بعد التدخل الأوروبي المباشر في جسم الدولة العثمانية، تندرج إشكالية الحدود في المشرق العربي في النتائج التي تمخضت عنها سياسة التنافس الاستعماري الأوروبي، التي بلغت مرحلة الاحتلالات، قبل وبعد الحرب الكونية الأولى، التي كانت بدورها محصلة ذلك التنافس مما عطل في المشرق العربي احتمالات التكون الداخلي لحدود العالم العربي في إطار الاجتماع السياسي العثماني بحيث بادرت فيما بعد القوتان الاستعماريتان العظميان آنذاك فرنسا وبريطانيا بلعب الدور الطليعي في تكييف واقع المنطقة وفق مصالحهما واستراتيجيتهما المغلفة بغلاف الشرعية الدولية التي كان الفرنسيون والانكليز أبرز صناعها، لفرض وصايتهم على المنطقة، وقيادتها عبر أساليب وطرق تتبع السرية والخديعة والمناورة من جهة وإثارة النزاعات والمنافسات بين التجمعات القبلية والعرقية والطائفية والمذهبية والزعامات السياسية بغية تفكيك البنية الاجتماعية، ليتسنى لهم التدخل المباشر لفرض حلول مستوحاة من جهة ثانية من خالص مصالحهم والحاضر ليس ببعيد. وهكذا كانت نشأة أجزاء من الحدود العربية تندرج في إطار تلك الحلول المشارب الاستعمارية المفروضة وفق اتفاقيات دولية تم إعدادها بعد مفاوضات سياسية سرية فيما بينهم، لم يكن فيها لأصحاب الأرض والسيادة أي رأي أو مشورة، بل فرضت عليهم، وهكذا كانت قضية حدود لبنان الجنوبية مع فلسطين... إذن تمخضت سياسة منطق القوة لصالح الأقوى بشكل جلي بين أطراف الصراع على السيطرة بعد نتائج الحرب العالمية الأولى خصوصا بعدما خرجت بريطانيا أكثر قوة من الناحيتين العسكرية والسياسية من فرنسا التي كانت سياستها توصف بالمرتبكة والمفتقرة الى الوضوح، فكان لا بد من أن تسعى بريطانيا الى تعديل اتفاقية سايكس بيكو لمصلحتها بتوسيع مناطق نفوذها، فكان من أولى اهتماماتها ولا شك انها كانت بتأثير من ضغط الحركة الصهيونية التي كان مركز قرارها بريطانيا آنذاك باتجاه فلسطين التي كانت منطقة محايدة بحسب سايكس بيكو، وهذا ما أدى بالتالي الى صراع بريطاني فرنسي على الحدود اللبنانية الفلسطينية، إذا قلنا على حدود النفوذ البريطاني من جهة والفرنسي من جهة ثانية ويمكننا ان نلتمس ذلك من ارتفاع حدة الصراع على الشكل التالي: جد البريطانيون والفرنسيون في وضع أسس السلام الذي يؤمن مصالحهم.. لكن إعلان الرئيس الأميركي ولسن لمبادئه الشهيرة حول »حق الشعوب بتقرير مصيرها« أقلقهم. وبعد سعي من بريطانيا وفرنسا نزل ولسن عند رغبتهما فجاء في تفسيره لنقاطه معترفا باتفاقية سايكس بيكو وكذلك بقوله: ».. لا نزاع بأن بريطانيا العظمى هي في حكم الحال حامية فلسطين والعراق والجزيرة العربية..