لم يكن يتجاوز عمر الكاتبة أغاتا كريستي 11 عاماً حين بدأت تكتب قصصاً قصيرة وصفتها بأنها قصص كئيبة مقبضة للصدر. محاولاتها الأولى أتت رومانسية ميلودرامية كئيبة يموت فيها معظم أبطالها، كما كتبت الشعر، ورواية أولى عاطفية «ثلوج في الصحراء» بقيت منسيّة ولم تُنشر، بناء على نصيحة كاتب وناقد أدبي شكك في موهبتها ودعاها إلى مزيد من التدريب على الكتابة. سيدة الرواية البوليسية في ما بعد، والتي اهتدت بعد طول تجارب إلى صنف الرواية الذي عشقته وعشقه قراؤها، كتبت من دوافع حياتية صعبة، منذ الطفولة حتى الزواج الذي عرفت فيه معنى الجرح، الجرح نفسه الذي أفضى إلى الكتابة، والخيال الخصب، والحبكة الذكية الغامضة والتشويق. هذا عن أغاتا في بداياتها، والتي تعترف في مذكراتها بفضل والدتها في دفعها إلى الكتابة وهي في عز مرضها، ترقد في السرير، تعاني الملل، حتى نصحتها والدتها بالكتابة درءاً لملل، ومنذ ذلك الحين لم تكف كريستي عن الكتابة حتى لحظة مماتها. كريستي كتبت من دافع ما. ماذا عن دوافع كتّابنا؟ ما هي بداية العلاقة بالكتابة، وفي أي عمر، وما الدافع إليها؟ ثمة من يكتب من فراغات كثيرة، من ثقوب سوداء في حياته يرقعها بالكتابة. وثمة من قرأ حتى فاض عنه، وقرر ان الكتابة هي الوعاء الأمثل لقراءاته وتأثراته الوفيرة. وثمة من يكتب إثر حب يداهمه، أو كره لا يستطيع مداراته، أو سفر لا ينفع في استعادته سوى التدوين والتوثيق، او لحظة زهو لا تسعها سوى الكتابة. أيضاً قد تكون وراء الكتابة، أحاسيس تتعلق بالوحدة والتعاسة، ونوبات من الكاتبة تجد مساربها في عملية الكتابة التي غالباً، التعويض الوحيد، الفاتن والممتلئ حياة من الإحساس بالعزلة والقلق. جبور الدويهي ... الأحداث عن لحظة الكتابة، وأسبابها، ودوافعها، التي جعلت من الروائي اللبناني جبور الدويهي، والشاعرة السورية رولا حسن، والروائية الفلسطينية عدنية شبلي، والروائي المصري نائل الطوخي، كتّاباً وكاتبات، روائيين وروائيات، شعراء وشاعرات، كان هذا التحقيق: الروائي جبور الدويهي أجاب على الشكل التالي: «الآن وقد طرحت عليّ السؤال كيف «لمعت» في ذهني فكرة الكتابة، راجعت تاريخ صدور مجموعتي القصصية الأولى (1995) فأدركت أن تلك الحقبة تتزامن مع مصادرة محكمة للشأن العام من قبل «تركيبة» أمنية ـ سياسية عوقبنا بقيامها عن طول الحروب اللبنانية والعجز على إيقافها بتفاهم على قياسنا أو يتجاوزنا. هكذا أعتقد أن الكتابة الروائية التخييلية كانت بالنسبة لي (وأعتقد ايضاً بالنسبة لغيري من جيلي الذين بدأوا شبابهم بمهام «عامة» أو إصلاحية أو «ثورية») بمثابة انكفاء على «شأن» آخر قد أنجز من خلاله معنى ما لمأزق الفعل العام وضحالته. لكني لم آت إلى الكتابة من عدم فأنا درست الأدب وعلّمته، وخصوصاً منه الأدب الروائي، لسنوات طويلة قبل أن أجرّب نفسي في مضماره، وتلك بالتحديد كانت ورثة صعبة عليّ بسبب تعاملي اليومي مع نصوص عظيمة لكبار القوم في تاريخ الأدب. لم يأت الدويهي من عدم إذن، بل من صلة وثيقة بالرواية خولته تدريسها وتعليمها. سوى أنه في ما بعد، تجاوز عقدة المدرّس تلك ورمى نفسه في الميدان بعد أن حرص على التخلص بداية من نزعة الكتابة بالفرنسية التي هي لغة تعلمه وتعليمه، فاقترب من العربية، وأكثر من عربية استقاها من صياغات محكية. ما أوصل جبور الدويهي إلى هذه «اللغة» وإلى النوع القصصي ومن ثم الروائي استئناسه الدائم بأخبار وحكايات متداولة بين أصدقائه وعلى لسان أمه التي يرى فيها راوية نادرة، حول وقائع وأحداث قريبة من حيث انكفأ جغرافياً (مسقط رأسه) بالتزامن مع انكفائه الآخر. يختم الدويهي بالقول: «كان لتلاقي فرنسيتي وعاميتي أثر بيّن لاحق على كل ما أكتبه. أما «واقعية» رواياتي فهي على ما أشعر امتداد لما كانت أحمله من همّ عام مفترض عاد وراودني كما راود غيري مع انفتاح السقف في النصف الثاني من هذا العقد. لكني ـ يقول الدويهي ـ لم أنجرف وكنت قد أصبحت لا فائدة ترجى مني سوى الكتابة هذه. عدنية شلبي الوحدة والتعاسة عدنية شبلي كانت في العاشرة فحسب، حين بدأت الكتابة على دفتر صغير أهدته إليها شقيقتها الكبرى، وكانت خلفية صفحاته زهرية وزرقاء على التوالي، ومليئة بالورود. الدفتر المهدى إلى شبلي من شقيقتها لم يأتِ اعتباطاً، فقد كانت الأخيرة قد لحظت وحدة عدنية وتعاستها رغم محاولاتها إخفاءهما. تقول عدنية: بسبب إحساسي بالعار من ندبات الوحدة والتعاسة المريعتين على جسدي وروحي، حرصت على سترهما، فرحت أكتب بصمت كلما وقعت فريستهما. وكلما ازدادت وتيرة هذه النوبات (نوبات الوحدة والتعاسة) ازدادت وتيرة الكتابة. وكما حرصت على اخفاء ما أحسست عندها، حرصت على أن يبقى خفياً كل ما كتبت تحت وطأة هذه النوبات. وهكذا حين سيطرت الوحدة والتعاسة عليّ أخيراً لدرجة الاختناق باتت الكتابة خفية هي كل ما أفعل ليلاً نهاراً: «كنت وقتها في بداية العشرينيات من عمري وكنت قد نجحت في أن أفشل في كل شيء تقريباً، في دراستي الجامعية وعلاقتي بمن حولي وحتى في أن أتحدث. كان الشيء الوحيد الذي أحسست في قرارة نفسي بأنني قادرة عليه لدرجة اللهو هو الكتابة». في قلب التدريب المهني لنيل شهادتها في قسم الصحافة والإعلام، كتبت عدنية لمجلة ما، مقالات نقدية بمثابة تدريب. كتبت بحرية وطلاقة كعادتها في الكتابة، وعلى عكس ما اعتادت ان تكونه في الحياة. كتبت نصاً طويلاً، أرسلته إلى مجلة أدبية رئيسية في فلسطين، لاقى استحسان المسؤولين ونُشر في عددها، وأصبح النص مطبوعاً ومعروضاً على الرفوف للبيع: «عندها رأيت كلماتي التي لم أرها من قبل إلا في أوراقي المخفية جيداً، كلماتي موجودة الآن في المقهى وعلى رفوف المكتبات وربما في بيوت أناس حتى لا أعرفهم. عدنية حتى الآن، تقع ضحية نوبات الوحدة والتعاسة تلك غير القابلة للتفسير، وإلى الآن تفشل في أن تكون الإنسان السويّ والجيد الذي طالما حلمت بأن تكونه. لكن الآن ـ تختم عدنية ـ هنالك على الأقل الكتابة التي مكنتني من عيش وجودي الحقيقي دون الإحساس بالعار. رولا حسن فسحة الحرية الشاعرة السورية رولا حسن بدأت الكتابة مبكراً، وتقول في بداية علاقتها بالكتابة: «عندما كنت أذهب لأقضي العطل المدرسية في القرية عند جدتي ولا سيما عطلة منتصف العام، والتي كانت تأتي في فصل المطر، كنت أشعر أنه عليّ أن أحتفظ بهذه اللحظات إلى الأبد ولا سيما أني أشعر بتلك الحرية بعيداً عن سيطرة أمي وقوانينها الصارمة، حيث الجلوس بجانب مدفأة الحطب وحكايات جدتي التي لا تنتهي ومن ثم مرافقتها إلى الأحراش البعيدة لقطف الزوفا والزعتر والريحان، تلك اللحظات التي لم أرد لها ان تذوي لذا لجأت إلى تسجيلها على شكل يوميات، أسجل فيها تلك الخفة التي كنت أشعر بها في تلك الجبال. رولا حسن كانت تسجل كل شيء منذ الصباحات الباردة التي تبدأ فيها جدتها بإشعال مدفأة الحطب، فتشم رائحة السنديان والصنوبر والبطم والزيتون فتزدحم رئتاها بالأشجار، فتركض صوب الباب تفتحه وتخرج إلى الهواء وتقف تحت المطر وسط صراخ جدتها وخوفها عليها من الرشح. ما يهمّ! تقول حسن، كانت تلك الرائحة التي تملؤها وتلك الحرية التي تنعم بها بعيداً عن المدرسة وسلطة أمها، هنا مع أعز أصدقائها، جدتها وجدها، والأشجار والمطر وكل ما تحب من روائح. من الروائح تحديداً، حاجة رولا حسن إلى الكتابة. كانت بحاجة لتسجيل كل شيء. كانت تخاف الفقد لذا راحت تملأ دفترها بكل ما كان يحدث: «من يومها والكتابة عندي معادل للوجود والحياة والحرية، والكثير من تلك اليوميات تحول فيما بعد إلى قصائد. المشكلة أني حين أكتب لا أتذكر الصور الحالية لقريتي وإنما ما خزنته من طفولتي عبر ما سجلته على دفاتري التي لا تزال تزدحم بها أدراجي. ما كنت أعتقد أن ذلك حفر فيّ عميقاً، وإلى هذا الحد. من وقتها بتّ أجول كل العوالم الجميلة إلى عوالم موازية داخلي حتى لا أفقدها، في ما بعد عرفت أيضاً أن ذلك حصنني كثيراً ضد الألم والفقد والخسارة». نائل الطوخي أدب الجاسوسية الكاتب الشاب نائل الطوخي بدأ الكتابة فور تعلّمه القراءة. بداية كان يقرأ القصص المصوّرة، مجلة ميكي في الغالب، وينسج على منوالها، كان يرسم القصة ويضع كلاماً على لسان أبطالها. بعدها بدأ يقلّد قصص المغامرات والجاسوسية، اخترع بطلاً على غرار «أدهم صبري» بطل سلسلة «رجل المستحيل» الشهيرة، وكتب له مغامرتين يواجه فيهما أعداء مصر. يذكر الطوخي أنه في نهاية المغامرة الأولى قام البطل بتفجير أعدائه بصاروخ كان مخبأ في حذائه، زرعته له هناك المخابرات العامة المصرية، وفي نهاية المغامرة الثانية واجهه الأعداء ولم يكن هناك أي مخرج لكي ينجو، اكتشف ان الصاروخ قد «انحشر» في حذائه منذ المغامرة الأولى، وأن نصفه لم ينفجر بعد، فقام بتفجير النصف الثاني. هكذا كتب له الطوخي النجاة في المرتين. في ما بعد ـ يقول الطوخي ـ بدأت أنحاز للكتابة الاجتماعية، على غرار مسلسلات «ليالي الحلمية» وغيرها. شخص متشرد بوهيمي يحب إبنة الباشا التي تقتنع بمبادئه ويتحالفان معاً من أجل تحقيق ثورة يوليو، أو عائلة تحوي أفراداً عديدين، منهم الشيوعي والإسلامي ـ الذي يتحول إلى إرهابي، كنا في وسط التسعينيات ـ وقصص حب ـ كالعادة ـ عابرة للطبقات. هناك مرحلة أخرى، هي المرحلة التي آمنت فيها بالمبادئ الإسلامية. كتبت رواية طويلة عن وحش يظهر على سفح المقطم بالقاهرة لكي يطبق المبادئ الإسلامية الرشيدة. هذا الوحش يصير رمز الخير في مصر التي يعود إليها الاستقرار بعد عهود طويلة، كتبت أيضاً قصص الأنبياء في مرحلة أخرى، مع التركيز على شخصية إبليس وإضفاء أبعاد درامية عليها. يذكر الطوخي ان اكثر عمل تأثر به في حياته، وحتى الآن لم يكتب على غراره، هي رواية «رأفت الهجان» لصالح مرسي، وكتابة الجاسوسية بشكل عام: «شعرت دائماً أن الطريقة التي يقدم بها صالح مرسي بطله، الجاسوس المصري الذي تم زرعه في إسرائيل، هي الطريقة المثلى لكتابة أدب يُسمّى بـ«أدب الجاسوسية»، لا ينتمي للأدب الرفيع بمعناه الصارم، ولكنه ممتع تماماً، ويكشف كثيراً عن المجتمع المصري في حقبه المختلفة، مع نفوس شخصياته المعقدة إلى أبعد حد، مع القدر اللازم من الإبهار والتشويق والأكشن والقصص العاطفية الساخنة. حتى الآن ـ يختم الطوخي ـ ما زلت أحلم بكتابة «أدب الجاسوسية».