As Safir Logo
المصدر:

جورج قرم في «تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب» ماذا حدث من موزار إلى هتلر... وماذا حدث بعد ذلك؟

المؤلف: زعيتر هيفاء التاريخ: 2010-12-18 رقم العدد:11768

لبعض الكلمات سحر طاغ، ربما لقدرتها على تخطّي دلالتها المباشرة أو علّة وجودها الأولى لتصبح أكثر من مجرّد تسمية، وربما لقدرتها على تجسيد منظومة من المفاهيم والطروحات الفكرية التي تجعلها أقرب إلى الأسطورة. والأساطير كما عرفناها على مدى التاريخ تلعب «وظيفة جوهرية في أيّة حياة مجتمعية». فهي التي توجد الرابط الاجتماعي وتعمل دونما انقطاع على تعزيزه وتمتينه، وهي التي تعنى بتفسير الهوية في ظل حماية من القوى الخارقة التي تضفي القداسة على الأشياء. في هذه الهيكليّة الأسطورية، يُشرّح الدكتور جورج قرم كلمة «الغرب» التي تعدّت حيّزها الجغرافي والفلكي وباتت «أسطورة « قائمة بذاتها، تتشكّل من كتلة عملاقة من القيم والثقافات والمرتكزات التاريخية والدينية. في كتابه الجديد «تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب» الذي صدر مؤخّراً بنسخته المترجمة (ترجمة رلى ذبيان) عن دار الفارابي، بعد مرور سنة على صدوره باللغة الفرنسية، يواصل الكاتب ما كان قد بدأه في مؤلفه «شرق وغرب: الشرخ الأسطوري» الذي صدر في العام 2003 عن دار الساقي. ويستفيض في شرح الموقع «المثالي» الذي أوجده الغرب لنفسه، منذ عهد الأساطير الإغريقية، والتي تشكلت على أساسه نظرته للعالم. نظرة ملؤها النرجسية والتعالي، يرافقها شعور بالفوقيّة تجاه حضارات الشعوب الأخرى وتحديدا الشعوب العربية المقيمة في الشرق. يضع قرم تاريخ هذين القطبين، «هم غربيون» و«نحن شرقيون»، على طاولة التشريح، يقوم بجولة طويلة في تاريخ أوروبا وتاريخ الأفكار والأنظمة التي رافقت الاضطرابات والنزاعات والحروب التي عرفتها هذه القارة. ينجز عمله بعقلانية ومهنيّة بالغتين بعيداً عن الانفعالات والشعارات. ويؤكد ان ما كتبه جاء «لا كراهية بأوروبا ولا حباً وافتتاناً بها». وفي الكتاب دعوة واضحة إلى العرب للتخلي عن الأفكار المنمّطة، وبالتالي عن القوالب والمواقف الجاهزة التي توغل فيهم «الشعور بالتفوق الغربي»، والتي أوصلتهم إلى حد التخلّي عن ممارسة النقد أمام الطروحات التي كانت تقدمها الثقافات الأوروبية حول هيمنتها وتفوقها. بالإضافة إلى فضح الإفراغ الذي أخضعته أوروبا لتاريخها من أي أعمال عنفية او توترات أو حروب دينية بغية الارتقاء إلى مرتبة مقدسة، تصبح فيها المثال الذي لا نملك أمامه سوى الانبهار وتقديم فروض الطاعة. محاذراً في الوقت نفسه من الوقوع في فخ النظرية التي تصف الغرب بأنه مجرد قوة شر زرعت فساداً في العالم باستعمارها القارات الأخرى. يطرح قرم سؤالا كبيرا و«ساذجا « في فصل مهم من الكتاب بعنوان « من موزار إلى هتلر، ماذا حدث؟» فكيف ان حضارات القارة الأوروبية التي أنتجت الفن والأدب والموسيقى تحولت إلى العنف؟ كيف أضحى كل هذا الرقيّ عنفاً فتاكاً تجلّى في حروب أوروبا التي خاضتها في الداخل وفي الخارج؟ كيف تحولت العبقرية إلى وحشية؟ والغريب أن الاثنين لا يقلان «استثنائية» عن بعضهما البعض على حد قول قرم. انطلاقا مما تقدم يأتي الفصل السابع الذي نسلط الضوء عليه في هذا المقال ليقيّم أولاً، ثم يقوّم تالياً، ما ورثناه من صخب أوروبا وتوترها. وهذا ما سعى الكاتب لتوضيحه على مدى الفصول الستة السابقة، فأسهب في تفنيد دقائق المسار الأوروبي ومسار الصلات التي يقيمها بالعالم والعالم الثالث تحديداً بعيداً عن « الخطب السياسية الجوفاء على بلاغتها التي ينطق بها صنّاع القرار في أوروبا». لينتقل في الفصل الثامن إلى طرح العلاقة الغربية بالقطب الأميركي المهيمن ويتوغل في سطوته الثقافية والسياسية والعسكرية. ثلاث نقاط أساسية برزت في هذين الفصلين: الشرق الأوسط في قلب الصدام الجديد للقوى في العالم «العالم لم يشهد هذا الدفق من الأعمال العنفية في المنطقة الجغرافية نفسها منذ الحرب الكورية في العام 1950». واقع يحتم العودة بالتحليل إلى الوراء قليلا لفهم كنه الصدام الدائرة رحاه منذ سنوات على امتداد هذا الشرق. في ثنايا الفصل عودة بانورامية في تاريخ أوروبا لرصد « تأثيرها على «مسار» حضارة العالم وجغراسيته بعد العام 1945 ، وبعد جولة على ما مرت به أوروبا من تحولات أثناء صعود الاتحاد السوفياتي ثم انهياره وبعدها مع صعود الإيديولوجية النيوليبرالية الأنغلوساكسونية التي تبلورت من خلالها إيديولوجيا المحافظين الجدد وصولاً إلى»مرحلة الانبهار» بالولايات المتحدة. يشرح قرم كيف بدت أوروبا في هذه المرحلة «هادئة متعقلة، بيروقراطية متبرجزة، راضية عن نفسها وعن السلام الذي يسود بين أممها المستكينة. وقد سلّمت دفّة التاريخ للولايات المتحدة». حتى تولّت هذه الأخيرة، وبدون ان تواجه بأي رفض ودون عراقيل، زعامة الغرب وقيادته، سواء تعلّق الأمر بالعلاقات مع روسيا والصين، او بالصراع العربي - الاإسرائيلي أو العراقي - الإيراني...». أما الشرق الأوسط من جهته فقد غرق في مشكلة مزدوجة. «فمن جهة ادى تصدير الأفكار الأوروبية خارج أوروبا، كما وإدخال المنتجات الأوروبية والتقنيات والمعارف العلمية الى موجات تصادمية وتغييرات متنامية لدرجة انتجت معها فكراً استحوذ عليه الغرب وحضارته بشكل وسواسي». هذا الشرق عاش الصدام وما زال، حيث يشغل العنف حيّزاً لا يستهان به. في البداية، يصنّف الكاتب العنف إلى أنواع أهمها العنف العسكري الذي شهدته المنطقة من معارك جوية وعسكرية وحروب إسرائيلية وعربية. ويعيدنا إلى اتفاق السلام المنفرد الذي وقعته مصر مع اسرائيل واستحصلت من خلاله على انسحاب الجيش الاسرائيلي من سيناء، إلا انه كلفها مدة اثني عشر عاماً من الإقصاء عن الجامعة العربية. وقد شهدت تلك الفترة تطورا في الكفاح الفلسطيني المسلح دفع باسرائيل إلى شن هجوم دموي ووحشي على البلدان التي كانت تحضنه، لقي منه لبنان حصة بالغة. واجتياح الـ82 واحتلال اسرائيل لبيروت وجنوب لبنان يشهدان على الأمر، وهو ما أدى بحسب قرم إلى ولادة الحركات المقاومة، «حماس» في فلسطين و«حزب الله» في لبنان. جرت هذه التطورات في الوقت نفسه مع الحرب الطويلة والوحشية بين إيران والعراق . ومرة اخرى تدخلت أميركا بين الأطراف العربية مكرّسة موقعها كمسؤول عن المنطقة حيث هزم الجيش العراقي وحررت الكويت. وساقت أميركا بادعاءاتها حول إعادة تشكيل الشرق الأوسط و«دمقرطته». الأمر الآخر والذي لا يقل أهمية، والذي يسوقه قرم، هو تطور إيران وما تثيره من قلق لدى صنّاع القرار الأميركيين والأوروبيين. وقد شهد العام 2005 صعود الخطاب المعادي للامبريالية مع الرئيس أحمدي نجاد الذي تواكب مع خطاب مناهض للصهيونية يتهم «الغرب» بالتلاعب بأعداد المحرقة لتسويغ تأسيس دولة إسرائيل. ثم ينتقل قرم للحديث عن الدعم الإيراني لحزب الله وتأثيره المتنامي في المنطقة وفي موازين القوى. أما «الواقع الذي يكابده السكان الفلسطينيون في الأراضي المحتلة من قبل اسرائيل والقمع العنيف لانتفاضة العنصر الشاب الفلسطيني، وبناء جدار يفصل بين المستوطنات والقرى الفلسطينية... فكلها أمور لا تستثير أي تعاطف حقيقي لدى حكومة الولايات المتحدة الأميركية والحكومات الأوروبية...». من هنا جاء مشروع الإدارة الأميركية « المفتقر الى الوضوح» بإعادة تشكيل ما أسمته الشرق الأوسط الجديد. وهذا المنحى المعتمد في تصور الغرب للأمور « لا يظهر فقط الصدمة النفسية التي ولدها في المنطقة تأسيس دولة اسرائيل فقط ، إنما يجيز أيضا، غض النظر عن عواقب لا تقل دراماتيكية، اي الصدمات النفسية التي تسبب بها التاريخ الأوروبي نفسه، والتي لا تنعكس بالتالي في أوروبا، بل في الشرق الأوسط. ولا يهمل في طرحه كذلك البعد الديني الذي يتعاطى من خلاله الأميركيون والاوروبيون مع المسألة اليهودية، حيث يعتبرون هذا البعد دعوة معنوية ملحة و«واجب كل لحظة من الزمن» لا سيما لدى الإنجيليين الجدد . يطرح قرم سؤالاً مباشراً في البداية « أينبغي اليوم الاستمرار بتكرار التاريخ، أي الوقوع في الالتباس في إدراك ظواهر القوة التي ضبطت على الدوام إيقاع تاريخ البشرية بإيقاع ما تحمله الأنثروبولوجيا الدينية من اعتبارات تخيلية أكثر من واقعية لارتكازها على صور نمطية وأحكام مسبقة؟». لقد كوّن الغربيون في وقت مبكر من تاريخنا، صورة ذهنية ثابتة للإنسان الشرقي والعربي وللمسلم تحديداً، حيث انفردت الثقافات الأوروبية بالمسيحية باعتبارها «تاريخاً أوروبيا حصرياً متجاهلة الشرق المسيحي والتطور الذي أرسته المسيحية في الشرق». من هنا يسأل «كيف السبيل إلى شرح كيف لا يلقى الإسلام اعتراف الديانتين التوحيديتين الأخريين في اوروبا لا بل أن يُقصى بطريقة لاذعة كأنه ابن غير شرعي ومنحرف، يستحيل الاعتراف به، وتبنّيه في العائلة التوحيدية؟»، علما أن القرآن، كما يسوّغ قرم حديثه، يتضمّن» دعوة إلى المصالحة والوفاق في إطار الاحترام المتوجب لابراهيم الخليل المشترك بين الديانات التوحيدية الثلاث». ويستغرب كيف ان «الحضارات الأوروبية التي كانت تتميّز، منذ القرون الوسطى وحتى عصر التنوير، بالفضوليّة الفكريّة والثقافيّة والتي كانت مصدراً جوهرياً لدينامية الفكر والإبداع أصيبت بمرض توحّد خطير طال فلسفتها وثقافتها في آن». ويتعمق قرم في الشرح ليظهر كيف اتبعت أوروبا النموذج الهيغلي الذي يعتبر أن الديانة المسيحية هي الديانة المطلقة بامتياز» وهي التي تتضمن الحقيقة المطلقة. أما السقطة الكبرى فكانت حسب قرم، «عندما هوت أوروبا بهذا التوحد لتقع في أحضان فلسفة المحافظين الجدد». انطلاقا ممّا سبق يمكن ان نستنتج أن مقولة « الغرب» تفترض بقاء الآخر نقيضاً دائماً، حتى تتعزز هويته المميّزة. أي انها بحاجة إلى قطبها السالب أي الشرق المختلف. فهذه المقولة التي تجسد مفاهيم « سامية» كالحداثة والمساواة وتحرّر المرأة لا بد من ان تقابله مفاهيم نقيضة ديكتاتورية ومتخلفة تحافظ للغرب على رونقه وتغطي على ما عاشه هذا الأخير من نزاعات وحروب واضطهادات دينية.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة