As Safir Logo
المصدر:

إميلـي فـارس ابراهيـم محاربـة أنهكهـا اليـأس

المؤلف: البعيني نجيب التاريخ: 2011-03-30 رقم العدد:11850

نشأت اميلي فارس ابراهيم في بيت علم وأدب ووجاهة وكياسة وخلق. والدها فيليب فارس، شقيقها الكاتب والأديب المعروف فليكس فارس الخطيب المفوّه وصاحب الكتابات الرصينة والعمل الجاد والأسلوب الأخاذ، وزوجها صموئيل ابراهيم الذي رزقت منه بثلاثة أولاد. صحيح انها تزوجت باكراً وهي صغيرة السن، ولكن هذا الزواج المبكر لم يقف حائلاً بينها وبين ان تصبح من أبرز الوجوه النسائية في وقت قصير، ومن أنشطهن حركة اجتماعية، واكفأهن علماً في بيئتها ومحيطها، ومن أكثر النساء اللبنانيات شهرة لما تتمتع به من ثقة واحترام وشخصية محببة الى القلوب، وحيوية، وبشاشة، وديناميكية، على مختلف الصعد الخيرية والاجتماعية والإنسانية والثقافية والسياسية! خاضت معترك السياسة وزاحمت سياسيين، وكانت الى جانب عملها وتحركها الواسع الذي بدأته في العام 1943، عضواً فاعلاً ونشيطاً في «جامعة نساء لبنان»، هذه الجمعية التي كانت وقتها من أبرز الجمعيات النسائية في لبنان، الى جانب عدد من نساء فضيلات كان لهن دور اجتماعي فاعل في «دنيا المرأة»، ممن اقتحمن ميدان العمل الرصين في الحياة الاجتماعية امثال: ابتهاج قدورة، نازك عابد بيهم، فايزة الصلح، شفيقة دياب، نجلا كفوري، روز شحفة، عنبرة سلام الخالدي، سلمى غزاوي، ليلى بدر، عفيفة صعب، نجلا صعب، وسلمى تقي الدين، وغيرهن ممن خدمن المرأة في مجال الحرية فكان لهن الصوت الداوي على أكثر من صعيد وحركة نسائية. امرأة نشيطة، مواظبة، صاحبة رأي، وقول صريح. آمنت بالعدالة الاجتماعية، والاصلاح والتغيير، ونظرت الى المجتمع من منظور إنساني خلاّق، في مجتمع يتطور ويزدهر، ويتفاعل ويبرز المواهب والكفاءات وأصحاب الاختصاص دون حدود او حواجز او قيود. المهم ان تنطلق المرأة الى مجالات الحرية والعمل والانفتاح وان تكون على قدم المساواة مع الرجل، تعمل معه يداً بيد، وجنباً الى جنب، لتكون عالية الجبين مرفوعة الرأس في مجتمعها، خلوقة بناءة صاحبة أهداف مثلى وقضية مصيرية. إميلي فارس ابراهيم امرأة جسورة قوية اقتحمت الصعاب لتحقيق المثل العليا وتطرق الأبواب بكل قوة وحزم وعزيمة ومضاء. لا تتراجع ولا تهاون ولا تراوغ في رأي اعلنته، او هدف أرادت تحقيقه. خاضت معترك السياسة الصعب المسالك، ووقفت إلى جانب تطور العمل الإنساني، إذ بدأت العمل السياسي وتحركها الواسع منذ العام 1943، يوم بدأت بشائر الاستقلال الوطني تبزغ، بعد افول نجم الانتداب الفرنسي الذي كان يجثم على أرض لبنان، كعضو فاعل ونشيط في «جامعة نساء لبنان» التي كانت في وقتها أول جمعية تنطلق لتعلن مطالبتها بالمساواة والعدالة بين الرجل والمرأة، وتنادي بحريتها، ودخولها أبواب العمل لإثبات وجودها وفاعليتها في الحياة العملية والسياسية، بغية تكوين المجتمع المثالي الفاضل. كانت مع الحق والحقيقة، ونصيرة للثقافة، والعلم، والانفتاح الفكري، والحرية اللامحدودة، فهي من أكثر النساء عطاء وانفتاحاً وانطلاقاً، ومن أكثرهن سطوعاً في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. شغلت رئاسة المجلس النسائي اللبناني، وكانت خلفت السيدة نجلا صعب التي اعلنت في عهدها التظاهرات النسائية أيام فترة الانتداب الفرنسي وأملت شروطها الحقيقية المدافعة عن المرأة وشهرت سيف الحرية بوجه المسؤولين في تلك الفترة الزمنية التي كانت فيه المرأة تعاني من تسلط الرجل وأنانيته ونرجسيته. هذه المرأة الصلبة ترشحت عن منطقة زحلة، وأعلنت رفض الخضوع للأمر الواقع، وخاضت معركة الانتخابات النيابية في سنة 1953، ولكنها لم تفز لأن قوى خفيّة قاومتها، ولكنها أثبتت مع ذلك ان بمقدور المرأة ان تصمد امام الرجل وأن تعلن رأيها بكل جرأة حتى في حقول السياسة. إميلي فارس ابراهيم. امرأة لعبت دوراً مهماً وبارزاً في لجنة حقوق المرأة في جامعة الدول العربية، وكانت عضواً في لجنة نادي القصة العالمي، وعضواً مؤسساً في لجنة نادي العلم الدولي، وعضواً مؤسساً في جمعية أصدقاء الكتّاب، وكانت أمينة للسر فيها، لها فضل كبير في إحياء ذكرى الأدبيتين: ميّ زيادة وسلمى صائغ، كما كانت لها صولات وجولات في عالم نشر الكتب العربية والفرنسية، نذكر منها: أديبات لبنانيات، الحركة النسائية اللبنانية، دراسة باللغة الفرنسية عن الشاعرات اللبنانيات، مشكلات الشباب، مجموعة قصص، مجموعة شعر منثور، حنين الى بلادي في جزيرة غريتا». نالت عدداً من الأوسمة والتنويهات نذكر منها: وسام الاستحقاق اللبناني المذهب في سنة 1953، وسام المعارف من درجة فارس سنة 1962، وسام العمل في الشؤون الاجتماعية برتبة ضابط، وسام آثار الأديب من رتبة كومندور، وسام الأرز المذهب بمرسوم جمهوري، الى جانب تقديرات ونياشين نالتها من خارج لبنان في دول عربية وأوروبية. والجدير ذكره انها توظفت في ادارة الريجي وحصر التنباك، وكان مقرّها الحدث، كمديرة للدعاية والنشر لهذه الشركة ذات المنفعة العامة. انكفأت إميلي في أواخر أيامها ولازمت بيتها، فانقطعت عن جميع النشاطات السابقة التي مارستها طوال نصف قرن من الزمان. أعلنت العصيان وتوقفت عن الكتابة وإرسال المقالات والمواضيع الى الصحف والمجلات على غير عادتها، بسبب يأسها وألمها من الحرب اللبنانية التي اندلعت في سنة 1976 وما بعدها. ثم مرضت وراحت تعاني قبل وفاتها في «كرم الزيتون» ببيروت، مغلقة الأبواب في وجه كل طالب. وقد زرتها أكثر من مرة لأشاهد هذه المرأة الحديدية. كيف كانت وكيف اصبحت في أواخر أيامها؟ ولكنني فشلت فشلاً ذريعاً إذ لم تفتح لي الأبواب المغلقة! وربما لأنها كانت في تلك الأيام تعالج في المستشفى. هذه هي الحياة بجبروتها وضعفها وعظمتها وحلوها ومرّها وفرحها ويأسها! إميلي فارس ابراهيم امرأة نشيطة وثائرة من نساء بلادي. أمضت عمرها في سبيل الدفاع عن حقوق المرأة، وعملت في سبيل السيادة والاستقلال والديموقراطية والخير والفن والجمال. إميلي فارس ابراهيم وجه نسائي يغيب عنّا في حلكة الظلام. أضاءت جوانب معتمة في حياتنا، ونهضت في سبيل رقي بلدها ومجتمعها، وأسهمت في الحركة النسائية اللبنانية. فكانت وجهاً مشرقاً صبوحاً في الحياة العامة والمعترك السياسي في لبنان، نجم ساطع أفل في سماء لبنان.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة