As Safir Logo
المصدر:

فصلك ولونك وهواياتك كما يعرضها محمد العشري وسعدية مفرّح وهيام الفرشيتي ومحمد أبو زيد تناقض الفصول يقود إلى التطرف والطيران فوق الماء يخفف الآلام

لوحة لجيرار افيديسيان
المؤلف: جابر عناية التاريخ: 2010-11-24 رقم العدد:11749

أسئلة بسيطة، ساذجة تبدو، لكنها في الحقيقة المدخل الوحيد الممكن الى عالم الكاتب (ة). أسئلة بسيطة لكنها تفصح عن دواخل، والإفصاح يكشف هوية الكاتب من خلال، ليس ما يقرأ او يحب من الكتّاب، او الى أي مدرسة أدبية ينتمي، بل من خلال علاقته مع الكون، تفاعله مع الطبيعة، ورغباته التي هي دائماً غامضة بشكل رومانسي. أسئلة عادية الى حد، لكنها التوقيع الواضح للكاتب، معها لا يعود متخفياً خلف كتابته، مجهول الهوية الإنسانية. السؤال عن أي الفصول احب إليك؟ وأي الألوان تجذبك أكثر؟ وما هي هواياتك؟ لكنها تواقيع للكاتب وكشف له، يستطيع القارئ بمقتضى الاجوبة التعرف أكثر على هذا الكاتب وتلك، الشاعر وذاك إذ لا وجود للكتابة بوصفها فعلاً احترافياً منجزاً من دون اية علاقة بصاحبها، اهتماماته وتعلّقه العاطفي بما يحوطه، بوجوده وبأشياء هذا الوجود وبدائرة الحياة المقدسة بما هي فاتنة وجميلة في تعاقب فصولها، وفي توهج ألوانها، وفي استجابتنا الذاتية لفتنتها وألوانها. أسئلة بسيطة نكررها، لكن الاجابة، عمقها وتأثيرها وفتحها على عوالم خفية للكاتب، هي التي تحدد أهميتها، خصوصاً، الاستدعاء الذي يلجأ إليه الكاتب او الكاتبة، لمخابئ سرية في النفس، وجدت مفاتيحها في أسئلة بسيطة. عن الفصل المفضل لديك؟ وعن لونك المفضل، وهواياتك، كانت لنا هذه الاجابات من الروائي المصري محمد العشري، والشاعرة الكويتية سعدية مفرح، والقاصة والكاتبة التونسية هيام الفرشيشي، والشاعر المصري محمد أبو زيد. الربيع الروائي المصري محمد العشري يعلن حبّه لفصل الربيع. الربيع بالنسبة له فتنة كاملة، حين تبدأ الألوان في التوهج، والطبيعة في مغازلة نفسها، وكشف مباهجها ومفاتنها. في الربيع ـ يقول العشري ـ يملأ الدفء الخلايا، ويتسرب في القلب، يحركه الى نوع من العشق الخيالي، ويدفعه الى التفتح والغناء. حال ذلك العشق، الذي يتلبس الطبيعة والكائنات يؤثر بالموجب في روحي، ويغذيها. ومع تلك الأيام الوارفة يخف الإحساس بالتقلبات الداخلية والخارجية. الربيع عند العشري، يهدئ الهورمونات الجسدية والنفسية، ويجعل المزاج معتدلاً. ذلك حب مستتر، وإن خلا المناخ من استمرار أيام الربيع ليتم أشهره المعروفة. شغف الكاتب محمد العشري بالربيع، يلاقي صداه عند الكاتبة والقاصة التونسية هيام الفرشيشي، فالربيع هو الفصل الذي يشدّها ويتناسب مع حالتها المزاجية. في فصل الربيع تتكشف طاقات الكتابة عند الفرشيشي وتشعر بأن كل الكائنات تتشكل فيه من جديد، وأن الأشجار تتلون وتنبعث روائح الزهر، وأن الريشة التي ترسم لوحات الجمال تبدع بحرفية لا متناهية. وبذلك لم يعد فصل الخريف الذي كانت تحبل فيه المعاني، يغريها كثيراً، لتعي الكاتبة أخيراً انها تجاوزت حالة تقلب المزاج المرتبطة بالكتابة، ولتعترف بشكل نهائي ان انجذابها الى اللون والفصل متغيّر وغير ثابت. الشاعرة والصحافية الكويتية سعدية مفرح لا فصل محددا تميل إليه بين الفصول. تقول مفرح: «لا فصل محددا لي. في الكويت، حيث عشت فصول عمري كلها، هناك صيف طويل وساخن جداً، وشتاء قصير وبارد جداً، وتمر بينهما أيام معدودات يمكن ان يكون الجو فيها معتدلا الى حد كبير، فلا خيار امامي إذاً إلا ان أراوح بين المتناقضين برداً وحراً، شتاء وضيفاً، رغم انني قد جئت الى هذا العالم في اول يوم من فصل الربيع وفقاً للتقويم المعتاد، أي في الحادي والعشرين من مارس/ آذار، الا انني لا اشعر بخصوصية هذا اليوم إلا بما ارتبط به لاحقا من مناسبات اتخذت من رمزيته بين أيام التقويم موعداً لها. التناقض الذي يعيشه الطقس الكويتي ـ تكمل مفرح ـ بامتياز ينسحب على كل شيء فيها وفي أنا أيضا. فأعيش ذلك التناقض الى حد التطرف في عواطفي وكتاباتي وألواني أيضا. الألوان الربيع الذي يتفق على حبه العشري والفرشيشي، والتناقض الذي ينهش رغبة مفرح بين شتاء صيف، يأتي إثرهما الشاعر المصري محمد أبو زيد، معلنا ولاءه التام للشتاء. أحب الشتاء ـ يقول أبو زيد ـ «توحي لي السماء الغائمة ولسعة البرد الخفيفة، ووقوفي وحيداً في البرد انتظر الباص بالشجن. الشتاء يعني لي عشرات التفاصيل الصغيرة التي أحبها: المطر الذي ينقر زجاج السيارة، الأولاد الذين يتقافزون فرحاً بالمطر، والشيوخ الذين يختبئون تحت البلكونات وقد غطوا رؤوسهم بالصحف، لعبنا الكرة صغاراً تحت المطر وعودتنا مبتلين الى منازلنا، الشوارع المغطاة بالوحل وتقافزنا فوق الحجارة حتى لا نبتل، مساحات السيارة التي تروح وتجيء كامرأة حزينة تندب، الشبورة التي تغطي كل شيء منفتح أفواهنا وننفث البخار. في الشتاء ـ يضيف أبو زيد ـ أدندن مع منير وأنا عائد الى منزلي ويدي في جيبي تحت المطر: «برّه الشبابيك غيوم/ برّه الشبابيك مطر/ مالي خايف كده/ وحاسس بالخطر/. في الشتاء كتبت: «احيانا انفخ في زجاج المترو، حتى يجيء البخار، فأكتب اسمي واسم قريتي بحروف منمنمة صغيرة ترتجف من الصقيع. الشتاء بالنسبة لي فصل كتابة، الشتاء يوحي لي بالحزن والحزن يغريني بالكتابة، والكتابة تدفعني لتأمل الشتاء. بالنسبة للألوان وتفضيل احدها على آخر، تقول الكاتبة التونسية هيام الفرشيشي ان التحدث عن اختيار فصل تحبه او لون تفضله يشعرها ببعض الإرباك: «ذلك ان اختيار اللون غالبا ما يمحو بانوراما من الألوان التي تتجسد داخل لوحة النفس. فأغلب الألوان قريبة الى نفسي. واختيار اللون يرتبط بحالتي النفسية، وبالفصل الذي نعيشه. بطبعي اميل الى الألوان ذات الدرجات الحادة مثل الأحمر والأسود إذا كنت اعيش حالة تحد او مواجهة، ولكن مع تقدم العمر بدأت تلك الألوان تختفي، ليعوّض الأبيض الأسود والسماوي الأحمر، وصرت اميل الى الألوان الهادئة حيث اكتشفت فيها الصور الناصعة التي تردني وتشدني الى طفولتي وألوان الأرض والسماء والورد. الفرشيشي ترى ان اللون يعبّر عن مزاجها وعن حالتها النفسية، حتى ان تعابير وجهها تكتسي بتعابير اللون. وهي هنا تسرد واقعة على سبيل المثال: «لقد غيّرت صورة لي على البروفايل في الفايسبوك، وبتغير ألوان الملابس قيل لي ان الصورة القديمة تعبّر عن روح التحدي والثورة والسخرية، ولكن الصورة الجديدة هادئة وتدل على شخصية مستقرة رغم محافظتي على ما يشي بأنني لم افقد تلك الروح الثائرة التي تأبى الإذعان الى ما يخرج عن الذات الفردية. ولكنني خمنت ان اختياري للألوان الجديدة قد يكشف عن رسم صورة خادعة لملامحي واختياراتي... في نهاية الأمر، ورغم تقلب اختياراتي ما زالت الألوان الحادة تشدني ولكنني اتخفى وراء صور الطبيعة الهادئة التي لا تصمد كثيراً امام كتاباتي التي تتسم بالنقد اللاذع كلما سنحت الفرصة، وإن غطي ذلك النقد بالاستعارات والصور أحيانا. الشاعر محمد أبو زيد لا يعرف كيف تميّز النساء الألوان الهجينة: الفزدقي، والبحلقي، والسيموني، والفيروزي، الى ما هنالك من اسماء محلية للألوان. أبو زيد في طفولته لم يحب يوماً في حصة الرسم، علبة الألوان المكونة من اثني عشر لوناً، كان يفضل العلبة الصغيرة ذات الألوان الستة الصريحة، واللون الوحيد الذي كسر هذه القاعدة كان الأزرق، فهو يرتاح الى درجاته ابتداء من النيلي حتى السماوي، غير هذا لا يعرف شيئا عن الألوان. الأبيض، هو اللون المفضل لمحمد العشري: «أحب الأبيض لأنه جبار، يمزج كل الألوان في داخله، ويمحو تأثيرها ليظهر وحده بلا منازع. هكذا أراه حين يتحلل الى أطيافه المشعة في قوس قزح في السماء، حينها أدرك ان الكون بدأ باللون الأبيض، وهكذا سينتهي». سعدية مفرح تحب اللون الأسود، وتتخذه لوناً لكل ملابسها تقريبا، يساعدها في ذلك انه اللون الوحيد للعباءة التقليدية في الخليج، والتي تعتمدها مفرح في لباسها الرسمي بشكل عام، لكنها في المقابل، تختار الأبيض لوناً لكل الاشياء الاخرى في حياتها تقريباً، فكأن مفرح تعيش ذلك التناقض اللوني وفيه تتحقق، ليس على صعيد الملابس ، بل على صعيد الحياة كلها. هوايات الأمر عند مفرح، ينسحب بشكل او بآخر على الهوايات عندها: «لا احب ان انظر للشعر على انه هواية، فهو بالنسبة لي أسلوب حياة، والأمر طبعا ينطبق على الكتابة كلها بما فيها الكتابة الصحفية، فيتبقى لي والأمر كذلك، هوايات كثيرة بعضها تقليدي كالرسم والتلوين وسماع الموسيقى وصناعة الأشياء الصغيرة من المهملات ـ أي اعادة تدوير لكثير مما يتوفر بين يدي من الأشياء. ومن اغرب هواياتي جمع القصاصات الطولية الصغيرة التي تستخدم كعلامات للقراءة في الكتب، وفي الآونة الأخيرة اكتشفت ان بعض دور النشر تنتج مجموعات جميلة وغير تقليدية منها، وصار أصدقائي يأتون لي من أسفارهم البعيدة بكل ما هو جديد وغريب منها. أجمعها فقط لكنني لا استعملها في قراءاتي. أما الخياطة فقد ورثتها من والدتي الراحلة رحمها الله كمهنة، وانتهى بها الأمر لدى هواية أمارسها أحيانا فأشم رائحة والدتي بين طيات الثياب، ويكاد عطر دهن الورد، عطرها المفضل، يغرقني بجبروته الحنون، فأطوي الثياب على امل ان اكمل الخياطة في وقت ربما لا يجيء». محمد أبو زيد يهوى التصوير، ويعتبر الصورة فناً مكملاً، بل أساسياً، ليس في الصحافة فقط، بل اصبح إبداعاً منفصلاً. يكمل أبو زيد: «آه من تلك الصور التي تستطيع استحضار أرواح الذين رحلوا، تجعلنا نجلس أمامها نمسح دموعاً ونحن نحادثهم، وهم «يبصون» علينا ولا يعلقون. محمد العشري، اضافة الى الكتابة والرسم، بدأ مؤخراً في تعلّم السباحة «على كبَرَ»: «آخذ دروسا في السباحة مرتين أسبوعياً، وهي فرصة جيدة لدفع الجسم للحركة واكتساب المرونة، خاصة بعد فترات الجلوس الطويلة امام المكتب وجهاز الكومبيوتر، سواء في العمل، او في البيت. ادركت منذ البداية انه ليس سهلاً البدء في تعلم السباحة في ذلك العمر، ولكن الرغبة في اكتساب نفس طويل، والتحلي بصمت اطول في التأمل، مع ذلك الاحساس الخيالي بالطفو فوق سطح الماء، والطيران، وإن في فضاء محدود. كل ذلك يجعل الأمر هيناً، خاصة مع نوبات الاختناق المباغتة تحت الماء اثناء التدريبات».

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة