As Safir Logo
المصدر:

«السـباق الأفـريقـي»: الاسـتعمـار الأوروبـي للقـارة السـمراء

عوقب العمال الكونغوليون الذين لم يستوفوا المعدل اليومي لجمع المطاط بقطع الأيدي
أقزام بيغميّون ومستكشف أوروبي
المؤلف: مرعي جاد التاريخ: 2011-01-13 رقم العدد:11787

يبدو الاستفتاء على انفصال جنوب السودان مرحلة جديدة من «السباق الأفريقي»، وهو المصطلح المعتمد لتفسير صراعات القوى الاستعمارية حول «تقاسم» القارة السمراء خلال حقبة «الإمبرياليّة»، أي ما بين ثمانينيات القرن التاسع عشر والحرب العالميّة الأولى، والذي يبقى مصطلحاً قابلاً للاستخدام في مرحلة العولمة النيوليبرالية حالياً. وقد شهدت أواخر القرن التاسع عشر تحوّلاً من الإمبرياليّة «غير الرسميّة» القائمة على الهيمنة العسكرية والاقتصاديّة، إلى الحكم الاستعماري المباشر. وقد فشلت المؤتمرات والمحادثات التي عقدت بين الدول الكبرى آنذاك حول إفريقيا إلى تثبيت المكاسب وإنهاء الخلافات، التي اعتُبِرَت من الأسباب الرئيسية لاندلاع الحرب العالميّة الأولى. ورأت الدول الأوروبية في أفريقيا أرضاً سهلة المنال، حتى اعتبر البعض منها أنّه في حال استعمارها، سيتمّ «نقل الحضارة إلى قارة متخلّفة». غير أنّ المصالح التجارية والمنفعة الاقتصاديّة تحكّمت بهذا الاستعمار، إذ أظهرت المراحل اللاحقة أنانيّة هذا المبدأ وإجحافه بحقّ الدول الإفريقيّة. من ناحية أخرى، يزعم البعض أنّ الاستعمار، وبرغم كلّ شوائبه، جعل الأفارقة أعضاء في حضارة عالميّة تتميّز «بمؤسسات ومبادئ، كالديموقراطية التمثيليّة، والقضاء، والمصارف، والمصانع»، وأن «على الأفارقة وغير الغربيين التأقلم وإتقان هذه الحضارة الجديدة لتقوية أنفسهم والاستفادة من مزاياها». فتح قارة حتى العام 1835، كان الأوروبيون قد اكتشفوا معظم مناطق شمالي غربي أفريقيا. وقادت حملات استكشافيّة خلال الخمسينيات والستينيات من ذلك القرن إلى تحديد منطقة البحيرات ومنابع نهر النيل. ومع نهاية القرن، استطاع الأوروبيون وضع خريطة للنيل مع مصادره، وكلّ من مجاري أنهر النيجر والكونغو وزامبيزي، واكتشف العالم ثروات القارة السمراء. غير أنّه عشيّة انطلاق هذا «السباق» كانت 10 في المئة فقط من أراضي القارة تحت السيطرة الغربية. في العام 1875، كانت الجزائر أهمّ المستعمرات الغربية، وقد بدأ استعمارها من قبل فرنسا منذ العام 1830 بالرغم من مقاومة عبد القادر القويّة وثورة القبائل في السبعينياّت، إضافة إلى مستعمرة الـ«كايب» (جنوب أفريقيا) البريطانيّة، وأنغولا المحكومة من البرتغال. وساهم التطوّر التكنولوجي على صعيد المواصلات والاتصالات، وخاصة مع اختراع التلغراف، وتطوير الملاحة البخاريّة والطرق الحديديّة، إلى توسيع رقعة الاستكشاف، ويضاف إلى ذلك التقدّم الطبّي وإيجاد أدوية للأمراض الاستوائيّة. خلال مرحلة «الكساد الكبير»، قدّمت إفريقيا لبريطانيا وفرنسا وألمانيا، ودول استعمارية أخرى، سوقاً حرّة للاستهلاك ومنفذاً للأزمة الاقتصادية. وكانت الاستثمارات في هذه السوق الخارجية، حيث اليد العاملة الرخيصة والمنافسة المحدودة والمواد الأوليّة المتوفّرة، مربحة أكثر بالنسبة للرأسماليين الأوروبيين. كما تمثّل أحد محفّزات هذه الإمبرياليّة في تلك الفترة بارتفاع الطلب على المواد الخام غير المتوافرة في أوروبا، وبخاصة القطن والنحاس والمطّاط والشاي والقصدير، وهي سلع اعتاد عليها المستهلك الأوروبي واعتمدت عليها صناعته. حرب القوى احتلت فرنسا تونس في العام 1881، وغينيا بحلول العام 1884، ما أقنع إيطاليا بدخول حلف ألمانيا – النمسا، والذي أصبح يُعرف بالـ«حلف ثلاثي». وفي العام ذاته احتلّت بريطانيا مصر العثمانيّة، والتي ضمّت حينها السودان وأجزاء من الصومال. وفي العامين 1870 و1882، أُعلنت أقسام من أريتريا تحت الحكم الإيطالي، وسيطرت ألمانيا على أراضي توغو، ومن ثمّ الكاميرون وجنوبي غربي أفريقيا في العام 1884. وتأسّست مستعمرة غرب أفريقيا الفرنسيّة عام 1895، وأفريقيا الاستوائيّة الفرنسيّة في العام 1910. تابعت إيطاليا بحثها عن «مكان تحت الشمس». وبعد هزيمتها في الحرب الأثيوبيّة الأولى (1895- 1896)، اجتاحت الصومال وإريتريا كاملة بين عامي 1899-1890. وعادت في العام 1911، لتدخل في مواجهة مع العثمانيين، ضمّت على أثرها ما يعرف اليوم بليبيا. من ناحية أخرى، خرج البريطانيّون من عزلتهم في العام 1902، وأقاموا حلفهم الشهير مع اليابان، ما أسهم في فوز هؤلاء في حربهم ضدّ روسيا (1904 – 1905). كما أبرموا «التحالف الودّي» (entente cordiale) مع فرنسا في العام 1904، الذي ضمّ روسيا في العام 1907، لمواجهة الحلف الثلاثي. وبالرغم من أنّ ألمانيا الموحّدة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بزعامة أوتو فون بسمارك لم تمثّل قوّة استعمارية قبل مرحلة الإمبرياليّة الجديدة، إلا أن ذلك لم يمنعها من المشاركة الفعّالة في «السباق». وكقّوة صناعيّة صاعدة منافسة لبريطانيا، لم تكن ألمانيا قد حظيت بعد بمكانتها بين المستعمرين الكبار. ويعود ذلك على الأرجح إلى وحدتها المتأخّرة وتشرذمها الجغرافي بين أقسام متباعدة، وقلّة خبرتها في الملاحة. غير أنّ ذلك تغيّر لاحقاً بشكل جذري، حيث أسّس بسمارك «ولتبوليتيك» (weltpolitik)، أو ما عُرِف بالسياسة العالمية. بالإضافة لذلك، تمحورت السياسة الألمانيّة حول بناء قوّة بحريّة هائلة، أدّت في نهاية المطاف، وبالإضافة لسباق تسلّح مع البريطانيين، إلى امتلاك ألمانيا في العام 1914 ثاني أكبر أسطول عالميّاً (أصغر 40 في المئة من الأسطول الملكي البريطاني). وقد دعمت هذا التوجّه البرجوازيّة الألمانيّة الصاعدة. بدورها، شاركت الولايات المتّحدة هامشيّاً في «السباق»، وكان ذلك من خلال الهيئة الأميركيّة للاستعمار التي أسسها روبرت فينلي في العام 1816. وقد عرضت الهيئة الهجرة إلى ليبيريا («أرض الأحرار»)، وهي مستعمرة أُسِّسَت عام 1820 لتحرير العبيد السود. وأقام العبد المحرّر لوت كاري أوّل إرسالية معمدانية في إفريقيا. غير أنّ محاولات الاستعمار هذه تعرضت لمقاومة شرسة من قبل السكّان الأصليين. الأزمات الدوليّة المتتالية في أفريقيا والحرب العالميّة الأولى استعمار الكونغو بين العامين 1879 و1884، بعث الملك البلجيكي ليوبولد الثاني سرّاً بالمستكشف البريطاني من أصل ويلزي هنري مورتون ستانلي إلى منطقة الكونغو. أقام هذا الأخير اتفاقات عديدة مع قادة القبائل المحلّية. ومع حلول العام 1882، تمّ الحصول على أكثر من مليونين و300 ألف كيلومتر مربّع من الأرض، أطلق عليها اسم «دولة الكونغو الحرّة». استخدم الملك ليوبولد الثاني ملكيّته الجديدة لاستخراج العاج والمطّاط. كما فرض إرهابه على شعب هذه الأرض، مخلّفاً ملايين القتلى نتيجة للقتل الجماعي والعبوديّة، ما دفع ببلجيكا إلى إنهاء العمل بهذا القانون في العام 1908. وتحت تأثير الجمعية الإصلاحيّة الكونغوليّة، تم إعلان الكونغو مستعمرة بلجيكيّة، عُرِفت بـ«الكونغو البلجيكيّة». في الوقت نفسه، كان البحّار الفرنسي بيار دي برازا قد دخل حوض الكونغو ورفع العلم الفرنسي في العام 1881 فوق المنطقة التي تُعرَف اليوم بـ«برازافيل»، محتلّاً جمهورية كونغو الديموقراطيّة. وطالبت البرتغال عبر اتفاقيات قديمة مبرمة مع إمبراطورية الكونغو بحصّتها. قناة السويس في حين لم تمثّل إفريقيا الاستوائيّة منطقة استثمار مكثّف، كان الداخل الأفريقي – بين مصر وجنوب إفريقيا - الغني بالذهب والماس، هدفاً اقتصادياً استراتيجياً للدول المتنازعة. ورغم الضغط السياسي الشديد الذي واجهته القيادة البريطانية من قبل حزب المحافظين لحماية الأسواق المربحة كالهند والصين وأميركا اللاتينيّة في وجه المنافسين، اعتبرت هذه القيادة أنّ تأمين الممر بين الشرق والغرب، أي قناة السويس، مهمّة حيويّة لها. أما منطقة حوض النيل فقد شهدت التطورات الأهم خلال الفترة الممتدة بين العامين 1854 و1856، حين حصل الدبلوماسي الفرنسي فرديناند دي ليسيبس على إذن إسماعيل باشا، حاكم مصر العثماني، لبناء قناة السويس. وخلال عقد من العمل، توفّي 125 ألف مصري من بين أكثر من مليون ونصف أجبروا على العمل لتنفيذ المشروع، جرّاء نقص الغذاء والإرهاق والأمراض، وخاصةً الكوليرا. وفي عام 1869، وقبل انتهاء القناة بوقت قصير، استدان إسماعيل باشا مبالغ طائلة من مصرفيين بريطانيين وفرنسيين بفوائد عاليّة. وفي العام 1875، وجد نفسه في مأزق مالي كبير واضطُرّ إلى بيع حصصه في القناة لرئيس الوزراء البريطاني آنذاك بنيامين ديزرايلي، والذي كلّف بلاده الإشراف التنفيذي على إدارة القناة. وحين رفض اسماعيل باشا دفع الديون المصريّة الخارجيّة عام 1879، فرضت فرنسا وبريطانيا إدارتهما المشتركة لمالية البلاد، وأجبرت اسماعيل باشا على التنحّي. مؤتمر برلين 1884 - 1885 يُمكن اعتبار احتلال مصر واجتياح الكونغو أولى خطوات تصعيد «السباق الأفريقي». وعلى أثرها، عقد بسمارك عام 1884- 1885 مؤتمراً دولياً لمناقشة التداعيات على الساحة الأفريقيّة. وركّز الدبلوماسيون المشاركون على الوجه الإنساني، فأدانوا العبوديّة، ومنعوا بيع الكحول والسلاح في بعض المناطق، وأبدوا تخوّفهم من نشاط الإرساليات. كما وضعوا قوانين المنافسة التي طلب من القوى الكبرى احترامها في امتداد استعمارها. ومن بين أهمّ البنود التي أتت بها الاتفاقيّة ما يشير إلى اعتبار منطقة دولة الكونغو الحرّة، الواقعة تحت الاحتلال البلجيكي، منطقة محايدة، يتمتّع فيها الجميع بحريّة التجارة والملاحة. كما حظرت على الدول عدم إعلان استعمارها لمنطقة افريقية قبل إعلام المستعمرين الآخرين وإحكام السيطرة عليها بالكامل وبفعاليّة. الاحتلال البريطاني لجنوب أفريقيا بعد احتلال البريطانيين لمصر والسودان ونيجيريا وكينيا وأوغندا، أعلن البريطاني ثيوبيلوس شيبستون جمهورية جنوب أفريقيا مستعمرة بريطانيّة عام 1877. وبعد حربها مع قبائل الـ«زولو»، تمكّنت بريطانيا من فرض سيطرتها على كامل الأراضي الجنوب إفريقيّة في العام 1879. اعترض الـ«بويريّون»(Boers) (مزارعون بلجيكيّون من أصل هولندي) في منطقة ترانسفال، وثاروا في كانون الأوّل العام 1880. فكانت الحربين الأولى (1880 – 1881) والتي تمكن البويريون على أثرها من الاستحصال على الحكم الذاتي في إقليم ترانسفاليا، ومن ثمّ الثانيّة (1899 -1902) التي خسروا فيها كلّ شيء لمصلحة البريطانيين، لتعود جنوب أفريقيا بكاملها إلى الإمبراطوريّة البريطانيّة. حادثة فاشودا 1898 مثّل الغرب الإفريقي بساحله الشاسع (الذي يمتد اليوم على أراضي السنغال ومالي والنيجر وتشاد)، الطريق الفرنسي نحو الداخل. وكان الهدف الأوّلي اكتساب خطّ اتصال غير منقطع في ما بين نهري النيجر والنيل يضمن سيطرة فرنسية مطلقة على النقل البرّي عبر الصحراء. أمّا البريطانيّون، فسعوا إلى ربط أقاليمهم الشرقيّة (أي كينيا اليوم) بتلك الجنوبيّة (جنوب إفريقيا، بوتسوانا، زيمبابوي، ليسوتو، سوازيلاند، وزامبيا)، ومن ثمّ وصل الإقليمين بمنطقة حوض النيل. وعند رسم خطّ عمودي بين القاهرة وكايب تاون، أي الحلم الانكليزي، وآخر أفقي بين داكار والقرن الإفريقي (أي أثيوبيا، إريتريا، جيبوتي، والصومال)، وهو الطموح الفرنسي، ستبرز نقطة التقاطع بين الخطّين في منطقة فاشودا، في جنوبي السودان، ما يبيّن أهمّيتها الإستراتيجية. وصلت قوّات فرنسيّة إلى قلعة فاشودا، ولحقت بها غريمتها البريطانيّة. وبعد المواجهة، انهزم الفرنسيّون وانسحبوا. لكنهم استمرّوا بالمطالبة بحقوقهم الاستعمارية في المنطقة. وفي العام 1899، توافقت الدولتان على أن تكون منابع النيل وأنهر الكونغو الحدود بين منطقة نفوذهما. الأزمة المغربيّة بالرغم من مقرّرات مؤتمر برلين، وبعد حادثة فاشودا و«التحالف الودّي»، أراد الحاكم الألماني وليم الثاني اختبار صلابة هذا الحلف متّخذاً من المغرب أرضاً لهذه المعركة. في 31 آذار العام 1905، زار القيصر الألماني المغرب وألقى خطاباً في مصلحة استقلاله، متحدّياً النفوذ الفرنسي هناك والمعترَف به بريطانيّاً وإسبانيّاً في العام 1904. استفزّ الخطاب الشعور القوميّ الفرنسيّ، واتّخذ وزير الخارجية آنذاك ديلكاسي، وبدعم بريطاني، موقفاً متحدياً. عُقِد مؤتمر الجزائر لحلّ النزاع. ومن أصل 13 دولة حضرت، لم يدعم الألمان سوى النمسا - المجر. فوافق الألمان أخيراً على التسوية، وأبرموا في 31 أيار العام 1906، اتفاقاً يعترف بالنفوذ الفرنسي في المغرب مع قيامهم بتغييرات محلّية طفيفة. وبعد خمس سنوات، اندلعت الأزمة المغربيّة الثانيّة المعروفة بأزمة أغادير، بعد وصول البارجة الألمانيّة المقاتلة «بانتثر» إلى مرفأ أغادير المغربي في الأول من تمّوز العام 1911. ومع سماع البريطانيّين الخبر، اعتقدوا خطأً أنّ الألمان يهدفون من وراء ذلك إلى تحويل المدينة قاعدة عسكريّة لهم على المحيط الأطلسي. غير أنّ الخطوة الألمانيّة كانت تهدف إلى دعم المطالبات الألمانيّة بتقديم تنازلات فرنسيّة في مقابل تلك التي قدّمها الألمان في مؤتمر الجزائر. وبالفعل، وفي وثيقة مصدّقة في تشرين الثاني العام 1911، اعترف الألمان بالمملكة الشمال إفريقيّة الفرنسيّة في مقابل أراضٍ أعطيت لهم في مستعمرة الكونغو الوسطى الفرنسيّة في إفريقيا الاستوائية (جمهورية الكونغو حاليّاً). فرضت فرنسا بعد ذلك انتدابها الكامل على ما تبقّى من الأراضي المغربيّة المستقلّة بحلول آذار العام 1912. وقد عزّز الدعم البريطاني لفرنسا خلال الأزمتين «التحالف الودّي» بين البلدين وساهم في تعميق شرخ العلاقات الانكلو – ألمانيّة، ممهّداً لاصطفافات الحرب العالميّة الأولى. إرهاب الاستعمار أدّت الأساليب الرأسماليّة المعتمدة إلى تغييرات اجتماعية وسياسيّة جذريّة في المجتمعات الآسيويّة والإفريقيّة. حيث أنّ الإنتاج الأقصى بالكلفة الأدنى بات نمطاً لا يوافق بالضرورة أسلوب الإنتاج الزراعي الموسمي التقليدي لهذه المجتمعات. فالسكّان الأصليّون مارسوا إنتاج البقاء. ومع دخول المستعمر، تحوّلت هذه الاقتصادات نحو التخصّص وسعت إلى تراكم الفوائض. وتحوّلت معها عادات وتقاليد الإمبراطوريات والدول القبائليّة إلى تقسيم عمل مرتكز على الحماية القانونيّة للأرض والعمل، اللذين أصبحا سلعاً معروضة للبيع والشراء والاستثمار. اللوبي الاستعماري في مراحلها الأولى، اقتصرت الإمبرياليّة على أنشطة بعض المستكشفين ورجال الأعمال المغامرين. ولم تحبّذ الحكومات هذا التوجّه. لكن ما لبثت أن انهارت أمام مطالب بورجوازيّاتها، وخاصةً خلال مرحلة «الكساد الكبير» التي تسببت بضغط اقتصادي هائل لإيجاد أسواق جديدة. رأى الكثير من القادة السياسيين الأوروبيين تناقضاً بين مفهوم القوميّة (الذي حكم تلك الحقبة)، وبين التوسّع الإمبريالي. ومن بين أبرز هؤلاء القادة الرئيسان البريطاني وليم غلادستون والفرنسي جورج كليمنصو. وبدأ يبرز النزاع بين الإرادة الأمميّة لاحترام حقوق الإنسان، والتوجّه الإمبرياليّ السافر باستعمار الشعوب «المتخلّفة». سعت اللوبيات الاستعماريّة إلى تشريع «السباق الأفريقي»، ومغامرات أخرى في العالم الجديد. وبدأت البرجوازيّات الألمانيّة والفرنسيّة والبريطانيّة تطالب بسياسات خارجيّة للحفاظ على نمو هذه الأسواق الجديدة. وفي دول أضعف، طالب الإيطاليّون بـ«مكان تحت الشمس» لـ«الدول البروليتارية»، محاولين دمج القوميّة والعسكريتاريا في ما أضحى نموذجاً أوّلياً للفاشية. الدعاية الاستعمارية والشوفينيّة مع نهاية الحرب العالميّة الأولى، أصبحت الإمبراطوريّات الاستعماريّة مقبولة شعبيّاً. فاقتنع الرأي العام بحاجة هذه المستعمرات. وأتت «المعارض الاستعماريّة» المنظّمة من قبل اللوبيات، والحملات العلميّة البحثيّة، لتلعب دوراً كبيراً جداً في ترسيخ هذه القناعة لدى الرأي العام. فتبعت كلّ الحملات الاستكشافية نحو العالم الجديد معارض عامّة للشعوب الأصليّة لأهداف علميّة وترفيهيّة. في العام 1876، بعث تاجر الحيوانات المتوحّشة ومدير معظم حدائق الحيوانات في أوروبا الألماني كارل هاغنبيك بأحد مندوبيه إلى السودان المصريّة لإحضار حيوانات متوحّشة ونوبيين، (سكّان أصليين). وشهد عرضهم في باريس ولندن نجاحاً تاماً. انتشرت «حدائق البشر» هذه في هامبورغ وأنتويرب وبرشلونة ولندن وميلان ونيويورك ووارسو ومدن أخرى، وحضرها آلاف الزوار. في العام 1906، وفي الولايات المتّحدة، قام ماديسون غرانت، رئيس الاتّحاد الأميركي للحياة البرّية، بعرض القزم البيغماني «أوتا بنغا» في قفص في حديقة البرونكس مع قرد تحت عنوان «الحلقة الضائعة»، في محاولة لتوثيق الداروينيّة، وذلك لـ«إثبات» أنّ الأفارقة أقرب للقرود منهم للأوروبيين. ساهمت هذه المعارض الاستعمارية، بالإضافة إلى القصص المصوّرة كمغامرات «تانتان» الفرنسيّة وأخرى مماثلة أميركيّة تسخر من الهنود الأصليين، في تشريع مشروع الاستعمار وممارساته الشنيعة بحقّ الشعوب الأصلية. كما كانت في أساس العرقيّة التي تغذّي هذه الإمبرياليّة. من ناحية أخرى، شارك علم الأنتروبولوجيا، وهو وليد الاستعمار، في ما يمكن دعوته «العنصرية العلميّة» المرتكزة على الداروينيّة الاجتماعية، الفلسفة الوضعيّة، والماديّة. فادّعى هذا العلم امتلاكه القدرة على إثبات التفوّق العرقي للحضارة الغربيّة على «الحضارات البدائيّة». مع «الحملة التأديبيّة» التي قادها الأدميرال البريطاني هاري راوسون في العام 1897، تمّ احتلال وحرق ونهب مملكة بنين، ما أسفر عن القضاء على أقدم الحضارات في العالم وأكثرها تعقيداً وغناء. وبدافع تغطية تكاليف هذه الحملة، تمّ عرض تراثها من الأعمال البرونزيّة والتحف الفنيّة للبيع في أنحاء أوروبا كافة. وبالنسبة للعديد من المؤرّخين، فقد كان هذا الخطاب العنصري وممارساته وراء ظاهرة «عنصريّة الدولة»، التي تجسّدت لاحقاً مع النازيّة ومحرقة اليهود. خلال حقبة الإمبرياليّة الجديدة، ومع نهاية القرن التاسع عشر، كانت أوروبا قد أضافت ما يقارب 23 مليون كيلومتر مربّع (خمس مساحة العالم) لإمبراطوريتها الاستعمارية، من ضمنها أفريقيا كاملةً باستثناء أثيوبيا، وليبيريا، والساقية الحمراء (الصحراء الغربيّة). وكانت بريطانيا الرابح الاستراتيجي الأكبر. فبين العامين 1885 و1914، سيطرت على 30 في المئة من سكان القارّة ( 15 مليون نسمة في نيجيريا وحدها)، أي أكثر من الغرب الأفريقي الفرنسي برمّته، أو المستعمرات الألمانيّة مجتمعةً. تبع هذا التوسّع الاقتصادي إمبريالية سياسية، في ظلّ لوبيات الاستعمار التي عزّزت شرعية احتلالها بنظريّات شوفينيّة وعرقيّة. وأدّى التناحر بين القوى إلى جملة أزمات متتاليّة، انفجر الوضع الأوروبي الداخلي على أثرها في آب العام 1914، فكانت الحرب العالميّة الأولى بالاصطفافات التي مهّد إليها هذا «السباق الأفريقي».

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة