كتب عبده وازن كتابه «قلب مفتوح» (الدار العربية للعلوم. ناشرون 2010) إثر عملية جراحية للقلب أجريت له. هو سيرة ذاتية، لكن التفكير بالموت ـ بسبب هذه العملية، والنجاة منه بعدها، هو الذي أيقظ ذاكرة المؤلف وحمله على استحضار مراحل سابقة من حياته، ومخاطبة ذاته متأملاً، فاحصاً، متسائلاً، وقارئاً كشاعر وباحث وأديب ما انطوت عليه طفولته ومراهقته من معاناة. يضمر العنوان الذي وضعه المؤلف لكتاب سيرته إشارة الى علاقة ما بين المادي والروحي، بين قلبه الذي فُتح فعلاً وبين البوح الذي فاض به هذا القلب فيما بعد. وهو بوح له جرأة المبضع وفاعليته في الشفاء، حسب هذه السيرة، كما له المرتــكز الفــكري في كتابة هذه السيرة، أي هذه العلاقة بين المادي والــروحي باعتبارها، وحسب هذه السيرة أيضاً، حواريتها والتباسها. تتسم كتابة عبده وازن لسيرته بالمصارحة، مصارحة الذات لذاتها، وبالجرأة على المكاشفة، وبصدق البوح. هكذا يذهب الحكي عن الذات أبعد من الـ أنا، الى كلام عن المعاناة وأبعادها، الى قضايا لها علاقة بالموت والإيمان والماوراء والتديّن والإلحاد والنوم والظلمة واليقظة والحلم... وهي قضايا تشكّل دائرة واسعة لمكونات ذات صاحب السيرة، مكوّنات فاعلة تتمثل في هواجس وأسئلة، وتترك، بشكل غير مباشر، آثارها في نفسه وفي سلوكات الـ أنا، وفي العمق، أو فيما يكمن في ظلمة معاناة هذا الـ أنا. ويبدو الموت، أو هاجسه وأثره في المعاناة، تيمة رئيسة في «قلب مفتوح» يعود استحضاره على النحو الذي نقرأه في هذه السيرة، الى مشاعر المؤلف في اللحظات الأخيرة التي سبقت ادخاله غرفة الجراحة واستسلامه لمفعول البنج. يقول: «كانت خطواتهم تلك حاسمة، فإما أن أخرج حيّاً من هناك وإما...». ثم: «كنت افكر في الموت، كيف لا أفكر فيه بعد ما أطللتُ على وادي ظلاله». لئن كان الموت، أو فكرته، هو المعنى العميق الذي تضمره الكتابة الأدبية، او الذي يشكل نبضها الأعمق، فإن الانذار به هو، غالباً، نبضها المباشر. هكذا كتب ادوار سعيد كتاب سيرته الهام والجميل: «الحياة خارج المكان» إثر اصابته بالمرض المميت. وهكذا كتب محمود درويش ملحمته النثــرية الرائعة والمدهشة: «في حضرة الغياب» اثر نجاته من عملية جراحية لقلبه. كتب إدوار سعــيد وكــتب محمــود درويش ما يعادل الحياة، انطلاقــاً من مــوت ينذر بقدومه، فتجاوزاه، أو جعلا من حقيقته حــياة يخــشاها الموت. ويمكن القول بأنه لئن كانت الكتابة، هي بشكل عام فعل حياة يواجه، وبشكل غير مباشر، الموت، فإن كتابة السيرة الذاتية، إثر ما ينذر بالموت، تتخذ صفة المواجهة المباشرة القائمة على مستوى الشخص/ الفرد، او على مســتوى حياتــه، خاصة حين يستحضر كاتبُ السيرة زمناً عاشـه، وتفاصيل وأحداثاً وذكريات وصوراً لما كان عليه، وما وجرى له، وفكَّر به... كأن سيرة من أُنذِر بالموت هي صياغة للذات مهداة للحياة، او لحياة تتآخى مع الموت وتشي بألفة تعيشها الكتابة وهي تنسج حواريتها معه. تمتعنا حوارية الحياة والموت في كتاب عبده وازن «قلب مفتوح»، إذ تحملنا الى عوالم الباطن، الى قلقه والتباساته، وتدعونا، في الآن نفســه، الى التفكير بأكثر من قضية من قضـايا الحــياة الإنسانية، العامة. صحيح أن لسيرة عبده وازن خصوصيتها التي هي خصوصية معاناته، إلا أن التعبير عن هذه الخصوصية لا يقف عند حدودها، بل يتجاوزها الى ملامسة ما هو مشترك. ذلك أن صاحب هذه الســيرة يقــارب تجربته الحياتية الفردية من منطــلق وعي ثقافي رحب يتقاطع فيه، ويتحاور، الصوفيُّ والدينيُّ والفنيُّ... هكذا نجده حين يُعبِّر عن معاناة روحه باعتبار علاقتها بجسده، يميل الى الروحي الذي يلامس الصوفي دون أن يماثله في موقفه من الجسد. أو لنقل بأن عبده وازن يقرأ معاناته زمن مراهقته، من منطلق ثقافته الملمة، كما نعلم، بالفكر الصوفي وبحياة المتصوفين، معطياً للروح أهمية أولى، راهناً صفاءها بتحرر الجسد من جسديته. فالجسد، وحسب ما نقرأ في «قلب مفتوح»، ليس سوى مرآة لهذه الروح، مرآة مغبشة «لا تصفو إلا في أحايين قليلة يتخطّى فيها الجسد جسديته ليصبح نشيداً أو غيمة» (201). يحكي عبده وازن عن اصابته بالاكتئاب الذي يعتبره مرضاً روحياً. كان في الثلاثين من عمره ويعاني القلق والعجز عن الحياة، وفقدان الشعور بالزمن، ما جعله يعيش فكرة الانتحار. على أن عيش فكرة الانتحار، كان وكما يقول، «أشد إيلاماً من الانتحار الحقيقي» (ص 101). إنها لحظات من الاضطراب والانسحاق يتذكرها بجرأة ويعبّر عنها كأنها لآخر كان يعترف بصوت عال بالتهوّر والجبن. تهــوّر يفضي به الى التفكير بالانتحــار، وجبن يؤول به الى التراجع عنه. يتذكر عبده وازن ويروي باسلوب يتجاوز الوصف الى لغة مسكونة برغبة الكشف، هكذا نجده يقرأ ذاته في صور أدبية وفنية، وفكرية كأنه يبلور ما في داخله، أو يراه في مرايا تكشف، بتعددها وتنوعها، ما غرق داخل الذات وعَبَرت عليه السنون. تتمارى فكرة انتحاره مع شخصية الغريب لألبير كامو، ومع شاعر «أناشيد الليل»، للفيلسوف الالماني نوفاليس وصورة «أوفيلــيا» التي انتحــرت غرقاً في النهر... يتأمل ذاتــه في مرايــا الآخريــن علّه يفهم رغبته في الانتحــار ويســتوعب تأرجحــه بــين التـهوّر والجبن. انه صراع داخل الذات، صراع حواريّ أليم، ملتبس، لا تعرف الـ أنا جواباً سلوكياً له، فتقع في اليأس، ولتجد في الإيمان وفي فلسفة الانحياز الى الروح إمكانية نجاة. يسهب عبده وازن في الكلام عن هــذا الإيمان الذي تصبو إليه روحه، يوضــح بأنه إيمــان لا يمتّ الى التزمّت بصلة، بل يجد منابعــه الأولــى في طفولته، في محيطه المسيحي، أو في صــور المســيح وأمــه، وتلك الآلام التــي عانــتها روحــه وحرّرت جسده منها. تحضر، في سيرة عبده وازن، صورة المسيح الذي عذِّب فوق الصليب كما قرأ عنها، وكما قدمتها أفلام سينمائية شاهدها، فأتاحت له امكانية التأمل والتفكير للخروج من زمن مراهقته، زمن «مثل حجر من جليد». ومن ثم للمشي الى الأمام بعد أن كان مشيه أشبه بالهروب الى الأمام. الأمام الذي لا وراء له، والذي لا يمكن الوصول إليه مهما طال المشي. لا علاقة لإيمان عبده وازن الميتافيزقي، الروحاني، بالتزمّت، أو بالحالة الطوائفية التي تحكم لبنان، ينتقد صاحب هذه السيرة مواقف المتعصبين خاصة هؤلاء الذين كان يراهم في صباه يصفقون للطائرات الإسرائيلية ويعبِّرون عن كرههم لـ عبد الناصر، وللعرب. يعلن بأنه لم «أستطع أن أصبح كائناً سياسياً». ليبقى مثــقفاً ينتــصر للعــدالة الاجتماعية، ولحرية الرأي والتعبير، للإنسان بصفته الكونية. ألهذا وجد نفسه في وطنه الذي تتقاسمه الحروب الأهلية، وتتحكم به الانقسامات الطائفية والمذهبية.. وجد نفسه، وحسب عنوان ديوانه الشعري الأخير، صاحب «حياة معطلة»؟ ربما! ربما!!