الصورة الأولى التي ظهرت سريعاً أمامي، عند سماع نبأ رحيل مهندس الديكور السينمائي المصري صلاح مرعي، متمثّلة بحضوره الرائع في أروقة «مهرجان الإسماعيلية للأفلام القصيرة والتسجيلية»، في تلك المدينة الممتدة على الجانب الآخر من صحراء سيناء، وأمام مجرى قناة السويس. لم أذهب إليه يوماً لتعارف أو لسلام. خجلي لا يتناسب ووظائف المهنة. لكنّي اكتشفتُ أن أفضل الطرق إلى التعارف مع مبدعين كبار كامنٌ في معاينة نتاجاتهم. هذا شعورٌ جعلني أرتاح إلى ذاتي في علاقاتي بالآخرين. صلاح مرعي أحد هؤلاء. لا يُمكن للمرء أن يتغاضى عن رغبة التقرّب إليه، عند لقائه الأول به. في شخصيته جاذبية مصنوعة، ربما، من هوسه بأن يكون عفوياً في اللقاءات العامّة. أو ربما من طيبة لا يُمكن إدراك كنهها. أو ربما من بساطة متجلّية في تلك القدرة على أن تكون صناعة الديكور السينمائيّ حافزاً إلى فهم أجمل للمشهد. لا أعرف. تفاصيل كثيرة كان يُمكن لي الاستعانة بها لتعارف شخصيّ. لكنّي فضّلت البقاء على مسافة، تتيح لي متعة لقاء من طرف واحد. تفاصيل كثيرة؟ أعتقد أن اللحظة الأولى التي جعلتني أنتبه إلى كون الديكور السينمائي أساسي في البناء الإبداعي للصورة الفنية، متمثّلة بقراءتي عدداً خاصاً بشادي عبد السلام، أصدرته مجلة «القاهرة» منذ سنين طويلة. الصوَر المنشورة عن فيلم «المومياء» ومشروع «أخناتون» كافيةٌ لمتعة البصر والانفعال، قبل مُشاهدة الأول والتحسّر على عدم إنجاز الثاني. هناك، في تلك الصوَر والحكايات المستلّة من أعماق التاريخ، ما يُحيل النصّ إلى مفتاح لإدراك الخفايا، ولعيش حقيقة القول إن العين مفتاح الروح، أو مدخل إليها. اشتغال صلاح مرعي في هذين الفيلم والمشروع بداية تعارف من جانب واحد، وبداية انتباه إلى تلك المفردات الجانبية، التي تُصبح معه ومع أمثاله متن الحكاية كلّها. اشتغال صلاح مرعي هذا أعانني على حشرية القراءة الخاصّة بالعمارة أيضاً، بين حين وآخر، هو الحالم بتخصّص أكاديمي في هندسة العمارة، قبل انتقاله إلى رحاب العالم الشاسع للإبداع السينمائي. لم يكن شادي عبد السلام لحظة تحوّل جذريّ في مسار صلاح مرعي وحده. من جعلني أتحمّس لمُشاهدة «المومياء»، كامنٌ في كلام جميل وعميق قاله لي يُسري نصر الله عن السينمائي الذي ألهم كثيرين بإنجازات قليلة. في الإسماعيلية، أردتُ ذات مرّة أن أسأل صلاح مرعي عن سبب الانجذاب الإبداعي إلى شادي عبد السلام. أقول إن خجلي حال دون ذلك. غير أن مُشاهدة «المومياء» كفيلةٌ لفهم الخطوات الأولى التي يُفترض بمن عشق السينما أن يخطوها، كي يدخل العالم الواسع للفن السابع: اللقطات وألوانها. الفضاء ومساحته المفتوحة على دهاليز الروح، ومتاهات العيش على التخوم الواهية بين الذاكرة والراهن. الأداء. التفاصيل الأخرى. «المومياء» يبقى مدخلاً جوهرياً إلى فهم المعنى الأسمى لصناعة فيلم. مدخلاً أول إلى الإسراف اللاحق بمعاينة دقيقة لتلك الجوانب/ الأصول، لتلك المفردات القائمة في بنية النصّ واشتغالاته الأخرى. لـ«المومياء» قصّة أخرى أيضاً: أول عمل فعلي لصلاح مرعي في مجال الديكور تمثّل باشتغاله، في العام 1959، في مسرحية «أوديب» مع شقيقه الممثل الراحل أحمد مرعي. أحمد مرعي؟ بطل «المومياء» لاحقاً. أهو القدر أم الصدفة؟ أهو الهاجس الإبداعي أم بساطة الأشياء المنسابة إلى معالمها الخاصّة؟ ربما. لكن شادي عبد السلام حاضرٌ منذ البداية: التأثير الأول، والدراسة الأكاديمية. ثم الذهاب إلى قلب العمل المباشر معه: «إذا كان هناك بيتٌ في الريف، يضع مصمّمو الديكور جميعهم «مشنة» أو «زلعة» أو «قشّ الذرة». قد لا يكون هذا كلّه مرتبطاً بالدراما. ما يحدث «شوشرة» لا معنى لها. لكن، إذا نظرت إلى مشهد من «المومياء» لبيت ريفي أيضاً، لا ترى أي ملامح للريف: بط، ماعز، خراف. ذلك أن التركيز الأول والأساسي كامنٌ في المشهد، الذي يمثّل صحوة ضمير إزاء التراث والتاريخ، والذي يحمل موضوعاً فلسفياً بعيداً عن المشاكل والأشكال السطحية للريف، الذي يقف عندها مصمّمو الديكورات الآن، بعيداً عن روح السيناريو». اهتمامه بالديكور السينمائي أتاح له فرصة العمل في مشاريع متناقضة بين بعضها البعض، شكلاً ومضموناً. لا أعرف سرّ القدر: أن ينجذب صلاح مرعي إلى السينما بفضل سينمائيين كبار في بداية رحلته الطويلة («الحياة حلوة» لحلمي حليم، 1964)، قبل أن يُنهي حياته الفنية بالعاديّ («زهايمر» لعمرو عرفة، 2010). لكنّي أعرف أن صلاح مرعي أدرك صناعة إبداعية لاشتغالاته المتنوّعة. فالأهم عنده مرتبط بالحرفية: «يجب على مهندس الديكور أن يكون واضحاً ومحدَّداً، لأننا نعمل في وسط لديه مسلمات وأعراف وتقاليد ثابتة. عليه أن يكون مثقفاً في المجالات كلّها، كالعلوم والفنون والتاريخ والعمارة. أن يكون لديه حسّ تشكيلي وتصوّر خاصّ بالبناء والإضاءة. أن يُلمّ بأسس الدراما والإيقاع والحركة. أن يتمتّع بموهبة القيادة والسيطرة على فريق العمل. إن أي عمل يتطلّب الوعي بتاريخه وبيئته والثقافة السائدة وانعكاسها على الناس وتقاليدهم ومعتقداتهم، بالإضافة إلى الذوق والمقدرة على التصميم». هذه، باختصار، حكاية صلاح مرعي. أعتقد أن أي كلام آخر لن يُغني كثيراً.