As Safir Logo
المصدر:

لبنان وتجربة الجيش المنقذة

المؤلف: نور الدين عصام التاريخ: 2000-01-14 رقم العدد:8500

من الجلي الواضح ان لبنان قد أبلّ من محنته التي عصفت به من العام 1975، وأنه قد تماثل للشفاء، في العهد الجديد، عهد فخامة الرئيس العماد إميل لحود، الذي تسنم رئاسة الجمهورية بناء على رغبة شعبية جامحة موحدة، تجسدت في نيله أصوات النواب اللبنانيين كافة، في حدث قل نظيره في تاريخ لبنان. وقد تجلّى هذا الشفاء في السياسة الوطنية الواضحة التي انتهجها فخامة الرئيس العماد، والمتمثلة في خطاب القسم أولا، وفي تنسيقه التام والكامل مع سوريا خطوة خطوة ولحظة لحظة ثانيا، وفي زرعه العقيدة الوطنية القتالية في الجيش اللبناني الذي أصبح يعرف عدوه الوحيد »اسرائيل«، ويميزه تمييزا واضحا من صديقه الدائم الوفي »سوريا«، ما نتج عنه ذلك التكامل الرائع بين المقاومة الوطنية اللبنانية وجيشنا الوطني الموحَّد والموحِّد.. وهذا التكامل لم يبق نظريا بل تجسد في اختلاط دم المقاومين بدم العسكريين، وفي تكريم الرئيس العماد للمقاومة والمقاومين، وفي قوله الفصل بأن اللبنانيين سوف يقاتلون المعتدين الاسرائيليين وسوف يقتلون جنديا إسرائيليا مقابل كل مدني لبناني تقتله إسرائيل. الا ان شفاء لبنان ونهوضه من كبوته وتوحيد شعبه في الآلام والآمال لم يرق لأعداء لبنان، فحاولوا التسلل إليه كما تتسلل الفيروسات والميكروبات المؤذية الى الجسد الصحيح، فحملوا السلاح في الشمال وبيروت وبعض المخيمات مدّعين الكفاح والجهاد... ناسين او متناسين ان الساحة القتالية في الجنوب والبقاع الغربي مفتوحة أمام كل الأحرار الذين يريدون الاشتراك في حرب التحرير من عدو وجودنا الصهيوني، ولأنهم كانوا يظنون أنهم يستطيعون اعادة لبنان الى ما قبل سنة 1975، خدمة لسياسة عرفاتية تساوم على كل شيء، وتضيع الأرض والسيادة والثورة والوطن ودم الشهداء. لقد استنكر السياسيون في لبنان الاعتداء على الوطن وعلى الجيش، ولكن هذا الاستنكار لا يكفي، وقد جاء متأخرا عن الحدث، ولم يستطع مواكبته، كما لم يستطع ان يشكل الدروع الوطنية الاهلية التي تحمي حركة الجيش في حماية السلم الاهلي... إذ المطلوب ان يعرف اللبنانيون جميعا ان الوطن بحاجة الى حركة سياسية ثقافية تقف مع الجيش وليس وراءه في الدفاع عن الوطن... وهذا ما لا تستطيعه معظم الاحزاب القائمة حاليا، نظرا لشيخوختها المزمنة من جهة، ونظرا لانشغال معظم »قيادييها« في »التخطيط« للحفاظ على مراكز القوة في هذا الحزب او في ذاك ولو على حساب الحزب ومبادئه وشعاراته من جهة ثانية، ونظراً لاستقالة بعضها عن العمل السياسي الوطني الجاد لأسباب عدة من جهة ثالثة. ان اللبنانيين مطالبون بحماية السلم الاهلي، ومطالبون بحماية الشرعية، ومطالبون بحماية الحرية والديموقراطية، ومطالبون مع هذا كله بحماية الوطن وتحرير ارضه في الجنوب والبقاع الغربي.... وهذا لا يتم بالسلاح فقط... بل هو بحاجة الى ثورة ثقافية وطنية تتغلغل في كل أنسجة المجتمع، وتنتج حالة شعبية صحية تستطيع، في كل حين، مساندة الجيش والمقاومة، والوقوف معهما في خندق المواجهة الأمامي، لأن معركتنا المستمرة مع »إسرائيل« لن تكون بالسلاح فقط كما يحصل اليوم... بل ستكون معركة شرسة وعلى كل المستويات، مما يحوّل المجتمع المدني كله الى »جيش« يقاتل المجتمع »الاسرائيلي الاسبرطي«... ف»إسرائيل« تريد ان تأخذ في »السلم« ما لم تستطع ان تأخذه بالحرب، ووسيلتها الى ذلك إضعاف المجتمع المدني، وفك تلاحم أبنائه، وإضعاف نسيجه الداخلي، واللعب على التناقضات الموجودة او المفتعلة، وإفقار الناس، وإلهاؤهم بحروب ومنازعات لا يستطيعون السيطرة عليها ان اندلعت... الخ. لقد أثبتت أحداث الضنية ان الاحزاب العقائدية في لبنان لم تستطع استيعاب الشباب اللبناني الطامح الى بناء وطن لبناني عزيز ومنيع، وأثبتت الاحداث، ايضا، ان هذه الاحزاب الدينية والمذهبية لا تستمد قوتها من مبادئها وشعاراتها، انما تستمد قوتها وفعلها وحركتها من تراجع الاحزاب العقائدية، او من عجزها وشيخوختها، وانعدام حركتها الفاعلة بين الشباب اللبناني، الذي يحاول ان يلغي الطائفية السياسية من أجل بناء الوطن... فلا الاحزاب الوطنية العقائدية قدمت له هذا الطموح وجسدته، ولا الاحزاب الدينية والمذهبية تريد ذلك، ولا مؤسسات الدولة اللبنانية بادرت الى إلغاء الطائفية السياسية من النفوس والنصوص في الوقت نفسه. اننا نظن ان في لبنان قوة وطنية متماسكة، قوة غير مذهبية، وغير طائفية، وغير مناطقية... هي الجيش اللبناني، الذي استطاع فخامة الرئيس العماد إميل لحود جعله من كل لبنان ولكل لبنان، بعدما زرع فيه العقيدة القتالية ضد »اسرائيل«، وبعدما نقل هذا الجيش من مقولة »قوته في ضعفه« الى مقولة »قوته في قوته ووطنيته«، والتزامه بالقانون التزاما دائما ومطلقا. ان الجيش وان كان القوة الوطنية القادرة والفاعلة، والمحصنة ضد فيروسات الطائفية والمذهبية والمناطقية، والمدعوم من سوريا... الا انه يبقى بحاجة الى حركة مدنية سياسية غير طائفية، وغير مذهبية، وغير مناطقية، كي تقف الى جانبه، وكي تدعم حركته المحررة على الأرض، وكي تحمي توجهه الوطني في حماية الوطن والمواطن، وفي ترسيخ الديموقراطية، وحماية الحرية من أعداء هذا التوجه، المبثوثين في كل الزوايا والمغاور والجحور، في أشكال وتوجهات مختلفة في الشكل ولكنها متتامة متناغمة في الجوهر. فهل يستطيع الشباب اللبناني انتاج الاحزاب الوطنية التي تتجاوز الاحزاب الحالية العاجزة، والتي لم تستطع الحركة عندما حانت ساعة المواجهة؟ وهل يقدم العهد الجديد، بتوجهاته الوطنية والديموقراطية والعلمانية، الدعم لهذا التوجه، فتنتقل تجربة الوطنية المبدعة والمحررة من الجيش الى الاحزاب المرتجاة، ومنها الى نسيج المجتمع اللبناني كله، بما يغيّر قواعد اللعبة السياسية التقليدية والطائفية والمذهبية، ليجعلها في خدمة الوطن والمواطن، في وطن القانون والديموقراطية، في وطن الحرية والسعادة، في وطن انسان الغد المشرق... انسان المناهج العلمية والوطنية التي تنقل لبنان واللبنانيين من أيدي تجار الطوائف والمذاهب والاحزاب المتحجرة العاجزة الشائخة... الى رحابة الفكر والإبداع... الى حماية القانون، كما جاء في خطاب القسم... الى القرن الحادي والعشرين؟ (*) أستاذ العلوم اللغوية في الجامعة اللبنانية.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة