As Safir Logo
المصدر:

»الطبيعية« أو »التعري الاجتماعي«: دعوة إلى تحرير الجسد

التعري على الصخور
المؤلف: غدار حنين التاريخ: 1999-12-09 رقم العدد:8472

»طريقة في الحياة بانسجام وتوافق مع الطبيعة، عبر ممارسة التعري الاجتماعي، او التعري الجماعي، في محاولة لتشجيع احترام الذات، احترام الآخر واحترام الطبيعة«. اعتمدت الفدرالية العالمية للطبيعة (Naturalism) هذا التعريف كفلسفة موحدة تجمع بين ملايين »الطبيعيين« في العالم الذين ينضوون تحت جمعيات وتحركات عدة. على عكس ما هو شائع حول هذه الجمعيات من كونهم يهوون التعري وممارسة الجنس جماعيا في الهواء الطلق، تؤكد هذه الجمعيات ان الهدف الرئيسي خلف »التعري الجماعي« هو تقبّل فكرة الجسد العاري والحق في التعبير عنها في المكان المناسب، الطبيعي واللا جنسي. اعتراضاتهم يعمل اعضاء هذه الجمعيات، او الافراد المؤمنون بمبادئها، على تطبيق اهداف »الطبيعية« بممارستها في اماكن خاصة، او إذا سمح قانون البلاد، كما في غالبية بلدان أوروبا، في اماكن عامة مخصصة للعراة، مثل الشواطئ، المنتجعات والنوادي. أما في البلدان التي ما تزال تمنع وجود العراة في الاماكن العامة كالولايات المتحدة الاميركية، فيزداد نشاط هذه الجمعيات وتكثر اعتصاماتهم كما حصل الشهر الفائت عندما دخلت مجموعة من العراة الشباب احدى المحاكم العليا، في محاولة للاعتراض على القانون الذي يمنع وجود اماكن عامة مخصصة للتعري. »القانون الذي يفرض تغطية الجسد هو قانون يكرس رموز العار والعيب ويساهم في تحقير صورة الجسد«، يقول المعترضون في محاولة لتفسير اسلوبهم »الفج« في التعبير، كما يراه البعض ممن يعارضون مبدأ التعري في الاماكن العامة لأسباب قد تكون دينية، اجتماعية او خاصة. الا ان الجمعيات التي تنادي »بالطبيعية« لا تدعو بالضرورة الى التعري في كل الاوقات وفي كل الامكنة، فهنالك ظروف قد تمنع التعري، كالطقس البارد مثلا. وأحيانا قد يرغب المرء في ارتداء ملابس معينة. فالهدف الأول والأهم هو تحويل فكرة »الملابس« الى خيار من حق المرء ان يرفضه. في السابق لا ينظر الطبيعيون الى الملابس والأزياء على انها فكرة قد تكون استهلاكية وتجارية بشكل رئيسي، بل على انها رمز للعار والعيب كما فرضته تقاليد العصور كعهد الملكة فكتوريا بقوانينها التي تبنت »الحشمة« والتحفظ للجسد، وذلك عبر احكام الكنيسة. فقد غابت عن تلك الفترة كل محاولات تحرير الجسد، لدرجة ان كل ما يرمز اليه، كأرجل الباينو، اعتبر غير محتشم وجرت تغطيته. أما في أوائل القرن العشرين، فقد ابتدأت الثورة على القيود »الفكتورية« بالاعتراض على القوانين التي تفرض على الرجل تغطية صدره في الاماكن العامة، حتى على الشواطئ، ولم يسمح القانون للرجل بالذهاب الى الشاطئ بصدر عار في نيويورك قبل العام 1936. ومنذ ذلك الوقت، تطورت هذه التحركات التي ترفض تقييد الجسد بشكل ملحوظ وتوسعت في الستينيات والسبعينيات، أي مع انتشار الهيبيين، لكنها ما لبثت ان استعادت بعض التحفظ مع نهاية السبعينيات، أي بعد خفوت الظاهرة الهيبية. اليوم، ومع ازدياد عدد الشباب في هذه التحركات، خصوصا شباب الجامعات، تم اجراء بعض الدراسات النفسية حول صورة الجسد في اساليب التربية المتبعة. وتشير بعض النتائج الى ان المجتمعات التي تتعامل مع الجسد بتحفظ تؤدي الى تأثيرات سلبية على ثقة الفرد بنفسه والتعاطي مع الآخر، مما يؤدي ايضا الى ازدياد الجريمة والامراض النفسية. اما في المجتمعات حيث »التعري« والجسد العاري امر طبيعي، تؤكد الدراسات ان الاطفال يتعاملون بنقدية أقل مع الجسد. الشباب خصوصاً ينضم جيل الشباب بشكل خاص الى هذه التحركات لأن للشباب رغبة أكبر في التحدي للأنماط السائدة، لا سيما ان »الطبيعيين« لا يدعون لأكثر من التعامل مع الجسد بتلقائية وصراحة. فتقبل النفس هو امتداد لتقبل الجسد، والتعري الجماعي يسهل عملية الوعي لحقيقة الهشاشة التي تجمع بين البشر من دون تمييز. فالتعري يزيل الفروقات الاجتماعية والاقتصادية والطبقية والجنسية التي كثيرا ما تكرسها الملابس، وتؤدي الى الغرور، التكبر او الخوف وانعدام الثقة بالنفس. على الرغم من تفادي الشباب اليوم لهذه الظاهرة نسبة الى شباب الستينيات والسبعينيات الذين تجاوزوا حدودا أكثر اتساعا وصلابة، تشهد النوادي والمراكز المخصصة »للطبيعيين« او »العراة« تزايدا أكثر لجيل الشباب. إلا أن فكرة الجسد عند المراهق او الشاب ما تزال خاضعة لقيود يفرضها المجتمع من خلال العائلة والمدرسة من جهة، ووسائل الاعلام من جهة ثانية. فالاعلانات والافلام والمجلات المليئة بعارضات الازياء تملي صورة »جميلة« و»جذابة« عن الجسد على الجميع التشبه بها ليكونوا ضمن الشكل المقبول. ويشعر الشباب بضغط اضافي من هذه الناحية لأنهم، ولا سيما المراهقين، يمرون بمراحل يتحول فيها جسدهم ويتغير بسرعة. بعض التناقض ولذلك يهدف »الطبيعيون« الى تقبّل الجسد كما هو بحالته الطبيعية، لا كما يفرضه عارضو وعارضات الازياء ومصمموها. لكن هذه الظاهرة التي تدعو الى التوافق والصراحة مع النفس، الجسد، والطبيعة، قد تلجأ احيانا الى اساليب »اعلانية« في جوهرها وتتنافى مع الاهداف الحقيقية للجمعيات، فتعتمد بعض هذه الجمعيات او التجمعات في دعوتهم الى الانضمام الى نواديها ومراكزها بعض الترويج التجاري. يعملون على حاجة البعض الى الانتماء الى مجموعة ما، فيلقون الضوء على النشاطات التي تجمع »العراة« وتفسح المجال للتعرف واللقاء في ما بينهم دون أية حاجة الى انتماء ديني او سياسي. والجدير بالذكر ان معظم هذه الجمعيات تمتلك منتجعات ومراكز ذات طابع تجاري يهدف الى استقطاب الزبائن، وما يميزها عن غيرها من المراكز ليس الا المبادئ »الطبيعية« او الدعوة الى »التعري الجماعي«. بالإضافة الى ذلك، تركز معظم هذه الجمعيات على »السرية« والحق في اخفاء العضوية فيها، في محاولة لاستقطاب الاعضاء الجدد الذين يخافون من »فضيحة ما« او يخجلون من اعلان انتمائهم الى ناد للتعري. إلا أن هذه المحاولة تتنافى والاهداف الاساسية للجمعيات ذاتها، والتي تدعو الى التخلص من فكرة الخجل من الجسد و»العار« المفروض عبره. قد لا تدخل محاولات البعض المطالبة بتخصيص اماكن عامة للعراة في اللعبة التجارية او الترويجية، إلا أنها تستلزم المزيد من التنظيم او ربما الاستيعاب والوعي لشرائح كبيرة من المجتمع الرافضة لظاهرة التعري بأهدافها وأساليبها. فالأمر ليس ببساطة شعار مثل: »إذا قُدِّر للناس أن يكونوا عراة، لخلقوا على هذا النحو«. حنين غدّار

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة