في هذا الزمن الرديء الملوث بالانهزامية والذي طغى فيه حب المال والمظاهر، تأتي مذكرات الحاج أمين الحسيني مفتي فلسطين، لتؤكد القيم الوطنية والاخلاقية التي يجب ان يتحلى بها من يتصدى للقضايا الوطنية التاريخية الكبرى كقضية فلسطين، ولتكرر ان الأوطان لا تباع، وان الكفاح لا يتوقف، وان التاريخ دول، وان الصبر والصمود أمام الاخطار هما أهم واجبات كل شعب وقائد. الحاج أمين الحسيني كان مالئ الدنيا وشاغل الناس لأكثر من خمسين عاما، وقد كتب قسما كبيرا من مذكراته اثناء حياته، وقد تم اعدادها للنشر خلال الاشهر الاخيرة، بإشراف عبد الكريم عمر وطلال ناجي، وفاء للراحل الكبير، لمناسبة مرور ربع قرن على وفاته. يتصدر المذكرات هذا الميثاق والعهد من المفتي الراحل: »لقد قضيت عمري كله في خدمة قضية هذه البلاد المقدسة، وكنت خلالها عرضة لمختلف وسائل الاغراء والترغيب حينا، والتهديد والارهاب احيانا. وفي سبيل خيرها وصالح الشعب العربي تحملت مضطرا عناء السير في الدروب الشاقة الوعرة، كما تحملت شقاء الحياة في أشد الظروف خطرا ورهبة، وحملت واخواني المجاهدين امانة هذه القضية بكل ما انطوت عليه ضمائرنا من صدق وإخلاص وروح فداء. »وليس من خلقي، ولا في امكاني، ان أفرّط في هذه الامانة، واسلمها للذين يريدون ان يضيّعوها ويبيعوها رخيصة للاعداء، ولا ان اتنكر لتلك الصفوة المختارة من الشهداء الابرار الذين جادوا بأرواحهم الطاهرة، وأراقوا دماءهم الزكية على أرض فلسطين المقدسة. تروي المذكرات الكثير من الاحداث وعن القيادات العربية والاسلامية والفلسطينية، وعن مشاريع التصفية المتعددة، كما تروي مطاردة الانكليز واليهود للمفتي من القدس الى بيروت الى بغداد، حيث ساهم في ثورة رشيد عالي الكيلاني، ثم انتقاله الى إيران بعد فشلها، وفيها طاردته القوات الانكليزية حتى طهران، حتى ان اذاعتها اعلنت محاصرته وقرب اعتقاله، في حين كان المفتي يتوجه وحيدا بالقطار عبر الخطوط الحربية السوفياتية الى تركيا ثم بلغاريا وايطاليا والمانيا، متجاوزا الكثير من الاخطار التي أحدقت به. في المانيا، خلال الحرب العالمية الثانية، بدأ الحاج أمين مرحلة جديدة من الكفاح ضد الاستعمار البريطاني والصهيونية العالمية، ولصالح استقلال وتحرر جميع الدول العربية في آسيا وافريقيا. وبسقوط المحور اضطر سماحته الى مغادرة المانيا الى سويسرا ثم فرنسا حيث احتجز تحت الحماية الامنية، وخاصة بسبب تصاعد النباح الاستعماري الصهيوني المطالب بتقديمه للمحاكمة كمجرم حرب. ومع تطورات القضية الفلسطينية بعد الحرب العالمية، رتب المفتي من جديد وبطريقة سرّية انتقاله الى مصر حيث فاجأ الجميع بوصوله الى القاهرة لاستئناف الجهاد من أجل وطنه في مرحلة جديدة تخللها إعلان دولة العدو والهجرة الفلسطينية وثورة عبد الناصر، ثم انتقال المفتي الى لبنان من جديد، حيث عاش بقية حياته حتى توفي سنة 1974 ووري الثرى في مقبرة الشهداء في بيروت. حياة زاخرة بالقيم والمبادئ والاخلاق والتضحية، وبالمغامرات وإنكار الذات ومواجهة التحديات، مما يصلح لأن ينظم عنها مسلسل تلفزيوني لمنتج قادر ولمخرج وطني. صدور المذكرات في هذا الوقت عن دار (الاهالي) بدمشق عمل وطني، يرحب به كل من يهتم بالسياسة والتاريخ وبقضية فلسطين وأخطار الاعداء، وكل من يقدر قيمة الرجال الرجال، الذين ما فرطوا بحق من حقوق وطنهم وشعبهم، وما تنازلوا عن ذرة تراب من وطن الآباء والاجداد. حسن أبو رقبة