. ذلك ان والد أليكو الفونس بيضا هو في الأصل سوري من مواليد حلب، وكان هو المهندس الذي بنى أجهزة الصرف الصحي فيها. كانت ميوله السياسية آنئذ متلائمة مع الجو السياسي في سوريا أي انه كان عروبياً برغم كونه يهودياً. إلا ان زوجته هنرييت فضلت الهجرة الى لبنان لوجود شقيقاتها فيه فجعلته يهاجر الى لبنان وانقطعت علاقته بسوريا وبالجو الذي كان هناك. بسبب تركه سوريا لم يعد بإمكانه العودة إليها فحصل على جنسية إيرانية مثله مثل كثيرين من يهود سوريا الذين قدموا الى لبنان. وقد تمكنوا من ذلك نتيجة دعم سياسي من أمير عباس هويدا رئيس الوزراء الإيراني في أيام الشاه الذي كان طالباً في مدرسة الليسيه الفرنسية في بيروت وأقام صداقة في المدرسة مع أحد اليهود السوريين الذي طلب منه مساعدة هؤلاء اليهود الذين اصبحوا من دون جنسية على نيل الجنسية الإيرانية، فكان لهم ذلك. وهكذا حين طلب أليكو اللجوء السياسي الى فرنسا اعتبر القاضي الناظر بالموضوع أنه يستأهل الحصول على ذلك باعتباره إيراني الجنسية ويهودياً في الوقت نفسه، معتبراً ان اليهود مرفوضون في إيران بسبب الطابع الإسلامي للجمهورية، وهناك خطر على حياتهم مما يبرر منح اليهود الإيرانيين حق اللجوء السياسي الى فرنسا. فما كان من أليكو إلا ان سحب من جيبه بطاقة انتسابه الى حركة «فتح» وطلب من القاضي اعطاءه حق اللجوء السياسي الى فرنسا على أساس انه يهودي معادٍ لإسرائيل وليس لإيران وان الخطر عليه من إسرائيل باعتبار انه مناضل مع الفلسطينيين. وقد داخ القاضي المشار إليه من هذا التناقض الذي يعيشه أليكو وأبلغه انه لا يفهمه إلا انه سيعطيه الحق باللجوء السياسي. آخر أيام أليكو كانت بائسة اذ أدمن على المخدرات ويبدو انه فقد الأمل بأني يستطيع ان يعمل شيئاً للقضية الفلسطينية والبشرية جمعاء. وحين أحس بقرب منيته كتب رسالة وجهها لشقيقته أندره حدّد فيها كيف يجب ان تكون جنازته وطلب ان يحضرها جميع اصدقائه الموجودين في فرنسا فحضر مراسم الدفن سليم تركية وأمين معلوف وهيني سرور وغسان فواز كذلك صديقته بول التي خرجت من سجون الكونغو وطبعاً أخته الصغرى أندره. كما طلب أليكو ان يلفّ نعشه بالعلم الفلسطيني والعلم الكونغولي. من جهتها فإن شقيقته أندره التي ورثت عنه تفكيره السياسي وإيمانه بالماركسية وحبه للمغامرة قامت بتحويل جنازته الى مناسبة للفرح كما طلب هو. أندره الآن تعمل مع الفلسطينيين في فرنسا وتكمل هذه المسيرة في العطاء التي بدأها شقيقها رحمه الله. مسألة أخيرة ان والدي أليكو، الفونس وهنرييت، بسبب إفلاس الأب اتخذا قرار الهجرة من لبنان الى إسرائيل والاقامة هناك في اوائل السبعينيات، إلا ان أليكو لم يوافق على عملية الهجرة هذه ورفض الالتحاق بوالديه لتعارض عملية الهجرة الى إسرائيل مع مبادئه. وقد توفي والداه من دون ان يتمــكن أليكو من مشاهدتهما لأكثر من ربع قرن. وقد أثــبت أليكــو في موقفه انه رجل مبادئ ومواقف أثبتها في جميع مراحل حيــاته حتى موته. بموت أليكو مات جزء من كياني لأن هذا الرجل لعب دوراً في حياتي لا يمكنني أن أنساه ولست نادماً على هذه المعرفة التي فتحت لي آفاقاً نحو عالم جديد رغم انتكاساته.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة