As Safir Logo
المصدر:

القــراءة «الريفيــة» للأدب اللبنانــي

المؤلف: بيضون عباس التاريخ: 2010-11-05 رقم العدد:11736

يؤرخ البعض للأدب والفن في لبنان بالريف والمدينة. يقال في الفن الرحباني انه منفعل بالريف، ويقال في شعر أبو شبكة ان فيه مرحلة ريفية. ويقال في شعر المهجريين انه حنين إلى الريف اللبناني. أما الذي يفوت أحيانا فهو أن في الفن الرحباني نوستالجيا ريفية والحنين إنما يكون إلى مكان مفارق ولا يكون إلا بنوع من المفارقة. يفوتهم أن أبو شبكة كتب شعراً بودليريا وأن سعيد عقل نظم شعراً فسيفسائياً سيمتريا مصفى الإيقاع والصوت وأن مثل هذا الشعر مصنوع محسوب وأن فيه لذلك مسحة كلاسيكية وتدبيرا عقلانياً لا يستقيمان مع الفولكلور الريفي. بيد أن في شعر عقل انتخاء فروسياً وانتساباً عرقياً لا يستقيمان إلا مع البداوة. ثم اننا نجد في كثير من الشعر المهجري نوستالجيا لاهفة لا نخطئ إذا رددناها إلى المقدمات الطللية، بل اننا على النحو ذاته نجد في بداية «أنشودة المطر» لبدر شاكر السياب: عيناك غابتا نخيل ساعة السحر أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر هذه المقدمة هي المقدمة الغزلية الشائعة في القصيدة الجاهلية وان باستعارات معاصرة. إذا كانت «المفكرة الريفية» لأمين نخله قاموساً ريفيا أو انطولوجيا ريفية فإن اللغة البرناسيه المرصعة للمفكرة والتفنن البلاغي والايقاعي الذي قامت عليه أبعد ما يكون عن الموال الريفي والحداء الريفي اللذين لا يصلان إلى هذه الدرجة من استقلال اللغة وصناعتها الموسيقية. لو طلبنا لغة الريف لوجدناها في كتب مارون عبود لكن أدب عبود الثري بالصور والكتابات وحتى الإيقاعات الريفية هو أدب لا يمانع السخرية من الريف بل يبدو انه يضمرها ويتعمدها. محاكمة الحياة الريفية عند مارون عبود هي محاكمة الأصول اللبنانية. وعلى كل حال فإن مارون عبود يرشق نظام القيم الريفي بضحكاته المجلجلة، فالتراث الريفي والايديولوجيا الريفية موضع مداعبته وأحياناً نقمته. هكذا أصاب الكنيسة والاقطاع والغيبيات والخرافات منه رشاش كثير. رواية كـ«الأمير الأحمر» هي بحق ازدراء بكل الأسطورة اللبنانية. لا نظن أن أدب جبران يندرج في ريفياتنا فالواضح أن هذا الأدب ساخط على كل الموروث الريفي وكل التقاليد الريفية. كيف يكون الأدب ريفياً إذا لم يكن مديحاً للريف بمجتمعه العائلي وتراتبه الراسخ وخيالاته الخرافية والغيبية وتضامنه العصبي وجمعيته التي لا إفراد فيها. هكذا فعل شارل مالك الذي وجد أن البيت اللبناني مستمد من التقليد العائلي الريفي. لكن في هذا الكلام نوعاً من الأدلجة المحافظة والرجعية ولا يدخل في أي حال في ريفياتنا التي يفترض فيها أن لا تكون في هذا المستوى من الأدلجة والوعي الايديولوجي. لم تكن المفكرة الريفية زجلاً. هي نقيض الزجل وكانت فريدة بحيث لم تتكرر ولم تغدُ نوعاً أدبياً. لقد جاءت في وقتها. أي الوقت الذي احتاج فيه الريف إلى نوع من التلخيص والترميز والفرز وهذا ما تحتاج اليه الأشياء إذا استوت كاملة تامة أو تهددت بالضياع والتفرق. أي ان أمين نخلة كان يصنع لريف متداع متحفاً، في حين أن مارون عبود كان يشيعه بالضحكات الساخرة ويرى من قريب مفارقاته واختلالاته. كان لبنان لدى شعراء المهجر ريفاً. كان أبو ماضي والشاعر القروي وشفيق المعلوف يتطلعون من نيويورك وساو باولو، من المدن العظيمة الحديثة إلى قرى لبنان المعلّقة، إلى سماواتها المنجّمة وجلولها المتدرجة وفسيفسائها المخضرّة، ليروا فيها ظلال طفولتهم ومرابعها الصغيرة. كأن هذا الشوق انتكاس إلى عمر ذاهب. الزجل فن ريفي بلا جدال. انه معرض لثراء العاميات الريفية بالصور والكنايات والأمثلة والمأثورات وجميعها تحمل رؤى وأفكاراً تتصل بالتضامن العائلي والبلدي والحداء البطولي والنخوة والكرم، لكن الزجل هو أيضاً تمرين على السداد المنطقي وفن المناظرة وهما يتخذان من الجدال والمحاججة ساحة مطالبة وسفسطة وانقسام على الشيء وضده، إذ يجوز أن يتحيز واحد للفن وآخر للفقر، أو أن يتحيز مناظر للشجاعة وخصمه للجبن، فالزجل تمرين مزدوج على التضامن العصبوي والانقسام على غير طائل كما هي الانقسامات الريفية. الزجل مباراة بداهة وارتجال لكنه أيضا مغالبة يكون فيها الشاعر لسان عائلته أو قومه أو بلده أو طائفته، أو بلاده. والرجل يكون في تمامه وكامل أهبته حين تدور المناظرة بين اثنين من طائفتين أو منطقتين أو شعبين. إذ ذاك تستمد المناظرة زيتها وحبرها من عصبيات قائمة. لكن يبدو أن أي نظم أو تأليف بالعامية محكوم بهذه الظرفية التي ترد النص إلى عصبيات ونظام قيم ودواع خارجية. من هنا اتجه «شعر» العامية إلى تحرير الشعر مما يعلق بالزجل. لا نستطيع لذلك أن نصنّف هذا الشعر في ريف او مدينة. فشعر ميشال طراد وسعيد عقل العامي هو شعر قبل أي شيء، شعر يتملص من الاحتباس في المناسبة الحديثة او الاجتماعية او الخارجية والقسمة السوسيولوجية. أي انه امتاز عن الزجل وافترق عنه وجعل هذا الافتراق نصب عينه وجعل همه فيه. أي ان «شعر» العامية اجتهد كي لا يكون جزءا من الموروث الريفي، بل عارض الزجل أي النظم الريفي بالشعر فلم يعتبر الزجل أدباً بالأساس. هل يكفي موضوع الريف لرد الأدب إلى الريف أم ان المسألة تتعلق باللغة والرؤية. بدأت الروايات العربية في كل مكان بالريف. كان الريف وحده آنذاك يملك قدراً من التشكيل الاجتماعي والثقافي، أما المدن التي لم تكن تشكلت تماما بعد فقد امتازت بعشوائية سديم اجتماعي وافتقار إلى لغة وثقافة. الريف وحده كان يملك ما سميناه في ما بعد تاريخاً. انه أيضا الأرض والأصل. لذا وجدنا فيه التاريخ الذي يمكن تعميمه واطلاقه على الأمة والوطن، عنوان رواية الشرقاوي «الأرض» مثلا معبّر ولم يكن هذا العنوان لولا أن الكاتب كان يستعير روايته لمصر كلها. كان الباحثون عن الهوية والشخصية القومية او الوطنية يجدونها حتى ذلك الحين في الريف، هناك يجدون روح الشعب وروح البلد، لذا لم تكن الرواية الريفية في بواكير الرواية سوى كتابات عن الهوية الوطنية والحراك القومي، سوى تاريخ رمزي للبلد والأمة. في لبنان الذي تتوزع تاريخه القديم مجموعة مراكز ريفية، نجد في أعمال جبران وعبود القصصية تاريخا آخر هو تاريخ الصراع الاجتماعي والسيطرة الايديولوجية. لا نجد في «الأجنحة المتكسرة» و«الأمير الأحمر» سوى الاستبداد والقهر والسيطرة الجاهلة والظالمة. لا نجد هنا تغنياً بالريف ولا بحثاً عن الاصل ولا مديحاً للتقاليد العريقة. فقد كان الريف اللبناني حقيقة ثقيلة الوطأة ولم يحن الوقت بعد لتتحول الى رمز. ريف «الأجنحة المتكسرة» و«الأمير الأحمر» هو غير ريف «بياع الخواتم». والمختار فيهما غير مختار بياع الخواتم واللص هو أيضا غير لص بياع الخواتم، كان لريف عبود وريف جبران وجود ثقيل لم يتحول بعد إلى فولكلور وإلى مثال مفقود، فالأرجح أن بياع الخواتم ليست فناً ريفياً بقدر ما هي نوستالجيا الريف والتحسر على غيابه أو التوجس من غيابه. إذ لا يعادل استبداد العرف الريفي بالحياة اللبنانية سوى سرعة تداعي الريف وخرابه، هكذا نجد ان أمثلة الريف في بياع الخواتم ليست نظرة من داخل الريف وانما هي «الحلم الريفي» أو الريف وقد استحال مثالا وطنياً، إذ لا يغيب عن البال أن قرية بياع الخواتم هي رمز للعائلة اللبنانية وللبنان بوجه عام. ليست بياع الخواتم إذاً سوى الريف الخيالي المصنوع وقد استحال في غياب الأصل، او خوف غيابه، مثالاً. هنا نصل إلى الريف الرحباني ولا نبعد إذا قلنا انه ريف خرافي. نسقه وترتيبه مصنوعان في الخارج ثم انه الريف مرئياً من ثقافة لا علاقة لها بالريف ولا تستمد منه. انها بازل منضود. ثم ان الرحابنة هم مؤلفو «الشخص» و«المحطة»، وهنا نجد أنفسنا في قلب السجال المعاصر والفن الحديث. لنا مع الفن الرحباني جولة مستقلة، لكن ما يهمنا قوله هنا هو أن التعميم السوسيولوجي الذي يكتفي بالموضوع أو العنوان لا ينفع التحليل الأدبي، ما دام لا يضع في اعتباره وجهة النص ومحاكمته للواقع الريفي، ولا يضع في اعتباره مسافة ما بين النص والواقع الريفي. يذهب البعض إلى دمغ كل تراث الجبل بالريفية بدون انتباه إلى الداعي الايديولوجي الذي يبحث عن الأصول في الجبل، وبدون انتباه إلى فحوى النص وموقفه من الايديولوجيا الريفية، وبدون اعتبار للداعي الايديولوجي الذي يجعل من التضامن العائلي رداً على الانقسام اللبناني، وهذا ما يتم بالتزامن مع تدهور الريف وتداعيه.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة