As Safir Logo
المصدر:

«أبواق» النظام السابق يشنون حملة مضادة: عـدم تحول الثـورة إلى حملة «اجتثاث بعـث»

المؤلف: داود خالد التاريخ: 2011-02-19 رقم العدد:11818

القاهرة : هل تغيّر النظام في مصر بالفعل، أم أن الانتصار اقتصر على الاطاحة بالرئيس السابق حسني مبارك وبعض من رموزه التي فاحت رائحتها بطريقة لم يعد من الممكن معها استمرارهم بأي حال من الأحوال؟ هذا السؤال يردده الكثير من المصريين الآن، وبعد أسبوع من إجبار مبارك على التنحي، مع قيامهم كل صباح ليروا أن من كانوا يعرفون بـ«أبواق النظام» من رؤساء تحرير ورؤساء مجالس إدارة الصحف الرسمية لا تزال أسماؤهم تزين الصفحات الأولى لهذه الصحف، وكذلك الحال في التلفزيون المملوك للدولة، أو لمبارك وعائلته على وجه التحديد في آخر سنوات حكمه المديد. هذه الاستمرارية للمتحدثين باسم النظام السابق من رؤساء تحرير ومجالس إدارة الصحف، والذين كان يتولى الرئيس السابق تعيينهم شخصيا، أدت إلى حالة من الغليان في كل المؤسسات الصحافية الرسمية تقريبا، ومحاولات من العاملين في تلك المؤسسات للاطاحة بهم. ولكن هذه المحاولات لم تكلل بالنجاح حتى الآن سوى في وكالة أنباء الشرق الأوسط، والتي قام الصحافيون فيها بمنع رئيسهم عبد الله حسن من دخول مكتبه. أما في «الأهرام»، والتي كان يتعامل رئيس تحريرها أسامة سرايا مع عيد ميلاد الرئيس السابق في الرابع من أيار على أنه مناسبة قومية «تولد فيها مصر من جديد»، وسيسطر له تاريخ الصحافة أنه أول من قام بتغيير متعمد لصورة رسمية تتضمن رؤساء عدة دول وذلك لكي يضع الرئيس السابق في المقدمة بينما كان مبارك في المؤخرة بعد أن تقدم به العمر ولم يعد يقوى على السير، فما زال متمسكا بمنصبه. كما يطالب قطاع واسع من العاملين في «الأهرام» كذلك بالرحيل الفوري لرئيس مجلس إدارة المؤسسة عبد المنعم سعيد، الذي إن كان أقل فجاجة من سرايا في دعمه للنظام السابق بحكم خلفيته كأكاديمي ورئاسته لسنوات لمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، فإنه كان يفاخر علنا بأنه أحد مهندسي خطة توريث جمال مبارك الحكم بعد وفاة والده، وكان المتحدث الرسمي لتلك الحملة خارج مصر وتحديدا في الولايات المتحدة. وسريعا تراجعت كذلك حظوظ طارق حسن رئيس تحرير صحيفة «الأهرام المسائي»، احد إصدارات «الأهرام» اليومية، والذي انضم كذلك لحملة توريث جمال مبارك، وشارك في حملة مبارك الأب الرئاسية في العام 2005، ولكنه الآن يتخفى في مكتبه داخل «الأهرام» ويخشى من مواجهة زملائه في العمل الذين يطالبونه بالرحيل. ويواجه نفس المشاكل الحادة والمطالبة بالرحيل الفوري رئيس تحرير صحيفة ومجلة «روز اليوسف» عبد الله كمال، ورئيس مجلس إدارة المؤسسة ذاتها كرم جبر، وكذلك رئيس تحرير «الأخبار» ممتاز القط الذي خاطب المصريين يوما ما مطالبا إياهم بالتعاطف مع الرئيس السابق لأنه محروم من حياة المصريين العاديين وأكل الكباب والمحشي ورائحة الملوخية، ورئيس تحرير «الجمهورية» محمد علي إبراهيم، وخالد إمام رئيس تحرير «المساء» التي تصدر كذلك عن مؤسسة الجمهورية. بل إن صحيفة مصرية خاصة، «الدستور»، نشرت أمس الأول أن جهاز الكسب غير المشروع التابع للنائب العام قد بدأ تحقيقات مع أسامة سرايا وعبد الله كمال وممتاز القط ومحمد علي إبراهيم بسبب تضخم ثرواتهم خلال الأشهر والسنوات الماضية بطريقة لا تتناسب مع مرتباتهم. كما أن حملة الاحتجاجات أطاحت تقريبا كذلك بنقيب الصحافيين المصريين مكرم محمد أحمد المعروف بعلاقته الوثيقة مع مبارك، وتزايدت الدعوات لعقد انتخابات جديدة في النقابة، وكذلك مجدي الدقاق رئيس تحرير مجلة «أكتوبر» والذي