في العام 1959 شهد مهرجان »كان« حدثين، أولهما تقديم فيلم »400 ضربة« لفرانسوا تروفو، والثاني فيلم »هيروشيما حبي« لألان رينيه. هذ الجيل الجديد من السينمائيين الذين قرروا الانتفاض على ما أسموه »محترفي المهنة« القدامى، كان لديهم الكثير ليقولوه بعد عقد على نهاية الحرب العالمية الثانية، ويقولوه بشكل مختلف وبلغة احتجاجية جديدة. اعتبر فيلم »هيروشيما حبي« مادة جريئة من حيث الشكل والمضمون، وكان ما يقوله معلقا، اذ تطرق الى الوضع الانساني من باب هواجسه المتعلقة بالذاكرة الجماعية المؤلمة وتأثيرها على الذاكرة الفردية. وقد دخل العوالم النفسية الحميمة لشخصياته، ونقل ما يجود في داخلها من دون اخضاعه لقوانين الوعي والمنطق. فشخصيات »هيروشيما حبي« هي حصيلة صدمات عاطفية وعجز انساني فردي في مواجهة عالم غير معقول. وبعد اربعين عاما على تصويره، لا يزال فيلم »هيروشيما حبي« يملك التأثير نفسه على جمهور من جيل مختلف يفصل بينه وبين تلك الحقبة، اي ظهور الموجة الجديدة في السينما الفرنسية، تيارات كثيرة ومحطات اكثر اهمية منه. لكن »هيروشيما حبي« لم يكتسب اهميته فقط من مخرجه ومن التقنيات الجديدة، بل لكونه يحمل بصمات الكاتبة مارغوريت دوراس، صاحبة الرواية ذات العنوان نفسه، وكاتبة سيناريو الفيلم. وشخصية دوراس الحاضرة بقوة داخل النص كما في معظم رواياتها، تغلب الطابع الادبي الروائي على الفيلم، خصوصا ان الجزء الاكبر من السيناريو يأتي على شكل سرد بصوت الممثلة التي تؤدي الشخصية المحورية. يروي الفيلم قصة ممثلة فرنسية تذهب إلى هيروشيما لتصوير فيلم عن السلام. وفي اليوم ما قبل الاخير للتصوير، تلتقي بمهندس ياباني وتقيم معه علاقة لليلة واحدة. هذا الرجل الغريب سوف يذكرها بحبيبها الجندي الالماني الذي قتل قبل نهاية الحرب. طوال تلك السنوات كانت تقمع ذاكرتها لتنسى مأساتها. لكنها الآن تبحث من جديد عن حب مستحيل، عن علاقة ممنوعة. كان كلاهما متزوجا، لكنهما اتحدا جسديا في تلك الليلة، وكان ذلك اللقاء الذي رفض الرجل قبول رحيلها من بعده، وأصر على البحث عنها في اليوم التالي، أشبه بعملية انتحار عاطفي. لم تكن العلاقة الجسدية بين هذين المجهولين وليدة الرغبة الجنسية فقط، بل هي جزء من عملية تدمير الذات، بسبب عدم التمكن من احتمال المأساة الماضية والذاكرة الناتجة عنها. فكلاهما ما زال يحمل آثار صدمة سوف تطفو على الوجه عند أقل حادث او لقاء يعطل عملية النسيان الارادية. وتمتزج الذاكرة الفردية بالذاكرة العامة عندما يحاول كل من العشيقين ان يعرف المزيد عن الآخر. هي تقول له في البداية: »لقد رأيت كل شيء في هيروشيما«، وهو ينفي: »لم تري شيئا في هيروشيما«. ويتكرر هذا الحوار على مشاهد عناق في السرير، ثم صور عن ضحايا هيروشيما. ويستمر هذا التنقل بين لغة الجسد والمشاهد الأرشيفية و»الفلاش باك« طيلة الفيلم. »أنت مصنوع على حجم جسدي... انت تلتهمني، تدمرني...« لغة التدمير هذه تدل ايضا على محاولة تحديد وجود الذات من خلال علاقتها بوجود الآخر، وهذه النزعة هي من الخطورة لدرجة اذا انتفى او اختفى معها هذا الآخر، تختفي ذات الشريك تلقائيا معه، اي تدمر ذاتها. من خلال الباب الذي تفتحه هذه العلاقة على الذاكرة، يتضح ان المرأة تحاول اسقاط شخصية الرجل الياباني على شخص حبيبها الالماني الذي مات، وتخاطبه احيانا كما لو انه الشخص نفسه. هي اذا تبحث عن حالة الحب وليس عن الحبيب. والبحث عن هذا الآخر هو من اجل مشاركته الألم والتعويض فيه عن الخسارة. الشخصيتان في »هيروشيما حبي« لا تحملان اسماء، وكأن ما يهم فقط هو ما عاشه كل منهما، وهذا ما يجعلهما لا ينتميان الى مكان او زمان عين، بل الى كل زمان ومكان. وهما ايضا منفصلان عن محيطهما، حتى عندما يخرجان الى اماكن عامة. هذه العزلة وجدت لتسطير فكرة ان الحب في هذه الحالة هو هروب مؤقت من الواقع، من عالم الوعي والعقل، ومن التذكر ايضا. رين متري * »هيروشيما حبي« (1959) اخراج ألان رينيه. فرنسي مترجم الى الانكليزية. يعرض غدا في السابعة مساء في مشغل سينما الخط المباشر، شارع سبيرز ملك يموت.