أقام هشام شربتجي نوعا جديدا من الكوميديا التلفزيونية، لأن ضبط الصورة التلفزيونية على مقاييس »الفارس« (Farce)، عملية في غاية الصعوبة. لم تبدأ تجربة شربتجي بعائلة السبع نجوم. سبقها مسلسل بعنوان عائلة 5 نجوم. وكانت له تجربة لافتة جدا مع دريد لحام »أبو الهنا«. وإذ قوبل المسلسل الأخير بحملة نقدية واسعة، فإن مديح هشام شربتجي في أعماله اللاحقة برّأ »أبو الهنا« من كل التهم الموجهة إليه. وأعتقد ان هذا المسلسل الكوميدي أطاح بالكثير من المسلمات الغوّارية (نسبة الى غوار الطوشي). كما أطاحت المسلسلات الاخرى بمجموعة من المقاييس الدرامية على صعيد الكوميديا. ففي مسلسل العائلات المتتالية من »خمس نجوم« الى »سبع نجوم« الى »ثماني نجوم« اعتمد هشام شربتجي على عاملين هامين وخطرين على صعيد تكوين الصورة التلفزيونية. الفعل وتفعيل الفعل أولا، وثانيا الاعتماد على الكاراكتير التمثيلي الذي حوّل ممثلين الى نجوم في فترة قصيرة. وسوف أسمّي هنا باسم ياخور وأيمن رضا ونورمان أسعد وسامية الجزائري الى أسماء اخرى كثيرة. وللدلالة على اهمية ما أقامه شربتجي على هذا الصعيد أتذكر »الفوازير« التي أعدها رضا وياخور مع نورمان أسعد، تلك التي جاءت أقل من عادية في توفر ثلاثة عناصر بارزة في كوميديات شربتجي. إيجابيات وبما ان الكلام يجر الكلام، فإن موقع شكران مرتجى في المسلسلات الاخرى هو غيره مع هشام شربتجي. كما ان عمل أيمن زيدان مع المخرج هذا، في »يوميات مدير عام« و»مغامرات هناء وجميل« يسجّل في الخانة الايجابية لأيمن زيدان الذي وصل الى مراحل متقدمة في تألقه حين لعب اكثر من عشر شخصيات في »يوميات مدير عام«. ال"Farce" في أعمال شربتجي من المباشرة. ولكنه يبدو أميل الى »الفودفيل« في الكثير من أعماله. فأعماله تقوم على ما تقوم عليه الفودفيلات. اي المفارقة الحديثة والتوتير الدرامي بعلاقة واضحة بحدود المكان المرسومة فيه الدراما. لن نجد بعد ذلك ردود الفعل مكثفة في الوجوه فقط. كما تسقط نظرية »الغريماس« (اللعب بالملامح وقسمات الوجه) نهائيا والى غير عودة. لأن الجسد ماكينة الممثل في أعمال شربتجي الكوميدية، بعيدا من الضوابط التقليدية لحضور الكاميرا الثابتة فالكاميرا المتحركة عنده ترصد الممثل وتتابعه في رواحه ومجيئه وتمر عليه ذهابا وإيابا. حياة الباب مفتوح لغاية. وهو لن يُغلق الا لغاية. ولنعترف بأن شربتجي في هذا الهزل الكثير لا يبرّئ برامجه ومسلسلاته من صُنعة القول، او من قراءة السياسة الاجتماعية بأقل الخسائر الممكنة. فهو، في رسمه حياة العائلات المتجاورة في الحوش الواقع على هامش المدينة، انما يريد ان يشير الى تحول الطبقة الوسطى الى نثار في هوار المدينة. والى قيام الفروقات الطبقية الاجتماعية على نحو بالغ الدلالة، بين بروليتاريا رثة فقدت مصادرها وضماناتها، وبين أثرياء أزمنة جديدة تفصلهم عن البروليتاريا مسافات شاسعة. الرسالة واضحة وواصلة. ويتم تغطيتها بالهزل الشديد الذي يقيم اعتبارات حضوره على فوضى عشوائية، نكتشف لاحقا أنها في أقصى درجات التنظيم. لأن الفوضى هنا، جزء من آلية توليد النقد الاجتماعي بأيسر الطرق، وأكثرها صعوبة في آن. عائلات يفرّع هشام شربتجي العائلات، من العائلة الأصل، ويوحد عائلات في عائلة. النموذج الاول يزوّج إبن العائلة من ابنة عائلة اخرى، في انتظار ان تتزوج الأم والد الفتاة التي تزوجت ولد الأم. في حين ان »بديع« يتزوج أربع نساء، يجمعهن في بيت واحد، كلما ضاق بزيجاته طلّق واحدة منهن في سبيل اخرى جديدة. يطلّق حسام تحسين بك (الذي يلعب دور أبو طمزة) زوجته الأرملة أصلا، ليتزوج من فتاة شابة تنجب له طفلا. وحين تدفعه الاخيرة الى طلاقها يعود الى وحدته، المكسورة بسكنه في الحوش الجماعي. اما التحري ابو نجيب فعينه دائما على الأرملة المتنقلة من رجل الى آخر. تخصيب وتفريع، وبناء من لُبنة، وزرع لبذرة تنمو وتتعالى في سلّم كوميدي يبدأ بلغة الموسيقيين من ال»دو« الدنيا، الى ال»دو« العليا. حتى ان الرثاثة الشخصية، تصبح مصدر إغناء للممثل والحدث والمسلسل. في عائلة »8 نجوم« يضبط هشام شربتجي فوضى شخصياته وأحداثه ليفقد واحدة من أبرز ميزاته حيث يقع في نوع من البرودة، محاولا التملص من صنف أقامه على إسمه. ظاهرته من ذلك الصنف غير المرتب. هذا نظامه الشخصي. اما ترتيب برنامجه الجديد فهو وقوع في النظام السائد للنظام التلفزيوني. وهذه خطوة واسعة الى الوراء.