كان يتولى الدفاع عن النظام في محطات التلفزيون الفضائية. ولم يقتنع المحتجون في الصحف الرسمية بالتحول السريع والفوري والمذهل في السياسة التحريرية لتلك المؤسسات فور الإطاحة بمبارك وابنه وزوجته، والذي بلغ حد أن «الأهرام» عنونت في اليوم التالي لرحيل مبارك «الشعب أسقط النظام»، كما بدأت بإصدار ملحق يومي عنوانه «شباب التحرير». بل يرى المحتجون في ذلك التحول دليلا آخر على انعدام أي مواقف مبدئية لرؤساء تلك الصحف واستعدادهم لدعم أي نظام، ما يزيد من انعدام مصداقيتهم لدى القارئ المصري. وبجانب الانتقاد للمواقف السياسية لأبواق النظام السابق والمطالبة برحيلهم مع رحيل مبارك، فإن المحتجين في المؤسسات الصحافية يطالبون كذلك بعملية إصلاح شاملة لتلك المؤسسات، خاصة من ناحية الخلل الكبير في الدخول التي يحصل عليها رؤساء التحرير ورؤساء مجالس الإدارة مقارنة ببقية العاملين. ورغم التحول الواضح في الطريقة التي يغطي بها التلفزيون الحكومي أحداث «ثورة 25 يناير»، بل وقيامه كما غالبية الصحف الرسمية بنشر «اعتذار» عن الطريقة التي تمت بها تغطية الثورة والتأكيد على التقدير والإجلال لأرواح الشهداء، فإن التغيرات التي شملته حتى الآن اقتصرت على الإطاحة بوزير الإعلام السابق أنس الفقي والذي نشرت الصحف الرسمية انه حاول الهروب إلى باريس بعد ساعات فقط من خطاب تنحي مبارك قبل أسبوع. وما زال يدير التلفزيون الرسمي بأوامر مباشرة من الجيش المصري عبد اللطيف المناوي والذي يتولى منذ خمس سنوات إدارة «قطاع الأخبار»، وكان اسمه يتردد كثيرا كمرشح محتمل لوزارة الإعلام في حال حصول تغيير وزاري وترقية الفقي المعروف بعلاقته الوثيقة مع حرم الرئيس السابق، سوزان مبارك. وكان عاملون في مبنى التلفزيون وفي قطاع الأخبار قد نظموا تظاهرات فور الاطاحة بمبارك طالبوا فيها برحيل المناوي، وكذلك التحقيق في ما قالوا إنها تجاوزات مالية عديدة وتحديدا في ما يتعلق منح القيادات التلفزيونية المعروفة بقربها من النظام مرتبات خيالية، مقارنة بما كانوا يحصلون عليه من مرتبات ضئيلة تتراوح بين 200 و300 دولار شهريا. ومقابل الحملة الشرسة التي يتعرض لها أبواق النظام السابق ومطالبة قطاعات واسعة برحيلهم، فإنهم يقومون الآن بحملة مضادة مفادها أنه من المهم الآن التركيز على المستقبل وعدم تحويل الثورة المصرية إلى «حملة اجتثاث بعث جديدة» كما في العراق. بل ويزعم هؤلاء في مقالاتهم أنه من الضروري في إطار الديموقراطية الجديدة، التي ضحى من أجلها شباب مصر بحياتهم، احترام تنوع الآراء، متجاهلين أن الآراء التي كانوا يرددونها طوال حكم الرئيس السابق كانت تتعمد الكذب، والأهم التجاهل التام لكل أشكال الفساد الذي استفادوا منه هم شخصيا، باعتبارهم مقربين من النظام، وكذلك التزوير الفاضح لكل الانتخابات البرلمانية والرئاسية السابقة، وتعمدهم الفج تشويه كل معارضي الرئيس السابق ومخطط التوريث، والممارسات القمعية للجهاز الأمني الذي كان يترأسه وزير الداخلية السابق حبيب العادلي. أبواق النظام السابق يؤكدون لغالبية قرائهم أنهم «رجال كل العصور»، كما يشيعون في أوساط العاملين في المؤسسات الرسمية أن استمرارهم في مناصبهم هو بموافقة ورضا من الجيش، صاحب الكلمة العليا في مصر منذ الإطاحة بمبارك. وستثبت الأيام والأسابيع المقبلة إذا ما كان «النظام الجديد» في مصر سيواصل الاعتماد على هذه الأبواق المستعدة للتهليل لكل الحكام، أم سيدرك أن نفاق هؤلاء وتعمدهم الكذب بشكل فج يومي على قرائهم ومشاهديهم كان من ضمن الأسباب العديدة التي دفعت وأجّجت ثورة شباب مصر.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة