لطالما انتظر المعنيون بشؤون الطاقة والبيئة وأصحاب القرار وضع أطلس الرياح في لبنان. وأخيرا لبّى مشروع سيدرو CEDRO التابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي والمموّل من الحكومة الاسبانية، هذه الآمال والطموحات التي تحولت إلى واقع، حيث قام وزير الطاقة والمياه جبران باسيل برعاية حفل إطلاق أطلس الرياح الوطني نهاية الشهر الماضي بحضور السّفير الإسباني خوان كارلوس غافو ومديرة البرامج في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في لبنان Celine Moyroud وحشد من المهتمين من القطاعين العام والخاص. نفّذت دراسة أطلس الرياح الشركة التي ربحت المناقصة التي أطلقها مشروع سيدرو بالاستناد إلى معايير علمية، GL Garrad Hassan. وهي شركة معروفة دولياً في مجال استشارات طاقة الريح. امتدّت هذه الدراسة على مدّة تجاوزت الثمانية أشهر تمّ في خلالها استعمال نماذج برمجيّات قويّة للمعايرة من خلال قياسات سرعة الرياح الفعليّة التي تمّ الحصول عليها من مصادر مختلفة. كما تمّ إجراء وتنفيذ نماذج تدفّق الرياح وفق المقياس المصغر والمقياس المتوسّط (Meso-scale and Micro-scale) ، من أجل تحديد اختلافات سرعة الرياح على ارتفاع بين 50 و80 مترأً وعلى ارتفاع نهائي يبلغ 100 متر. كما تمّ إجراء هذه النمذجة لتغيّرات السّرعة البحريّة والبريّة مع اختلاف وحيد يتمثّل في أنّ عناصر الدقة في قياسات الريح البحرية لا تعتبر دقيقة نسبياً بسبب النّقص في البيانات التي تمّ قياسها، كما يشرح حسان حراجلي مدير المشروع. شكوك حول القدرة البحرية تشير نتائج دراسة أطلس الرّيح أن لبنان لديه ظروف ريح بريّة مؤاتية في مناطق عدّة وبشكل خاصّ في شمال البلاد (في عكّار) وعلى طول مناطق متعدّدة أخرى في شمال شرق البلاد في جبل الشيخ (من شبعا الى راشيا) وعلى طول سلسلة الجبال الغربيّة أيضاً. أمّا نتائج إمكانياّت طاقة الرياح البحريّة فلم تكن واعدة، غير أنّ الأبحاث المستقبليّة مضمونة في ما يتعلّق بالرياح البحريّة وتحديداً في ضوء التقدّم الحاصل في مجال تقنيّات الرياح البحريّة ونظراً إلى الحاجة للحصول على بيانات القياس من محطّات قياس الرياح البحريّة. بالعودة إلى الرياح البريّة تحدد الدراسة المناطق التي لا يمكن بناء مزارع ريـاح فيها كالمــناطق ذات الكثــافة السكّانيّة العالية والمواقع العســكريّة والمصالح التجاريّة وواقع الطيران المدني والحدائق الوطنيّة والمحميّات والمواقع التاريخـيّة والمناطق القريبـة من الرادارات أو مواقـع الاتصالات ...الخ وتأخذ الدراسة بالاعتبار أنّ مزارع الرياح القابلة للتطبيق تتطلّب متوسّط سرعات رياح ما لا يقل عن 65. متر في الثانية عند محور ارتفاع التوربين الذي يبلغ 80 متراً وبعد أخذ كثافة تركيب تبلغ 8 ميغاوات في الكيلومتر المربّع الواحد (بمعدل 4 توربينات في الكيلومتر المربع كحد ادنى)، تبلغ قدرة طاقة الرياح البريّة الخاصّة بلبنان 61. جيغاوات! غير أنّه ما أن يتمّ تطبيق حساسيّة التحليل مع هامش الخطأ، كالأخذ بالاعتبار أنّ أقصى منحدر أرضي يمكن بناء مزرعة رياح فوقه هو 8 درجات ويتمّ اعتبار نسبة تخلّف ناقص 10 في المئة من اضطراب سرعة الرياح، تكون القدرة الممكنة الناتجة انخفضت إلى 15. جيغاوات. مشكلة الشبكة الموجودة للنقل تعتبر القدرة البالغة 15. جيغاوات قيمة لافتة ومثيرة للإعجاب بالنسبة لبلد صغير مثل لبنان. إلاّ أنّه من الصّعب التّوصّل إلى هذه القيمة عندما يتمّ أخذ شبكة الكهرباء اللبنانيّة العموديّة والسلبية بالاعتبار. وفي أي شبكة «سلبيّة» تعرف بالدفق الأحادي الاتجاه للطاقة من مولّدات مركزيّة وتقليديّة كبيرة إلى خطوط النّقل وشبكات التّوزيع إلى المستهلكين النهائيين، فإنّ دمج الطاقة الكهربائيّة من مصادر الطاقة المتجدّدة يمكن أن يصل إلى 20 في المئة من نسبة توليد الطاقة الكاملة. غير أنّه من الضروري بعد تطبيق هذه الخطوة او النسبة، اللجوء إلى إعادة التفكير في ما يجب القيام به في ما يتعلّق بالبنية التحتيّة الكاملة للكهرباء. من أجل الوصول إلى هذا الهدف، يمكن أن تصل نسبة الطاقة المتجدّدة في لبنان إلى 20 في المئة من القدرة البالغة 4000 ميغاوات المتوقّعة مع حلول عام 2014 ويمكن بالتالي أن تساهم طاقة الريح في أيّ مكان بما يتراوح بين 400 و500 ميغاوات من الـ20 في المئة المذكورة، ممّا يترك للمصادر المتجدّدة الأخرى (كالطاقة الشمسيّة والمائيّة) أن تغطّي النسبة الباقية. فيما كانت تكاليف الفيول وحده عام 2009 تبلغ ما يقارب 11 سنت أميركي للكيلووات في الساعة وستزداد هذه القيمة مع ارتفاع أسعار النّفط عالمياً، وفي حال أمكن ضمان توليد طاقة الرياح من خلال اتّفاقات شراء الطاقة (PPAs) بقيمة تتراوح بين 10 سنتات و14 سنتاً للكيلوات في الساعة (كدلائل أوليّة من مصادر ممثلين لشركات صناعة طاقة الرّياح في لبنان)، إذاً تعتبر طاقة الرياح حلاً فعالاً من حيث الكلفة يمكن أن يقلّص من اعتماد لبنان على النفط المستورد علماً أنّ هذا الحلّ لن يسمح لنا باستبدال القدرة التقليديّة بالكامل على أساس مصادر طاقة مقابل أخرى. الحاجة الى الإطار التشريعي ويجب التشديد على النقطة الأخيرة، وهي قدرة ائتمان الرياح، أو أنّ احتمال تعطّل قدرة المحطّة التقليديّة بسبب إدخال طاقة الرياح يبلغ حوالى 30 في المئة، أي أنّ كلّ ميغاوات من الريّاح يمكن أن يستبدل فقط 03. ميغاوات من المصادر التقليديّة وهذه نقطة يجب أخذها في عين الاعتبار في التخطيط المستقبلي لشبكات الطاقة الكهربائيّة. ولكن في النهاية، ورغم كل التحديات أمكن للناشطين نشر أطلس الرّيح الذي سيساعد إلى حدّ كبير في مقاربة هدف الدولة اللبنانية لاستعمالات مصادر الطاقة المتجددة لتصل إلى حوالى 12% من احتياجات لبنان للإنتاج الكهربائي والحراري عام 2020 ، كما سيعطي أطلس الرياح إشارة بالغة الأهمية حول أفضل المواقع التي يمكن استثمارها من حيث طاقة الرياح في لبنان. غير أنّه حالياً تعتبر أسس إعطاء التراخيص والأذونات والعقود بين الحكومة اللبنانيّة ومطوّري مزارع الرّياح ضروريّة ومطلوبة بشكل أساسي لتكون ضمن إطار تشريعي واضح يشمل أنظمة الطاقات المتجدّدة جميعها. إن أطلس الرياح هو إنجاز هام، لأن الطاقات المتجددة والطاقات البديلة التي استمرت نظريات وأفكار ومشاريع برامج في لبنان وهي مطبقّة في الخارج، أصبحت اليوم حقيقية ثابتة، وهي من المحاور الهامة التي وردت في ورقة سياسة قطاع الكهرباء. باسيل وكان الوزير باسيل أشار خلال إطلاق دراسة أطلس الرياح: «إلى أنه في موضوع الرياح تحديداً، كنا نسمع دائماً عن أرقام متفاوتة، وقد ذكرنا في خطة الكهرباء 110 ميغاوات؛ مع عِلمِنا أن الأرقام الواعدة أكثر، وسمعنا من إحدى الشركات العالمية أنها تتوقّع أن يكون الرقم 500 ميغاوات للقدرة الممكنة في لبنان لإنتاج الطاقة من الرياح، واستغربنا الرقم معتبرين أنها أرقام مضخمّة واستمرينا منذ حوالى السنة، عندما أُطلق مشروع أطلس الرياح بانتظار انتهاء الدراسة وصدورها، ليصبح لدينا اليقين من القدرة الإنتاجية للكهرباء من الرياح في لبنان». وتابع: «اليوم، باستطاعتنا القول إنه أصبح لدى لبنان «أطلس رياح وطني» مدروس من قبل شركة عالمية متخصّصة، وأصبح بإمكاننا التحدث لأول مرة عن أرقام واقعية وعلمية في هذا المجال، وقد تبدو هذه الأرقام للوهلة الأولى أنـها طموحة جداً وكبيرة جداً، ولكن هذا الأمر قد أتى نتيجة الدراسة التي نُفِّذت وهو ما يمـكن تحــويله إلى واقع من خلال المشـاريع التي على الدولة اللبنانية إِعطاء فرصة للمستثمرين للقيام بها». واعتبر أنه لا يجوز التوهم بأن الحل يأتي من الكهرباء المنتجة من الرياح، ولو كان بإمكاننا التوصل إلى الطاقة القصوى غير الممكنة بأمد قصير، وانه من غير الممكن تأمين انتشار «التوربينات» على مجمل الأراضي اللبنانية للوصول إلى هذا الأمر؛ ولو توصلنا إليه، كلنا نعلم أن هذه الطاقة ستكون مؤقتة وستأتي لتتكامل مع طاقات أخرى تقليدية، وهذا ما يؤمن ما هو معروف «بالأمن الطاقوي» الذي يعتمد بشكل أساسي على تنوع المصادر، وبذلك نجد أن لدينا في لبنان إمكانيات كبيرة لا نستفيد منها كما أننا لا نقدّر حجمها، إلى حين صدور هذه الدراسة التي أعطت تقديرات جديدة، تؤكد وجود إمكانيات كبيرة كما يجب وضع كافة الجهود للاستفادة منها في الحد الأقصى. وختم آملاً أن يكون بالإمكان في المرحلة المقبلة تحويل الدراسة إلى واقع، معلناً عن إرساله إلى الحكومة الماضية مشروع قانون يقضي السماح بإنتاج الطاقة الكهربائية من خلال مصادر الطاقة البديلة وعبر القطاع الخاص، وهو أمر بالنسبة إلى وزارة الطاقة والمياه لم يعد مجرّد فكرة، إنما تحوّل إلى مشروع قانون أُرسل إلى مجلس الوزراء على أن تتبنّاه الحكومة اللبنانية الجديدة وتُرسله إلى مجلس النواب ليصبح قانوناً فعلياً للاستفادة من الطاقة الهوائية وتهب الريح لصالح كل اللبنانيين.