«. أدخل هذا التصريح الاطمئنان للصهيونيين بوضع فلسطين تحت الحماية البريطانية وحدها خلافا لنصوص سايكس بيكو، فقرروا عندئذ البدء بوضع وعد بلفور قيد التنفيذ وبدأت تحركاتهم على هذا الصعيد. بالمقابل أدت هذه الأجواء والتطورات المتسارعة الى اندلاع التظاهرات في البلاد العربية على اثر انتشار الإشاعات حول المطامع البريطانية (الصهيونية ضمنا) في فلسطين... مما حمل حكومتي لندن وباريس على تهدئة الرأي العام العربي وأصدرتا البيان الشهير في 8 تشرين الثاني 1918 والذي تضمن وعودا وهمية لشعوب المنطقة. إذ بعد إعلان الهدنة قسمت البلاد على انها »أرض العدو المحتلة« الى ثلاث مناطق عسكرية تحت سلطة القائد البريطاني اللنبي: جنوبية (فلسطين) بإدارة بريطانية، وغربية (ساحل لبنان وسوريا) بإدارة فرنسية وشرقية (سوريا الداخلية) بإدارة فيصل الذي احتج على هذه الاجراءات فكان رد الجنرال اللنبي... انه عمل عسكري مؤقت. كان هذا في 22 تشرين الأول وفي الخامس من تشرين الثاني أصدر حاكم المنطقة الفرنسية دي بيابان بلاغا يقضي بفصل قضاءي نابلس وعكا عن المنطقة وإلحاقهما بالمنطقة الجنوبية.. وقد قضت هذه القرارات العسكرية بنقل الحدود الفلسطينية من بحيرة طبريا بحسب سايكس بيكو الى بحيرة الحولة..!؟ الحدود وفلسطين عشية مؤتمر الصلح في باريس... يتضح من الواقع المبسوط ان الحكومة البريطانية كانت تتماهى مع المطالب الصهيونية الى أقصى الحدود، إذا ما قلنا انها تتبناها حرفيا، بينما كانت فرنسا خائفة على مصالحها من السياسة البريطانية ولطالما عبرت تصاريح كليمنصو عن هذه المخاوف وعدم الثقة بما وراء السياسة البريطانية. اثر المخاوف الفرنسية من السياسة البريطانية حاول الفرنسيون مغازلة الأمير فيصل الذي وصل الى باريس لحضور مؤتمر الصلح.. ولكنه آثر زيارة لندن لتأكيد المواقف التي تعهدت بها لوالده، ولكن المفاجأة كانت تنتظره بتأكيد الحكومة البريطانية له على وعد بلفور، حيث أحس فيصل »بأنه ومن معه ليسوا في مستوى الأحداث«... واشتد الضغط عليه من الحكومة البريطانية يؤازرها لورانس الذي قطع رفقته لفيصل في باريس عائدا الى بريطانيا عندما رفض النزول عند رغبة الحكومة الفرنسية بنزع ثوبه العربي الأبيض عنه لتستقبله بلباسه العسكري البريطاني... ونذكر هنا بأن لورانس كان معروفا بمناصرته للصهيونية ومطالبها في فلسطين.. لا بل بسخريته من والد فيصل الشريف حسين حيث كان يصفه »بالبدوي الجاهل الضيق الأفق..«. أثرت حملة الضغط المركزة على فيصل، فأخذ يميل شيئا فشيئا الى التفاهم مع الصهيونية بعدما استطاع الانكليز إقناعه بتخلف العرب وتفوق الصهاينة الآتين الى اعمال النهضة في المنطقة.. صدق فيصل ظنه، الذي كان من بنات أفكار البريطانيين: إرضاء الصهيونيين كسبا للقضية العربية... فقدم الى مؤتمر الصلح مذكرة كان للورانس اليد الطولى بوضعها، طلب فيها إخراج فلسطين من حدود الدولة العربية العتيدة.. وليعترف فيما بعد بوعد بلفور ووصاية بريطانيا على فلسطين وفق اتفاق وقعه مع حاييم وايزمن في 3 كانون الثاني 1919، ليكون أهم الانتصارات السياسية للحركة الصهيونية على أبواب مؤتمر الصلح... الأمر الذي أغضب الشريف حسين الذي عزم على استدعاء فيصل واستبداله بأخيه عبد الله لكن المندوبية البريطانية كانت له بالمرصاد بالاقناع تارة والتهديد تارة أخرى. ... في مؤتمر الصلح ما إن انعقدت أولى جلسات مؤتمر الصلح في باريس، حتى بادرت الحركة الصهيونية الى رفع مذكرة الى المؤتمر جاءت تتويجا لسلسلة المذكرات التي رفعتها اللجان الصهيونية للمؤتمر... وفيها تطلب إضافة الى بناء الوطن القومي لليهود في فلسطين، تعديل حدودها أي فلسطين شرقا... وشمالا (حدود جبل عامل) ».. عند نقطة على شاطئ المتوسط بجوار مدينة صيدا، وتتبع مفارق المياه عند تلال سلسلة جبال لبنان حتى تصل الى جسر القرعون، فتتجه منه الى البيرة، متبعة الخط الفاصل بين حوضي وادي القرن ووادي التيم، (...) ثم جنوبا حتى بيت جن (...) على ان يعهد الى بريطانيا بالانتداب عليها فلسطين...«. رافقت هذه المطالب حملة إعلامية دولية عبرت عنها الصحف العالمية منها مجلة La Plaes time nouvelle في 27 كانون الثاني 1919 لتشرح مسألة الحدود. وكذلك صحيفة الTimes اللندنية، وغيرها من الصحف التي كان للصهيونية تأثير عليها كصحيفة نيويورك تايمز.. كان من المؤكد أن يعطي لويد جورج موافقته الكلية على المطالب الصهيونية، وكذلك فعل ولسن، لكن الرفض جاء من كليمنصو ليس تعاطفا مع المطالب العربية، بل ترجمة لخوف فرنسا على مصالحها في الشرق من غطرسة السياسة البريطانية التي كانت ترغب في القضاء على النفوذ الفرنسي في المنطقة لتنفرد به، وكانت حجة الفرنسيين الحدود التاريخية لفلسطين والتي لم تصل في تاريخها الى شمال بحيرة الحولة... لم يصل المؤتمرون الى حل للقضية إلا بعد جدال طويل أدى الى إرسال لجنة استفتاء أميركية دولية الى المنطقة، عرفت بلجنة كينغ/ كراين، التي أوصت بالمحافظة على وحدة العراق، ووحدة سوريا بما فيها فلسطين، ومنح لبنان حكما ذاتيا في إطار الوحدة، ويوضع تحت الانتداب لمدة محددة... وبضرورة كبح جماح »الصهيونية المتطرف القاضي بإطلاق الهجرة اليهودية الى فلسطين... وتجريد سكان فلسطين الحاليين من غير اليهود من أملاكهم بمختلف أساليب الشراء«. تلقت فرنسا وبريطانيا وأميركا تقرير اللجنة باستنكار!.. وكان موقف ولسن هذا من لجنته بداية فشل سياسته الدولية التي أدت لانعزال الولايات المتحدة عن التدخل في شؤون المنطقة تاركة أمرها لبريطانيا وفرنسا اللتين عزمتا على تسوية مصالحهما في المنطقة.. ولكننا نرصد توسطا من ولسن لدى بريطانيا بسعي من الحركة الصهيونية لتوسيع حدود فلسطين الشمالية برغم التقرير الذي أودعته اللجنة الأميركية كينغ/ كراين عن أهداف الصهيونية المعارضة لمبادئه القائمة على حق الشعوب في تقرير مصيرها!؟ لم يحسم اتفاق كليمنصو لويد جورج في 15 أيلول 1919 قضية الحدود بين فلسطين وسوريا. إذ كان الأول مصرا على حدود (سايكس بيكو) بينما تحفظ الثاني لتبقى المسألة قيد البحث.. ولعله كان ينتظر فرصة أخرى؟ بالمقابل لم تثمر تحركات الأمير فيصل المنطلقة من حالة الضعف والاستجداء تجاه بريطانيا وفرنسا، برغم ان الشارع العربي كان في حالة غليان وثورة أجبرت فيصل بعد عودته الى دمشق على تبني إعلان استقلال سوريا بما فيها لبنان وفلسطين وبالاستجابة الى الرغبة الشعبية بالمناداة به ملكا عليها... ولكن التحدي هذا لم يكن بمستوى الرد الذي كانت تبيته كل من الدولتين الحليفتين... فجاءت مقررات مؤتمر سان ريمو نيسان 1920 ردا على إعلان الاستقلال السوري، فتقاسمتا مناطق الانتداب وفق مصالحهما والتزاماتهما تجاه الصهيونية ضاربتين بعرض الحائط ميثاق عصبة الأمم الذي ينص على رغبات المجتمعات المنفصلة عن الأمبراطورية العثمانية في اختيار الدولة المنتدبة، وحق الشعوب في تقرير مصيرها، كان خرقا صارخا بحق الشعب الفلسطيني.. المهم في بحثنا هو ان انكلترا نجحت في حمل ميللران رئيس الوزراء الفرنسي الجديد على قبول حدود جديدة بين فلسطين وسوريا (من والى بئر السبع) كتنازل أخير مقابل امتناع لويد جورج عن المطالب الصهيونية الأكثر توسعا، على ان يتفق الطرفان فيما بعد حول النقاط التفضيلية للحدود... والحقيقة اننا ومن خلال وقائع المؤتمر المثبتة بالوثائق يتضح لنا وبعين اليقين، ان كل هذا كان بفعل الضغط المنظم الذي مارسته الحركة الصهيونية على الحكومتين الفرنسية والانكليزية بوجه الخصوص، والذي أرفق بحملة إعلامية في الصحافة العالمية... مقابل ضعف بارز في ديناميكية الموقف العربي.. وعليه فإننا في الواقع نرصد تحركا فرنسيا يعبر عن استمرارية الصراع بين الفرنسيين وبين الانكليز على حدود مناطق النفوذ، ويتجلى ذلك في التقرير الذي رفعه الجنرال غورو الى حكومته مبينا فيه مدى مخاطر هذا التقسيم شارحا مخاوفه في ثلاث نقاط هي: 1 ان الحدود الجديدة ستقيم سدا وسط المجمع السياسي والديني (للشيعة) ذي العادات والتقاليد والمصالح المشتركة وان رد الشيعة على هذا التقسيم سيعرضنا نحن والانكليز للصعوبات. 2 أما بالنسبة للمسيحيين فقد اقتطعت مناطق كبيرة من أبرشية صور المارونية وهذا ما أكده لي الأب باسيل ناصيف رئيس دير نبطية الفوقا ومساعده الأب حاج 3 ان أرضا خصبة وأملاكا كبيرة للبنانيين ستكون في نطاق النفوذ الانكليزي وبالتالي الصهيوني الأمر الذي سيخلف صعوبات إدارية وجمركية... وقد سجل غورو في آخر تقريره اعتراضا على التخلي عن (فارة وهونين وأقرط وديشوم). ... الصراع يخف... وترسم حدود.. أما التحرك العاملي (مسلمين ومسيحيين) فكان إضافة الى الأعمال العسكرية التي كانت تمارسها المقاومة المسلحة، والتحركات الشعبية التي سبقت مؤتمر وادي الحجير وبعد، عبرت وفق برقيات رفعت الى المنتدب الفرنسي يستصرخونه الرحمة وعدم التبعية لحكم اليهود... بالمقابل كان التحرك الصهيوني جادا في استكمال خطواته ولكنها أصبحت تأتي تحت شعارات وطروحات إنسانية وإنمائية واقتصادية في مصلحة المنطقة وشعوبها..!؟ ولكن التعبير الحقيقي عن الدور الذي رسم للكيان الصهيوني والذي يبين ان الغرب عموما وبريطانيا والولايات المتحدة من بعدها، لم يكن بالضرورة تبنيا للطروحات الصهيونية أو عطفا عليها كما يحاول الاعلام تبيانه: بقدر ما هو فعلاً مصلحة الغرب في الشرق، وقد أفصحت عن ذلك جريدة التايمز في سلسلة من المقالات والتحليلات كان أهمها في كانون الأول 1920 عندما دعت الحكومة الفرنسية للاستجابة الى الرغبة الانكليزية في توسيع جغرافية الكيان اليهودي لما فيه مصلحة الدولتين المنتدبتين... واما الإفصاح الواضح عن دور هذا الكيان في قولها: »ان كل ما تتنازل عنه فرنسا لفلسطين ليس تنازلا