لم تكن مواقف المفكر الراحل مارون عبود نابعة من علاقته الوطيدة بالنقد الموضوعي بقدر ما كانت هذه المواقف ذات صلة بطبيعته الحسية وتلمسه الدؤوب لكل ما من شأنه ان يؤسس للفكرة منهجا، من الممكن ان يكون نواة لتحقيق هدف سامي يلقي بالتقاليد البالية الى غير رجعة وتأسيس نمط اجتماعي حضاري ونظرة تقدمية شاملة. جمع مارون عبود الى جانب بلاغته الأدبية فكره التقدمي المنفتح وصدق إيمانه بالفكرة التي يؤمن بها كأحد الداعين الى إرساء نهج حر عقلاني يغاير الواقع الطائفي الذي نما في الزواريب والمتاهات المتعرجة والمناطق المغلقة في بلد تتقاذفه المحن والخلافات وتهدده الحروب كل عدة سنوات ليبقى لعبة في أيدي اللاعبين الإقليميين لمصالح ومآرب خاصة. في بيئة كهذه رفع أديبنا الراحل صوته ليعلن بالفم الملآن ان لبنان الوطن وليس لبنان الطوائف، لن تقوم له قائمة إلا بتصحيح هويته لتصبح جامعة بين ابنائه وليس هوية الطائفة التي تفرق بين ابنائه. وإذا عدنا الى العام 1930 الى بلدة عين كفاع يوم اطلق مارون عبود صرخته المدوية في وجه التقاليد المهترئة معلنا البلاغ رقم واحد ضد الرجعية الطائفية البغيضة والانغلاق الديني المتزمت مبتدئا عهدا جديداً في خطوة اولى من خطوات رحلة الألف ميل في إيقاظ العقول النائمة من سباتها العميق ومبشرا بغد مشرق رسمه لنفسه ليتبعه الآخرون من بعده. حدث ذلك عندما وهبه الله ولدا هو الأوسط بين اخوته، وبدون تردد اطلق عليه اسما كان يعتبر آنذاك غريبا عن العائلة والبلدة والطائفة ولم يخطر في باله لحظة واحدة ان اطلاق اسم (محمد) على ولده سيرتد عليه عداوة وبغضاء وإن كان يعلم في قرارة نفسه انه سيضعه في موقف حرج، لكن الرجل الثائر لم يتراجع عما كان يؤمن به بل ذهب الى أبعد من ذلك ان هوجم من المقربين والابعدين إلا من قلة قليلة من الرجال العقلاء امثال فيلسوف الفريكه أمين الريحاني، فنظم قصيدته الخالدة من اجل قضية اسم (محمد) لان اسم (محمد) في ذلك الوقت كان يعتبر قضية. ابن مارون سميّ للنبي بدأ الوالد قصيدته قائلا: (عشت يا ابني عشت يا خير صبي ولدته أمه في رجبِ/ فهتفنا واسمه (محمد) ايها التاريخ لا تستغربِ) كيف لا يستغرب التاريخ وتقوم القيامة على هذا الماروني المقيم في تلك المنطقة المغلقة من لبنان والتي تعتبر ان هذا الاسم الدخيل عليها في ذاك الزمان هو خطيئة لا تغتفر ولم تنطق ألسنتهم بمثل هذا الاسم من قبل. لكن مارون عبود وقف متحديا وكأنه يطالب الجميع بعدم الدهشة لهذا الاسم فيتابع قائلا: (خفف الدهشة واخشعْ ان رأيت/ ابن مارون سميا للنبي ما ولدته أمه مسلما او مسيحيا/ ولكن عربي) وليعمم فكرته خارج لبنان وتصبح انشودة كل العرب تابع: (يا ربوع الشرقِ اصغي واسمعي/ وافهمي درساً عزيز المطلبِ زرع الجهل خلافا بيننا/ فافترقنا باسمنا واللقبِ فالأفندي (مسلم) في عرفنا/ والمسيحي (خواجه) فاعجبي شغلوا الشرق في اديانه/ فغدا عبداً لاهل المغربِ) ثم تقوده عاطفته الجياشة ليؤكد لابنه اعتزازه بهذا الاسم فيقول: (يا بني اعتز باسم خالد/ وتذكر ان تعشْ أوفى أبِ جاء مالم يأته من قبلهِ/ (عيسوي) في خوالي الحقبِ فأنا خصم التقاليدِ/ التي القت الشرق بشر الحَرَبِ) ثم يطلب من ابنه ان يحفظ عنه هذه الوصية لتكون عنوان فخر لمستقبله مرددا: (وغدا يا ولدي حين ترى/ أثري متبعاً تفخرُ بي بك قد خالفت يا ابني ملتي/ راجياً مطلع عصر ذهبي عصر حرية شعب ناهضٍ/ واتحاد لبقايا يعربِ حبذا اليوم الذي يجمعنا/ من ضفاف النيل حتى يثربِ) عندما ستقرأون هذه الكلمة انظروا من حولكم فماذا ترون؟ وعندما تتعالى أصوات المتربعين على عروشهم فماذا تسمعون؟ تراشقا لفظيا عقيما وخطبا سياسية جارحة وعبارات فارغة جوفاء لا تدل على نظافة فكر قائلها. ماذا سنقول لأبنائنا اليوم عما نسمعه من هؤلاء القابضين على كراسي بلاستيكية اين يسير بنا هؤلاء واي وطن يريدون؟ ابهذا الأسلوب الفارغ يبنون بلدا؟ ماذا سيكتب التاريخ عنهم؟ منذ ثمانين سنة تقريبا يقف إنسان وأديب ومفكّر حر مسيحي ماروني يضيء شمعة واحدة في فضاء تلك القرية (عين كفاع) تشع نورا (وهاجا) وفكرا نظيفا يزخر بالمعاني الخلاقة الراقية ليقول لكل اللبنانيين: من هنا نبدأ إذا أردنا ان يكون لبنان لأولادنا من (عين كفاع) تحطم الاغلال وتكسر القيود فهل من مريد؟ من أرض هذه القرية النقية ومن ذلك البيت الذي لم يفارقه محمد مارون عبود بعد وفاة والده مارون حتى وفاته هو في التسعينيات أذكركم بلبنان فلا تنسوه وحافظوا عليه قبل فوات الأوان.