بعد عام وسبعة أشهر ونيّف على إنشاء المحكمة الخاصة بلبنان، وعامين ونيّف على تعيين قضاتها الأجانب واللبنانيين، كشف رئيس المحكمة القاضي الإيطالي أنطونيو كاسيزي رسمياً، «المكشوف» من أسماء هؤلاء القضاة، نزولاً عند ضرورات قانونية أملت القيام بهذه الخطوة المتأخّرة كثيراً، مع أنّ الأسماء ولاسيّما المتعلّقة باللبنانيين منهم، معروفة ومتداولة. فقد شكّل كاسيزي غرفة الاستئناف في المحكمة للبتّ في استئناف المدعي العام الدولي القاضي الكندي دانيال بيلمار لقرار قاضي الإجراءات التمهيدية دانيال فرانسين والصادر في الدعوى المقامة من اللواء الركن جميل السيّد ضدّ المستأنف بهدف تزويده بالأدّلة على شهود الزور تمهيداً لملاحقتهم أمام القضاء الوطني المختص بحسب جنسية كلّ واحد منهم. وكانت دوائر العدلية ومجالس السياسيين تستعرض أسماء القضاة اللبنانيين المعيّنين في هذه المحكمة، كما أنّ الإجراءات الأمنية المشدّدة التي باتت ترافق هؤلاء القضاة في تنقّلاتهم وحركتهم، وأمام منازلهم الصيفية والشتوية، كانت تؤكّد بما لا يقبل الشكّ بأنّهم صاروا من عداد قضاة المحكمة، حيث جرى تقسيمهم وهم أربعة، بين غرفتي محكمتي البداية والاستئناف، وذلك بمعدّل اثنين في كلّ واحدة منهما، مع الأخذ بعين الاعتبار خبرة كلّ واحد منهم ومراسه في الحقل القانوني والعمل القضائي، ورصيده العلمي والثقافي والقانوني. ولكن ما حال دون إذاعة الأسماء هو التزام كاسيزي بنصّ المادة 17 من مرفق قرار مجلس الأمن رقم 1757 الصادر عام 2007 والتابع للأمم المتحدة، والذي يقول صراحة بأنّه لا يكشف عن هوّيات قضاة المحكمة، إلاّ بعد استدعائهم للانخراط في النشاط القضائي. وبعدما أعلنت المحكمة اسم نائب الرئيس القاضي رالف رياشي، قدّمت للرأي العام القاضي الثاني في محكمة الاستئناف، وهو القاضي عفيف شمس الدين، ليكون لبنان ممثّلاً بهذين القاضيين في غرفة الاستئناف، فيما ما يزال كاسيزي يتكتم على اسمي القاضيين اللبنانيين المعيّنين في غرفة البداية في المحكمة مع أنهما على كلّ شفة ولسان في لبنان. ودأبت المحكمة أن ترفق ببيانها الصحافي سيرة ذاتية عن القاضي المعلن عنه، كما فعلت مع رياشي ونائبة المدعي العام القاضية جويس تابت، وأن تضمّنها معلومات ناقصة، أو خاطئة تحتاج إلى تنقيح وتصحيح، وأحجمت عن فعل الأمر نفسه مع القاضي شمس الدين. فمن هو القاضي شمس الدين؟ ولد القاضي عفيف عبّاس شمس الدين في بلدة جون في قضاء الشوف في جبل لبنان عام 1940، من أسرة متجذرة في العلوم والمعارف الدينية ورفدت العالم العربي والإسلامي بمشايخ كبار تركوا أطيب الأثر في رحلتهم الدنيوية. والده عباس شمس الدين وأمّه نرجس أسعد، أنجبا أربعة صبيان وخمس بنات هم بالإضافة إليه: عاطف (مواليد 1947) ومحمّد (مواليد 1959)، وأحمد (مواليد 1961)، وتحمل العائلة القيد الرقم 12 في بلدة جون المختلطة سكّانياً بين مسلمين ومسيحيين. تابع عفيف شمس الدين دروسه الابتدائية والمتوسّطة في مدارس بلدته ومدينة صيدا المجاورة. ودخل دار المعلّمين في مقرّها الكائن في محلّة بئر حسن في بيروت، حيث تتلمذ على يد كلّ من: فؤاد افرام البستاني، الشاعر سعيد عقل، الشاعر جوزيف نجيم، وارتبط بزمالة وصداقة استمرّت في حقل القضاء مع من صار مثله قاضياً ومنهم: بشارة متى، جميل بيرم، رشيد حطيط، غسّان أبو علوان، جرجي حيدر وعبد الغني الحجّار. وخلال الدراسة، أصدر مع القاضي متى مجلّة «الخطايا» الأدبية الانتقادية، وتولّى سكرتارية التحرير فيها. وبعد تخرّجه من دار المعلّمين عام 1958، مارس مهنة التدريس لمدّة خمس سنوات، كان خلالها يواظب على درس الحقوق في الجامعة اللبنانية حتى دخل إلى الوظيفة الرسمية في 2 نيسان من عام 1959، وانتسب إلى معهد الدروس القضائية عام 1962، فأمضى فيه ثلاث سنوات توجّها بالتخرّج، ليعيّن في 8 أيلول عام 1965 قاضياً أصيلاً في ملاك القضاء العدلي. وشغل «الريّس» شمس الدين على مدى 46 عاماً المناصب القضائية التالية: ÷ قاض منفرد في حاصبيا عام 1966. ÷ قاض منفرد في جديدة المتن. ÷ قاضي تحقيق في البقاع. ÷ رئيس الغرفة الثانية لدى محكمة الدرجة الأولى في جبل لبنان عام 1972. ÷ رئيس الغرفة الثانية عشرة لدى محكمة الاستئناف في بيروت عام 1992. ÷ رئيس محكمة المطبوعات بين العامين 1992 و1997. ÷ رئيس الغرفة الثالثة لدى محكمة التمييز الجزائية بين العامين 1997 و2008. ÷ رئيس مجلس إدارة صندوق تعاضد القضاة 16 عاماً متواصلاً، أيّ من عام 1992، ولغاية تقاعده يوم الثلاثاء الواقع فيه الأوّل من شهر تموز من عام 2008. وبسبب نجاحه في تطوير هذا الصندوق، عيّنته وزارة العدل مستشاراً قانونياً وإدارياً في مجلس إدارة صندوق التعاضد المذكور للاستفادة من خدماته وخبراته. أمضى شمس الدين تسع سنوات في عضوية مجلس القضاء الأعلى، وأبرزها عندما انتخبه رؤساء ومستشارو محاكم التمييز ممثّلاً عنهم في هذا المجلس في أوّل انتخابات تجرى في محاكم التمييز في تاريخ القضاء، وذلك في 7 تشرين الأوّل عام 2002، حيث فاز مع القاضي غسّان أبو علوان. وعيّن عضواً في المجلس العدلي، وهو أعلى هيئة قضائية في لبنان، لمدّة أحد عشر عاماً، وعضواً في الهيئة العامة لمحكمة التمييز، وعضواً أصيلاً في المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، وأقسم اليمين القانونية أمام الهيئة العامة لمجلس النوّاب في جلسة عقدت في 7 تشرين الأوّل عام 2003. أصدر شمس الدين خلال ترؤسه محكمة التمييز وعضويته في المجلس العدلي عدداً من الأحكام المبرمة التي تقضي بالإعدام، كما أنّه نظر في عدد من الملفّات الهامة المطروحة أمام «العدلي»، مثل ملفّ الأحداث الأمنية التي وقعت في جرد الضنية بين الجيش اللبناني وجماعات من الإسلاميين، وملفّ محاولة إسلاميين خطف سيّاح أجانب في طرابلس لإكراه السلطة القضائية على الإفراج عن الموقوفين في «ملفّ الضنية»، وملفّ المجزرة التي ارتكبها أحمد منصور في مقرّ صندوق تعويضات أفراد الهيئة التعليمية في المدارس الخاصة في محلّة الأونيسكو في بيروت. أصدر شمس الدين، خلال ترؤسه محكمة التمييز، مع المستشارين القاضيين محمّد مكة وجرجي حيدر، الحكم الشهير في قضيّة تلفزيون» أم.تي.في»( MTV) في 27 كانون الأوّل عام 2002. انتصر إبّان ترؤسه محكمة المطبوعات، لحرية «السفير» التي عُطّلت لمدّة أسبوع كامل، ولكنها لم تحتجب عن قرّائها فصدرت باسم «بيروت المساء» عام 1993، وقرّر في حكمه الشهير الذي أصدره مع القاضيين المستشارين أسامة العجوز وإلياس ناصيف في 16 شباط عام 1994، تبرئة «السفير» ووقف التعقبات بحقّها لعدم توافر عناصر الجنحتين المدعى بهما. تزوّج شمس الدين من السيّدة فائزة توفيق عيد ورزقا بأربعة أولاد، صبين وبنتين، وهم: المحامي حسام (1964)، الدكتور عباس (1966) الذي اختير مرّتين أفضل طبيب أشعة وجراحة الأشعة في الولايات المتحدة وذلك في العامين 2003 و2007، والقاضية غادة (1967) التي دخلت إلى القضاء في 17 أيلول 2003، والقاضية مريام (1973) التي دخلت إلى القضاء في 21 آذار 2000. ولتمتين علاقته بالقانون وتوسيع آفاقه العلمية، حاز شمس الدين عام 1980 على شهادة دكتوراه في القانون، وزاول مهنة التدريس الجامعي، فعلّم في معهد الدروس القضائية، وكلّيّة الحقوق في الجامعة اللبنانية، والجامعة الإسلامية بين العامين 1980 و2008. يشهد للقاضي شمس الدين خلال عمله القضائي، بالمناقبية والعطاء والمكانة اللائقة والكفاءة والصبر والتنقيب المستمرّ والإنتاج الغزير، وهو ما تدلّ عليه أحكامه وقراراته، ومثابرته على تلقّف ما تسطّره المحاكم من قرارات واجتهادات وأحكام، ووضعها في خدمة الأجيال للاستفادة منها بما يعود عليها بالخير والمنفعة العامة.