As Safir Logo
المصدر:

أي دوائر انتخابية عناها صفير في إشارته لنواب »تعقيب المعاملات والأعراس والمآتم«؟ مواجهة الحص لمؤيدي تقسيم المحافظات في مجلس الوزراء ممكنة بالاستقالة

المؤلف: زين احمد التاريخ: 1999-12-08 رقم العدد:8471

حملت نهاية الأسبوع الماضي في نظر بعض المراقبين موقفين لعلهما الأهم في كل ما اثير حتى اليوم على هامش الحوارات الدائرة حول قانون الانتخابات النيابية. الموقف الأول دستوري وتمثل في مضمون تصريح رئيس الحكومة الدكتور سليم الحص حول دوره كرئيس لمجلس الوزراء في توقيع مشروع قانون أقره المجلس رغم معارضته. أما الموقف الثاني فيتعلق بقانون الانتخاب مباشرة وتمثل بما اعلنه البطريرك الماروني نصر الله صفير حول دور النائب. وهو أمر يرتبط بتقسيم الدوائر الانتخابية بشكل وثيق. على الصعيد الأول لا يمكن الا القول بأن الرئيس الحص كان في غاية الحرص على التمسك بالدستور وأصول النظام البرلماني الديموقراطي عندما اعتبر امتناعه عن توقيع مرسوم احالة أي مشروع على مجلس النواب فيما لو أقره مجلس الوزراء »هرطقة دستورية«. وبهذا يكون الرئيس الحص قد حسم بعض ما أثير سابقا حول هذه المسألة واستبق بعض ما يمكن ان يثار حول موقفه من مشروع قانون الانتخاب إذا ما قرر مجلس الوزراء مشروعا يتعارض مع رأيه في بعض الاحكام. وفي هذا سابقة لا بد من ان تعزز دور المؤسسات الدستورية وتسقط بعض الانتقادات التي يواجهها الدستور منذ تعديله لما نصت عليه وثيقة الوفاق الوطني. ولكن إذا كانت النصوص وأصول النظام لا يفسحان في المجال لرئيس الحكومة مصادرة مشروع اقره مجلس الوزراء رغم معارضته فإن النصوص والأصول نفسها تلزم رئيس الحكومة باتخاذ موقف يؤكد به جدية معارضة المشروع. فمن حيث النص يعتبر رئيس مجلس الوزراء الممثل الوحيد للحكومة والمسؤول عن تنفيذ السياسة العامة التي يطرحها امام مجلس النواب، وهذه السياسة لجهة ما يتعلق بقانون الانتخاب تحددت في البيان الوزاري للحكومة، الذي اعتبر القانون »منطلقا لمسيرة الاصلاح السياسي وتفعيل العملية الديموقراطية« وأكد »التزام وثيقة الوفاق الوطني نصا وروحا..«. ووفق هذا لا يمكن القول بأن تباين وجهات النظر بين رئيس مجلس الوزراء وأكثرية اعضاء هذا المجلس مسألة عادية بعد ان اكد الجميع الالتزام بمضمون البيان الوزاري. فالتباين هنا يفترض بالضرورة أمرين: أولا: اما ان يكون رئيس مجلس الوزراء قد طالب بقانون انتخاب لا ترى فيه أكثرية مجلس الوزراء انه سيكون منطلقا لمسيرة الاصلاح السياسي واما ان يكون ما رأته الأكثرية في نظر الرئيس الحص غير صالح ليكون منطلقا لمسيرة الاصلاح المذكور. ثانيا: اما ان تكون أكثرية مجلس الوزراء لم تلتزم وثيقة الوفاق، كون قانون الانتخاب قد ورد في بنودها وفق مواصفات محددة، واما ان يكون رئيس مجلس الوزراء مشروعه هو المتهم بمثل هذا »العدم التزام« بالوثيقة. وبهذا المعنى فان التباين الذي يمكن ان يحصل بين رئيس مجلس الوزراء وأكثرية اعضاء المجلس لا يمكن حله ب»ديموقراطية« عن التصويت لأن ديموقراطية النص لا يمكن ان تكون صحيحة بمعزل عن كل ما عداها وتحديدا عن احترام النصوص الأخرى، ولذلك فان خضوع رئيس مجلس الوزراء للأكثرية في مسألة يرى انها تخالف الاحكام التي لها قوة الدستور، لا تعبر عن موقف ديموقراطي إذا ما كان هناك اقتناع بالمخالفة. ففي مثل هذه الحالة تفرض الديموقراطية مواجهة الذين يغتالونها بالاستقالة لإقالتهم. وهذا اجراء أقرته الديموقراطية لحماية نفسها من ضغط الأكثريات خصوصا في عصر لم يعد يعترف عمليا بالمساواة بين صوت »بهلول خادم هارون الرشيد وصوت سيده«. أما على مستوى الممارسة وأصول النظام فتبدو المسألة أكثر وضوحا. فالرئيس الحص كان وما زال يرأس »ندوة العمل الوطني«. وقد اصدرت هذه الندوة أكثر من بيان طالبت فيه بصيغة لقانون الانتخاب تعتمد »المحافظات التاريخية« دوائر انتخابية. والرئيس الحص، كأي رئيس آخر يأتي الى الحكم لتنفيذ سياسة »حزبه« والا فهو ليس بحاجة الى »وظيفة«. وبهذا المعنى إذا كان رئيس الحكومة لا يستطيع تنفيذ سياسته بقانون يعتبره »ركيزة« الاصلاح السياسي كما أكد أكثر من مرة فان استمراره في الحكم يصبح عالة عليه لأنه إذا لم ينفذ تطلعاته ويدافع عنها بقوة وهو في الحكم فمتى ينفذ هذه التطلعات وتلك السياسة؟ وفي التاريخ الحديث رؤساء ووزراء عديدون تركوا الكراسي غير عابئين عندما خذلتهم مؤسستهم او مجلس النواب او الشعب تجاه رغبتهم في تنفيذ سياسة ما، مفضلين ان يتحمل غيرهم وزر ما يمكن ان ينتج في نظرهم من مساوئ لعدم اقرار ما يرونه مناسبا. أما ما استوقف المراقبين في حديث البطريرك صفير تشخيصه الدقيق للعوامل المؤثرة سلبا في التمثيل النيابي عندما اعتبر ان الحقوق الدستورية لا تنحصر »في اختيار من يعتقد انه يؤمن له خدمات شخصية بل خدمات وطنية تشمل جميع المواطنين«. وقوله »متى طغت المصلحة الشخصية لدى المنتخب فاختار بالأولوية من يكون الى جانبه فقط في المناسبات الاجتماعية من مآتم وأعراس ومن امسكه بيده فطاف به على الدوائر الحكومية لتسوية مخالفة او إزالة تعد، انحدر التمثيل النيابي الى مستوى يعطله وأصبح غير ذي فائدة بل مضرا بالمصلحة العامة«. ان هذا التشخيص الذي قدمه البطريرك الماروني صحيح بشهادة الجميع. ولكن السؤال الذي يمكن ان يطرحه هو الآتي: كيف تمكن المراهنة على قانون انتخاب يحقق صورة التمثيل النيابي الصحيح كما رآه البطريرك؟ مما لا شك فيه ان الاجابة عن السؤال يمكن ان تجيب عن التباينات الدائرة حول تقسيم الدوائر الانتخابية. فالدائرة الصغرى وحدها التي تفرز نوابا يقتصر »برنامجهم الانتخابي« ووصولهم الى مجلس النواب على حضور »المآتم والأعراس« او على الإمساك باليد لتعقيب معاملات المفاتيح الانتخابية في الدوائر الرسمية. اما الدائرة الكبرى فلا يمكن ان تفرز مثل هؤلاء النواب لأن المرشح لو شارك في عشرة اعراس ومآتم في كل يوم فان مدة ولايته لأربع سنوات لن توفر له ما يصل الى خمسة عشر ألف صوت. ومن هنا تتبين القاعدة الاساسية لتحديث مفهوم التمثيل النيابي التي يمكن اختصارها بأنه كلما صغرت الدائرة كلما انتجت الانتخابات نواب »اعراس ومآتم« وكلما كبرت الدائرة كلما توافرت للحياة النيابية بعض معالم الأسس الصحيحة التي تقوم عليها. لذلك يرى المراقبون ان البطريرك صفير، وربما بحكم موقعه الروحي، لم يقل صراحة رأيه بما يدور حول تقسيم الدوائر الانتخابية فعمد للتذكير بالنتائج التي ينتهي اليها هذا الشكل من التقسيمات او ذاك موحيا بذلك للوزراء لأن لا يقدموا على ما يمكن ان يضع الرئيس الحص امام أمرين احلاهما مرّ. أحمد زين

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة