من قبل ان تحقق المفاوضات بين سوريا وإسرائيل أي تقدم يذكر، كمثل الاتفاق على جدول الاعمال، أي ترتيب الاولويات، احتشد »الجمهور« الاسرائيلي تحت راية »اليمين« هذه المرة، ليطلق صيحات الحرب في ميدان »بطل السلام« اسحق رابين الذي قتله هذا »الجمهور« نفسه وبيد واحد من »ابناء رابين« بالذات حين كان يحطم اصابع اطفال الانتفاضة. فالاحتلال »قضية شعبية« في اسرائيل بوصفه الوجه الآخر للتفوق الاسرائيلي والتجسيد العملي لنظرية »الامن الاسرائيلي« التي تتجاوز بقدسيتها أي نقاش. ولقد حفلت الصحف الاسرائيلية خلال اليومين الماضيين، كما شعارات المتظاهرين، بكثير من التعابير المشابهة لتلك التي كاد يستهلكها العرب ويفرغونها من المعنى لكثرة ما استخدموها، من مثل: »الكفاح الشعبي، اسرائيل القديمة والجميلة، التمسك بالأرض، الانسحاب من الجولان هو الانسحاب من مداخل كفار سابا« الخ.. هل هو الصدام بين العقائدي والسياسي؟! هل هي النتيجة المنطقية للتخلي عن المشروع الصهيوني الحلم من اجل الكيان الاسرائيلي؟! هل انقسم »الجمهور«، بمعزل عن التعابير الفكرية، الى صهاينة واسرائيليين؟! ام ان التسوية السياسية تفرض التخفف من الموقف العقائدي؟. ولقد كان العرب هم المبادرين الى مثل ذلك التخفف.. فقد تخلوا عن رباطهم العقائدي وعن وحدة قضيتهم القومية، وتركوا فلسطين »للقرار المستقل« لياسر عرفات، والتزمت او ألزمت كل دولة بأن تهتم بما يعنيها فحسب. والواقع ان هذا التحول قد فرض نفسه على الطرف العربي مع إجهاض حرب 1973 التي شكلت آخر لقاء جدي بين العرب، على قرار مجيد كمواجهة اسرائيل بالسلاح بقيادة مصر وسوريا. ذلك ان السادات سرعان ما أخرج نفسه من ساحة المواجهة، بادئاً مسيرة تنازلية جديدة كان لا بد من ان تعكس نفسها على العرب جميعاً لأهمية مصر وضرورتها لتلاقيهم واجتماعهم من حول قضيتهم الواحدة الموحدة. وكان لا بد من كارثة قومية جديدة مثل غزو صدام حسين الكويت، بكل نتائجها المدمرة للموقف العربي والمشاعر العربية والمبادئ القومية الأساسية كوحدة القضية والمصير، ليصبح ممكناً فرض المسارات المتعددة (بعدد الأطراف العربية) لتسوية الصراع الواحد في منطلقاته وجوهره ونتائجه على الارض... وهذا ما حصل في مؤتمر مدريد. إذن فالعربي مرغم، اصلاً، على قبول التسوية في اطار كيانه الاقليمي وبمعزل عن حتى لا نقول على حساب المبادئ التي نشأ عليها واعتنقها وتشبع بها حتى باتت وكأنها بعض المعنى في حياته وسلوكه. أي ان العربي يعتبر انه قد دفع، مقدماً، ثمن التسوية... والتسوية لا يمكن ان تتم عربياً، ولو في كل دولة على حدة، إلا في ظل تضامن شعبي، يكاد يساوي الإجماع، وإلا فالحرب الأهلية. أما في إسرائيل فالعكس هو الصحيح، الى حد كبير. إسرائيل، بوصفها التجسيد الكامل للعقيدة الصهيونية، هي مشروع حرب مفتوحة على العرب بمجموعهم، انطلاقاً من فلسطين وفي اتجاه سائر الأرض العربية، وبما يتجاوز حدود التخمَيْن اللذين تحددهما المقولة المتداولة: من النيل الى الفرات، أرضك يا إسرائيل! أما إسرائيل الدولة الساعية لأن تكون جزءاً من هذه المنطقة، التي كانت قبلها عربية وغدت بعدها »الشرق الأوسط«، فلا يمكنها الاحتفاظ بمشروعها التوسعي وهي تسعى الى تسوية سيقبلها العرب اضطراراً: التسليم بوجودها ضمن حدود معلنة و»نهائية« تطمئنهم الى مستقبلهم في أرضهم، أي وجودهم ذاته وهوية أبنائهم الآتين، فضلاً عن مصالحهم الحيوية. ولعل بين ما يحاوله إيهود باراك ان يقايض »التسوية« مع الأميركيين، بداية، وقبل العرب، بأن يأخذ منهم ما يجعل »دولته« أميركا صغيرة، أي قوة عظمى مصغرة في هذا »الاقليم«، مما يوفر له أن يحظى بنصيب كبير من ثروات العرب وأسواقهم، ومعهم »العالم الإسلامي« الذي يفتقد هو الآخر أسباب الوحدة والمنعة والقدرة على الصمود في مواجهة »النظام العالمي الجديد« الذي بين تطبيقاته الفعلية »العولمة« بكل مضامينها السياسية والاقتصادية والثقافية. هل تنحسر الصهيونية، ومشروعها، فعلاً امام إسرائيل الدولة؟! وهل ما يجري في الشارع السياسي الإسرائيلي »تشييع« للمشروع التاريخي المطوي، أم انه رصيد احتياطي للمفاوض الإسرائيلي في »حربه« الجديدة من أجل »أميركا الصغيرة« القادرة على فرض هيمنتها »سلمياً« على مجموع العرب الذين قد لا يقدرون على الحرب، اليوم، ولكنهم ليسوا من الضعف بحيث يقبلون تسوية بأي ثمن؟! لعل هذا هو جوهر الموقف السوري الذي اثبت ان الصمود يربك إسرائيل ويكشف تناقضاتها الداخلية، بينما التنازلات العربية المتوالية لا تفعل غير تعزيز التطرف الإسرائيلي بحيث يخرج الى الشارع منادياً بالكفاح الشعبي.