للامبرياليزم البريطانية بل للسياسة التي وجدت... في إنشاء أمة تحمل شيئا من أعبائنا«. وكان ما كان من اتفاق اجتاحت بعده القوات الفرنسية جبل عامل وأخضعته وبعدها دمشق بعد ميسلون وإعلان لبنان الكبير برغم البرقيات والاحتجاجات وملاحقات المندوب الفرنسي بالوكالة دي كيه والتي يشير فيها الى الخطر الصهيوني ومخططاته مقترحا توزيع أرض الزعماء والاقطاعيين على صغار الفلاحين ردا على سياسة شراء الأرض من اليهود وفق خطة صهيونية توسعية باتت واضحة الأهداف.. وجاء اتفاق 23 كانون أول 1920 ليكرس الحدود التي يعتبرونها نهائية لتقسم بلاد بشارة وتسلخ عنها قسمها الشمالي برغم إرادة أهل المنطقة الذين سلبوا أرضهم وحقوقهم والتي لا زالت برسم العدالة الدولية والمطالبة المحلية لأنه لا يضيع حق وراءه مطالب.. هذا ولم تكن الحركة الصهيونية راضية على اتفاقية 23 كانون الأول 1920 والمكرسة باتفاقية سيوله نيوكمب 1922 بل بقيت تحاول الابتزاز، وكان لها ما أرادت عبر تعديل حصل بموجب اتفاقية 23 حزيران 1923 عرفت باتفاقية »حسن الجوار« وفيه تنازلت فرنسا (المنتدبة) عما يقارب كامل المنطقة اللبنانية من الحولة لصالح الانتداب البريطاني في فلسطين، وبالتالي لصالح الحركة الصهيونية.. وقد تم التعديل المشار إليه بعد عقد معاهدة سيفر التي نصت على تثبيت الحدود النهائية لمناطق نفوذ الانتدابيين الفرنسي والانكليزي. وذلك مقابل منح شركة فرنسية امتياز التجفيف لمناطق المستنقعات. الأطماع الصهيونية أكبر واوسع.. لم ولن تكتفي الحركة الصهيونية بما حصلت عليه، بل بقيت ترمي الى الأطماع التي اختطتها لنفسها. فنجدها وراء اللجنة البريطانية عام 1937، والتي اقترحت حلاً لتقسيم فلسطين... وفي العام 1946 من خلال مؤتمر عقد في لندن استعيدت فيه فكرة التقسيم... وفي العام 1947 وبدعوة من بريطانيا، عرضت قضية فلسطين على هيئة الأمم... التي وافقت على خطة التقسيم بموجب القرار الشهير 181 لتستفيد الحركة الصهيونية من هذا الغطاء الدولي الداعم وعلى رأسه الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد السوفياتي (المنتصرون في الحرب العالمية الثانية) لتشن حربها عام 1948 ضاربة بعرض الحائط قرار الأمم المتحدة الآنف الذكر لتتوسع على حساب (المنطقة العربية). وفي ما يخص الحدود اللبنانية وعلى اثر حرب 1948 وإعلان الكيان الصهيوني كدولة اعترفت فيها الأمم المتحدة كعضو فيه، إضافة الى ضم بعض الأراضي عنوة، حصلت بموجب ما يعرف باتفاقيات الهدنة العربية/ الاسرائيلية ومنها اتفاقية الهدنة عام 1949 مع لبنان والتي خسر بموجبها الأخير أجزاء كبيرة من أراضيه وفق التخطيط المعروف.. بعد ان ارتكبت ما ارتكبته من مجازر بحق أهالي القرى اللبنانية... التي هجر أهلها عنوة وهم لا يزالون يحملون الجنسية اللبنانية وبحوزتهم صكوك ملكية أرضهم ولا زالت إسرائيل ترفض متعنتة عودتهم الى قراهم وأراضيهم. بالعودة للبنان الدولة وظروف النشأة، ثمة اجماع بين الدارسين على ان لبنان »الدولة« او لبنان »الكيان السياسي الحديث« الذي عرف بلبنان الكبير والذي اعلنه المفوض السامي الفرنسي غورو في الاول من ايلول 1920 كان قبيل الانتداب الفرنسي والانكليزي للمشرق العربي موزعا بين عدة مقاطعات ادارية بحسب التقسيم الاداري العثماني ومنها متصرفية جبل لبنان التي انشئت اثر بداية التدخل الاوروبي المباشر في شؤون الدولة العثمانية »الرجل المريض« والمسحوب اي التدخل على الامتيازات التي حصلت عليها تلك الدول الاجنبية... وكان جبل عامل احد هذه المقاطعات، تابعا ولاية دمشق ثم صيدا عام 1660 ثم بيروت... والذي كان موزعا بدوره الى ثمانية اقطاعات عاملية منها اربعة جنوب نهر الليطاني عرفت ببلاد بشارة، وشكل اثنان منهما حدود جبل عامل الجنوبية هما: هونين وتبنين؛ أما هونين: فكانت قلعتها مركز المقاطعة ومقر حاكمها الذي كان الشيخ قبلان (من آل الصغير) في القرن الثامن عشر... ومعظم القرى المذكورة آنفا كانت تابعة لهذه المقاطعة خاصة سهل الحولة الذي يعرفه اهالي جبل عامل »بجورة الذهب« لخصب ارضه ومياهه. عدا القسم الغربي فكان يخضع لمقاطعة تبنين ومنها البصة مثلا والتي حاول ظاهر العمر الاستيلاء عليها، ودارت معارك طاحنة بينه وبين العامليين لأجلها، ومنها معركة الدولاب وطيربيخا وغيرها تمخضت عن عدول الشيخ طاهر عن اطماعه عندما اكتشف قوة العامليين فعقد معهم تحالفا دفاعيا تطور الى تحالف كونفدرالي Confژdژration مع علي بك الكبير حاكم مصر... ايضا الدعوى المقدمة من قبل الشيخ حمد البك المحمود حاكم تبنين عام 1847 عند والي بيروت ضد اهالي طيرشيحا الذين وضعوا أيديهم عنوة على اراضي جاليل... إلى ذلك فإن تقرير قائد الحملة الفرنسية على سوريا عام 1861 الجنرال بوفور دوتبول والذي يقترح فيه انشاء دولة لبنانية حدودها الجنوبية: aus - les limites actuelles des districts des Houlژ et des Belad - Bcharra الحدود الحالية لمناطق الحوله وبلاد بشارة... وتأتي اتفاقية سايكس بيكو 1916 لتؤكد على هذه الحدود وفق بنودها المعروفة، وتوضح ذلك خارطة هذه الاتفاقية التي تحدد المنطقة الزرقاء منطقة نفوذ فرنسي في الجنوب من نقطة على البحر المتوسط هي مصب نهر الزيب وادي القرن شمال عكا بخط يجاري وادي القرن ثم ينحني ليضم بحيرة طبريا دون الشاطئ الغربي منها... يتضح جليا ودون شك ان هذه الحدود رسمتها الجغرافيا السياسية لمنطقة جبل عامل كوحدة سكانية متجانسة اولا وبالتالي مصالح فرنسا وبريطانيا... جغرافية جبل عامل السياسية اتفق معظم المؤرخين على ان حدود جبل عامل الشمالية تبتدئ من نهر الاولي (الفراديس) صعودا (...) الى ان ينحط على ينبوع نهر الحاصباني احد روافد نهر الاردن ويتجه عندئذ على مجرى النهر المذكور (...) ثم ينتهي هذا الخط على ضفة بحيرة الحوله الغربية، وينعطف غربا جنوبي مقام النبي يوشع وشمال الهراوي، ويمتد غربا فيتبع مجرى وادي فاره، وينتهي عند مصب وادي القرن جنوبي قرية البصة والزيب شمالي طيرشيحا، فتدخل فيه الخالصة من الحوله وهونين قاعدة مقاطعة هونين العاملية وإبل القمح والنبي يوشع الذي كان مزارا عامليا معروفا يذكره المعمرون حتى اليوم وصلحة والمالكية وطيربيخا وقدس (التي عدها المقدسي من قصبات جبل عامل)... والبصة على سفح جبل ليون، وفي جانب ]وادي[ القرن الى الجنوب قلعة... والى الشمال ارض جاليل وفيه مزارع... ولهذا يقول الشيخ سليمان ظاهر في الحنين الى جبل عامل وهو ناء عنه: ومن نهر الفراديس المصفى لنهر القرن لي رهط وصحب تأسيسا على ما تقدم تدخل ضمن الحدود المذكورة اعلاه كل الاراضي التي تضم البلدات والقرى والمزارع والخرائب العاملية والتي ألحقت بفلسطين (لتؤول الى الحركة الصهيونية وبمطالبة منها) على عدة مراحل هي 1920 و1923 و1926 و1948 ومنها غير التي ذكرت آنفا: المشيرفة، النبي روبين، معصوبة، حانوته، ادمث، جردي، اعربّين، خربة الصوانة، خربة مردة، اكرث، منصورة (بيت مطر)، سعسع، ديشوم، المنارة، ابل القمح، المطلة (وهي أولى الاراضي التي اشتريت لتكون وتد جحا كما يذكر سلام الراسي)، النخيلة، الصالحية، الدوارة، الخصاص، العباسية، دفنة، اللزازة، الناعمة، معسولة، الدميرجات، الجردة، كفربرعم، الزاوية، الذوق الفوقاني، الذوق التحتاني، خان الدوير، شوقا، صروح، الى غيرها من القرى المستحدثة في داخل الحدود كمسكاف عام قرب عديسة (التي سلخ الكثير من عقاراتها) والتخشيبة ضمن ابل القمح. ومن نافل القول ان هذه القرى كانت تتبع ولايتي تبنين وهونين العامليتين منذ القرن الرابع الهجري بحسب المقدسي (ت 378 ه) وبحسب مؤرخي دولة المماليك... فيذكر ابن خلدون ان الجولان متصل بجبال بني عاملة... وكذلك الهمذاني بذكره »ديار عاملة مجاورة للأردن.. فهي في جبلها المشرف على طبريا الى نحو البحر... وجبل عاملة مشرف ]ايضا[ على عكا من قبل البحر ويليها...«. استراتيجية شراء أراض لاقتلاع شعب وفق الحقيقة التاريخية ووقائعها المعاشة، فإن حدود جبل عامل المندمج مع الكيان (السياسي) اللبناني المنشأ في العام 1920 تكون حدود لبنان الجنوبية. لذلك واستنادا الى الوثائق التاريخية، والكم الهائل من صكوك الملكية التي لا تزال بحوزة بعض (المهجرين المطرودين) من قراهم العاملية. والتي سلختها لجنة تخطيط الحدود عام 1923، ودون ادنى شك انه كان بتأثير من الحركة الصهيونية الناشطة آنذاك في المحافل الدولية، وفي شراء الكثير من الأراضي من بعض الوجهاء (من برجوازيي المدينة) والسياسيين اللبنانيين... يتبين من الوثائق ان سياسة الترغيب والتهديد كانتا تمارسان ضد الملاكين هؤلاء من خلال امرين اثنين: الاول: اقناع هؤلاء البرجوازيين الذين جاؤوا من المدينة بعد عملية الاصلاح الاداري العثماني بدءا من خط كلخانة 1839 مرورا بخط التنظيمات الخيرية عام 1856 وما تلاها. وصولا الى قانون 1926 العقاري في ظل الانتداب الفرنسي والمعطوف على القوانين العثمانية الآنفة الذكر... فسجلوا بأسمائهم أخصب الارض لتشكل لهم توظيفا ماليا مربحا.. بأن ارضهم ستصادر عاجلا ام آجلا إن لم يرتضوا بالمبالغ المعروضة عليهم، خصوصا ان الرأي العام كان معبأ بقدوم اليهود والدولة اليهودية، بعد وعد بلفور الشهير عام 1917، وانتصار الحلفاء في الكونية الاولى وهزيمة الدولة العثمانية.. وتنامي الحركة الصهيونية. وصدور صكوك الانتداب وخاصة المتعلق منها بفلسطين.. الثاني: ان المبالغ التي عرضت على الملاكين كانت تفوق بكثير قيمة الأرض آنذاك، باعتبار ان مردود تلك الاراضي لن يساوي جزءا من قيمة المبالغ المغرية المعروضة. ولا ننسى ان هؤلاء الملاكين البرجوازيين (والسياسيين) الذين امتلكوا هذه الاراضي كانت غايتهم الربح فقط بعد ان ثبت لهم ان التوظيف العقاري اكثر ربحا وضمانة من التوظيف الصناعي والتجاري وتقلباته.. اضافة الى ان ملكية الارض كانت تحمل موروثا اقطاعيا هو النفوذ السياسي والاجتماعي والاقتصادي، باعتبار ان الارض يمكن ان تؤمن لهم سيولة نقدية في اية لحظة اريد بيعها، الامر الذي اكتشفته الصهيونية عند هؤلاء الملاكين، فأغدقت عليهم الاموال. وهذا بالطبع على عكس مقولة »الأرض لمن يعمل عليها او من يحييها ليعتاش من خيراتها« ويكون بالتالي سيدها بحسب نظرية السيادة والتلازم بين الملكية الاقليمية والسيادة. بلغت الاطماع الصهيونية العاصمة اللبنانية بيروت عام 1982... لتعود وتبتلع اطماعها وتكاد الغصة تقتلها اليوم، وكل يوم يشد على خناقها. ولكن لا بد من التذكير بما حصل اعوام 1949 و1967 و1982 مرورا بالاجتياح الاول 1978 وما بينهما... من استيلاء منظم للأرض اللبنانية على طول التحديد (الحدود) وصولا الى مزارع شبعا وغيرها مؤخرا... نقول الى متى هذه الغطرسة الصهيونية..؟! طالما اننا نحن اصحاب الأرض وبالتالي اصحاب الحق بالنضال لاستعادة هذا الحق المسلوب بالقوة... ونقول ان الارض كل الارض وليست (اراضي) هي جوهر الصراع مع الحركة الصهيونية التي من أسس مبادئها السيطرة والتوسع فيها اي الارض ووفق منهجية منظمة اشترت بعضها فكانت بدايات مشروع اقامة كيانها الذي اثبتت الاحصائيات ان الصهيونية لم تنجح الا في شراء نسبة ضئيلة جدا استغلتها فيما بعد (على قاعدة وتد جحا) ارضية للكيان حيث بدأت تخضع ارض فلسطين لقوانين سنتها لنفسها ومنها: (قانون املاك الغائبين لسنة 1950) والذي بموجبه تمت سرقة ومصادرة املاك كل من غاب او غيب عن ارض فلسطين. وتبعه قانون استملاك الاراضي التي اعتبرتها المحاكم العسكرية »املاك دولة« للقضايا العسكرية والامنية فاستغلت فيما بعد لعمليات الاستيطان.. ونذكر هنا ان قانون »انتقال الاموال غير المنقولة« لعام 1921 الذي اصدرته سلطات الانتداب البريطاني في فلسطين كان بسعي من الحركة الصهيونية آنذاك... واخيرا، فإن ثمة حملة اعلامية تثيرها الصحافة الصهيونية عن املاك لليهود في لبنان... (صيدا)، (مرجعيون)، (بيروت)، وغيرها.. لا بد من التصدي لها. وفي هذا الصدد نذكر اننا في اثناء انعقاد المؤتمر الذي نظمته الجامعة اللبنانية عام 1998 في صيدا بعنوان »الجنوب اللبناني والصراع العربي الاسرائيلي« قد رفعنا عدة توصيات منها واهمها: اعتبار القرى السبع التي منحت الدولة اللبنانية ابناءها الجنسية هي قرى لبنانية أرضا وشعبا.. وضع حد للاملاك التي تسعى الصهيونية لاستغلالها بطرىقة او بأخرى.. وكان تأكيدنا على القيمين على المؤتمر ان ترفع هذه التوصيات الى المجلس النيابي اللبناني لإجراء المقتضى...