يشهد قطاع الدراما الإذاعية في لبنان تراجعاً ملحوظاً، يتجلى في غياب الإنتاج الدرامي لدى معظم الإذاعات المحلية. فيما يختزن الأرشيف بعض الإذاعات العشرات من المسلسلات الهامة، كدليل على أولوية المسلسل الإذاعي في فترة مضت. ربما وحدها إذاعة «النور» تسجل اهتماماً واسعاً بالدراما الإذاعية. ويظهر ذلك من خلال منافستها لبعض الإذاعات الرسمية العربية، عبر مشاركتها في المهرجانات والمسابقات العربية، حاصدة عدداً من الجوائز. ولكن ما يُسجل عليها هو تركيزها على المسلسلات التاريخية والدينية، على حساب الأعمال الكوميدية والاجتماعية. تتعدد اسباب غياب الدراما الإذاعية اليوم، في ظل طفرة الفضائيات العربية. ولكن لتبيان الصورة أكثر، تحدثت «السفير» مع القيمين على بعض المحطات الإذاعية اللبنانية. يرجع مدير البرامج في إذاعة «صوت بيروت» الزميل فؤاد كيالي هذا التراجع في الإنتاج، الى «عدم رغبة المستمعين في متابعة المسلسلات الدرامية الإذاعية، لصالح الدراما التلفزيونية، وخصوصاً مع ظهور موجة المسلسلات المدبلجة بدءاً من المكسيكية وصولاً إلى التركية». ويوضح أن إذاعته استعاضت عن إنتاج المسلسلات الدرامية الإذاعية الطويلة، باسكتشات كوميدية - اجتماعية قصيرة. «تتمكن من خلالها المحطة من إيصال رسالة هادفة وتحمل التسلية معاً، وبإيقاع سريع يحاكي العصر». ويقف كيالي عند التجربة التمثيلية القصيرة من إنتاج محطته، التي حاكت شخصيتي «أبو العبد» و»أبو صطيف»، بصورة «القبضايات» وليس «المهابيل»، كما تقدمهم الشاشة التلفزيونية، على حدّ قوله. من جهته يرجع المشرف العام على إذاعة «صوت الحرية» ريشارد رياشي غياب الإنتاج الدرامي الإذاعي، إلى «عدم إقبال المعلنين على رعاية أعمال كهذه تحتاج الى مبالغ طائلة، لا تتمكن المحطات الإذاعية المحلية من تأمينها من ميزانياتها الخاصة». ويتناول ضعف الأعمال الإذاعية الدرامية التي تقوم بإنتاجها بعض المحطات بقوله: «ليس المهم الإنتاج فقط، بل الأهم هو المستوى الذي يُقدم للجمهور. وما يقدم من أعمال تسمى درامية ومسلسلات، فهي أشبه بالحوار الإذاعي، ولا تعتبر مسلسلات بكل معنى الكلمة». من جهتها توافق الزميلة وردة الزامل صاحبة التجربة المديدة في إذاعة «صوت لبنان» على الكثير مما طرحه رياشي، في ما خص سوق الإعلانات وضعف الإقبال على تمويل ورعاية المسلسلات الإذاعية. وتضيف: «لم أعهد طوال تجربتي الإذاعية مسلسلات درامية إذاعية بكل معنى الكلمة، وذلك بسبب غياب مقومات العمل الدرامي الإذاعي وبخاصة الحبكة الإذاعية القادرة على نقل صورة المشهد إلى آذان المستمعين بصورة ناجحة، فيما يبدو الأمر أكثر سهولة عبر الشاشة». وتشير الزامل إلى اعتماد «صوت لبنان» خلال العقدين المنصرمين على البرامج ذات النكهة التمثيلية، من خلال قصص متنوعة تعتمد على التمثيل الإذاعي، بالاستناد إلى الحوار بين شخصيتين. مشيدةً بتجربة الكاتب انطوان غندور في برنامجيه «زوربا اللبناني» من تمثيل غسان إسطفان وعصام الأشقر، و»بلدي يا بلدي» للممثلين موريس موصلي ومي الصايغ. من جهتها تصف مديرة البرامج في «الإذاعة اللبنانية» الزميلة سامية فغالي حركة الإنتاج الدرامي للإذاعة اللبنانية الرسمية بالبطيئة. وتعزو أسبابها الى الكلفة المادية، والتي لا تحظى بالقدر عينه من المتابعة الجماهيرية، بسبب تقدم الدراما التلفزيونية على حساب الإذاعية». على حدّ قولها. وتكشف فغالي أن «الإذاعة اللبنانية» تعتمد منذ فترة على شراء «الإنتاج المتوفر»، والمنتج من قبل شركات خاصة. «لكن مواضيعه جامدة وشبه معلبة، وبمعظمها تغرق بالأعمال التاريخية. خوفاً من معالجة مواضيع آنية، تفتقد صلاحيتها للبث مع مرور الوقت». ... وبالرغم من امتلاك «الإذاعة اللبنانية» لأرشيف درامي كبير، إلا أن دورة البرامج الحالية لم تشهد إعادة بث أي عمل درامي. فيما شهدت دورات سابقة، إعادة بث لبعض الأعمال المميزة، منها مسلسل «جبران خليل جبران».