بتأخير نحو خمسة عشر يوماً عن المدّة القانونية، ردّت الحكومة عبر بريد رئاسة مجلس الوزراء على سؤال النائب حكمت ديب حول انتداب المستشار في مجلس شورى الدولة د. سهيل البوجي للقيام بمهام مدير عام رئاسة مجلس الوزراء. الحكومة أكدت بأن «وضع القاضي سهيل بوجي قانوني وسليم ولا تشوبه أي مخالفة، وليس في نية الحكومة اعفاؤه من مهامه نظراً لما أثبته من مناقبية وتفانٍ في الخدمة إضافة الى كفاءته العالية وخبراته الطويلة في المجالين القانوني والاداري». بين سطور السؤال الموجّه الى الحكومة، تُقرأ حيثيات المبادرة النيابية العونية. فـ «جبهات» الرابية «الإصلاحية» مفتوحة على كل الاتجاهات لكن المحيطة برئاسة الحكومة... «موقع بوجي غير القانوني»، برأي العماد ميشال عون، لا يقلّ أهمية عن هذه الملفات الدسمة. يدرك العونيون الدور المؤثر لبوجي في «المعادلة الحريرية» على أيام الحريري الأب ثم الابن. لكن تكتيك الهجوم الإصلاحي اقتضى سلوك المؤسسات الدستورية وليس المنابر السياسية من أجل إخراجه من القصر الحكومي. ثمة وجهتا نظر تقول الأولى منهما، إن وضع بوجي غير قانوني لتجاوزه مدة الانتداب والمحدّدة بفترة ست سنوات طوال فترة ممارسة المهام القضائية، بينما تشير الثانية الى أن لا غبار على وجوده في الأمانة العامة حتى ولو انتهت مدة الانتداب في 11 تشرين الثاني من العام 2006. في أي حال، فإن الغطاء القانوني الدستوري لهذه المسألة لا يحجب الكباش العلني بين ذهنيتين «حريرية» و«عونية» تبدوان كخطين مستقيمين لا يلتقيان... إلا بمعجزة سياسية. في القاموس الحريري، فإن بوجي «حالة» يصعب الاستغناء عنها حالياً، و«قيمة مضافة» في إدارة اللعبة داخل مجلس الوزراء... في القاموس «العوني» الرجل القوي انتهت مهامه منذ أربع سنوات. ويجدر اليوم سؤال المعنيين عن التعويضات التي تقاضاها خلال هذه المدة، وعن صحة المحاضر التي حررها وقانونيتها. مسيرة الرجل بدأت في 11 تشرين الثاني العام 2000 عند تعيينه أميناً عاماً، وأخذت اشكالها «السلطوية» مع تعاقب سنوات الخدمة الإدارية، نظراً لقدرة بوجي على التحكم بـ«رياح» الجلسات عبر تحديد أولويات جدول الأعمال وتوزيعه على الوزراء وشطب أو إسقاط أي بند طارئ بـ«الباراشوت»، و«التسكير» على بعض المشاريع في أدراج رئاسة مجلس الوزراء، و«ضبط ايقاع» المحاضر... «مايسترو» مجلس الوزراء لا يتورّع عن تأجيل طرح بعض مشاريع المراسيم على المجلس «الى ما شاء الله» بالاستناد الى مهارته الخفية في استنباط الاجتهادات اللازمة التي تبرّر غياب مشاريع أو نبش أخرى «من تحت الأرض». يقول أحد وزراء «تكتل التغيير والاصلاح»: «أكثر من مرّة تمّت إعادة صياغة وتصحيح بعض المحاضر كونها لم تعكس دقة المداولات داخل مجلس الوزراء، حتى ان هناك حالات لبعض البنود التي لم تقرّ لكنها وضعت في متن المحاضر، وأدى تصدّي وزراء «التيار الوطني الحر» لإعادة الأمور الى نصابها، كما ان سياسة «التفضيل» التي يعتمدها بوجي تؤثر على منهجية العمل داخل مجلس الوزراء». يجد العديد من الوزراء صعوبة أحياناً بتأمين الاتصال مع «رجل السرايا»، ولياقته العالية مع الجميع لا تمنعه من فرض قواعده في «ترتيب الأولويات». وعلى رأس اللائحة، التصرّف وفق ما تقتضيه مصلحة سعد الحريري وفريقه السياسي. وعلى ما يبدو فإن ردّ الحكومة لم يعجب العماد عون. هكذا فإن «معركة بوجي مستمرة». نائب «التيار» حكمت ديب سيراجع رئيس مجلس النواب نبيه بري وبعض القانونيين في المسألة «وسنردّ على رد الحكومة، وقد يتحوّل السؤال الى اسـتجواب على ضـوء عدّة معطيات». استند السؤال الموجّه من ديب الى الحكومة في 28 تموز الماضي الى المرسوم 4340 الذي بموجبه تمّ انتداب بوجي للقيام بمهام مدير عام رئاسة مجلس الوزراء عام 2000، والى المادة 16 من نظام مجلس شورى الدولة والتي حدّدت المدة القصوى لانتداب المستشارين بست سنوات، وذلك طوال فترة ممارسة القضاء. وورد في السؤال ان انتداب بوجي قد تجاوز المدة المتاحة والمسموح بها قانونياً واصبح قيامه بمهام وظيفة مدير عام رئاسة مجلس الوزراء غير قانوني لمخالفته أحكام انتداب المستشارين في مجلس شورى الدولة. وبأنه لا يجوز الاعتداد بالمادة 8 من المرسوم الاشتراعي 10618 الخاص بالمديرية العامة لمجلس الوزراء، كونه لا ينطبق إلا على المهندسين والرسّامين المنتدبين للعمل في المديرية. ونظراً لعدم جواز استمرار المستشار بوجي في القيام بمهامه لتأثير ذلك على قانونية جلسات مجلس الوزراء. بناء على ذلك طلب النائب ديب توضيحات «حول سبب بقاء بوجي في مركزه وهل في نية الحكومة إبقاؤه في منصبه برغم المخالفة القانونية؟ وفي حال إعفائه من مهامه ما هو مصير التعويـضات الإضافيـة التي تقاضاها عن المدّة التي فاقـت السـنوات الست المسموح بها قانـوناً، وما هو مـدى صحة وقانونية المحاضر التي قام بضبطها في جلسـات مجلــس الوزراء بعد 11 تشرين الثاني 2006 تاريخ انتهاء المدة القانونية لانتدابه؟». ردّ الحكومة صدر في 21 ايلول ضمن 10 صفحات «فولسكاب» (سؤال ديب 4 صفحات) يصلح وصفه بالمطالعة القانونية الشاملة لكافة النواحي التي اثارها ديب. عن اسباب بقاء بوجي في منصبه، ردّت الحكومة متكئة على المادة الثامنة نفسها من المرسوم 10618 لتقول «إن المادة الثامنة وفي معرض تحديدها لسلسلة فئات ورتب ورواتب وظائف ملاك المديرية العامة لرئاسة مجلس الوزراء لحظت نصاً خاصاً بالمهندسين والرسامين للتأكيد على استفادتهم من سلسلة الرتب والرواتب ومن التعويض الخاص الذي كان يتقاضاه آنذاك أمثالهم في وزارة الأشغال. وقد نصّت أيضاً المادة 8 على إمكانية ملء الوظائف المحددة في ملاك المديرية العامة لرئاسة مجلس الوزراء عن طريق الانتداب من الادارات والمؤسسات العامة». ووفق رد الحكومة «بديهي ان هذه الوظائف لا تقتصر فقط على المهندسين والرسامين من دون سائر الوظائف المحددة في ملاك هذه المديرية العامة، وإلا لكان النص أتى ليحدّد حصرياً أنه يمكن ملء وظائف المهندسين والرسامين عن طريق الانتداب». وفي قانونية انتداب القاضي في مجلس الشورى سهيل بوجي، ارتكز ردّ الحكومة على الفقرتين الأخيرتين من المادة الثامنة بشأن الانتداب (وظائف المديرية العامة لمجلس الوزراء) من الادارات العامة والمؤسسات العامة مع النص صراحة على إمكانية أن يكون هذا الانتداب لمدة محدّدة أو غير محدّدة. في حين ان المادة 16 من نظام مجلس شورى الدولة تقول بعدم جواز تجاوز مدة الانتداب أكثر من ست سنوات. وفي هذه الحالة اتكأت الحكومة على الاجتهاد القائل بأنه عند وجود قانون خاص وقانون عام يتعلقان بموضوع معين أو مواضيع متشابهة تطبق أحكام القانون الخاص دون أحكام القانون العام. فضلاً عن أن نص المادة الأولى من المرسوم 4340 الصادر عام 2000، كما جاء في ردّ الحكومة، لم يتضمن أي تحديد زمني لمدة انتداب بوجي. أما لناحية مصير التعويضات فردّت الحكومة بالقول «ان هذا التساؤل يسقط حكماً بالاستناد الى الحجج القانونية» التي قدمتها والمؤيّدة بالنصوص والاجتهادات. وذكّرت الحكومة النائب ديب «بأنه في حالة الانتداب لا يتقاضى الموظف أو القاضي المنتدب من الادارة التي انتدب اليها أي راتب يتعلق بالوظيفة التي يقوم بها، كما لا توجد أي تعويضات أو مخّصصات للشخص الذي يشغل هذه الوظيفة، باستثناء التعويض الذي قد يتقاضاه في حال قيامه بأعمال إضافية لدى هذه الإدارة، وهو بذلك ما زال يتقاضى رواتبه من ملاكه الأصلي في مجلس شورى الدولة».