21 عاما من الاحتلال أمضى القطاع الاوسط من الشريط المحتل معظمها في حالة ارتهان لنقطة الماء الاسرائيلية حتى استحق القول بأن القطاع الجنوبي هو الاكثر حرمانا من مصادر المياه الطبيعية، والاكثر اعتمادا على مصادر المياه التي تضخها اسرائيل اليه عبر محطة ضخ كبيرة أقامتها شمال بلدة رميش المحتلة. السؤال الذي يطرحه الدكتور منذر جابر في دراسته حول »الشريط اللبناني المحتل« هو: كيف نفسر تغاضي اسرائيل عن سعي الدولة اللبنانية الى حفر الآبار الارتوازية تأمينا لحاجات قرى القطاع الاوسط التي قطعت مياهها بفعل اسرائيلي مباشر، وهل يعني هذا ارتدادا على ما سبق واتخذته اسرائيل من خطوات لمنع الناس من حفر آبار ارتوازية من دون اذنها في العام 1978، وهل تصبح مياه الليطاني المهدورة في البحر حجة اسرائيلية للمطالبة بالمياه اللبنانية الفائضة؟ تنشر »السفير« الحلقة الرابعة والاخيرة من بعض فصول دراسة الدكتور منذر جابر التي صدرت عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت بعنوان: »الشريط اللبناني المحتل: مسالك الاحتلال، مسارات المواجهة، مصائر الاهالي«. القطاع الأوسط يتخلف القطاع الأوسط عن هذه الهيئات المائية الريانة للشريط الحدودي المحتل، فهو أبعد مناطقه عن نعمة الينابيع الجارية، وأبعدها عن نعمة العيون النبعات الجوفية المحفورة، والتي تحافظ على منسوب مياه لا يحول او يهزل مع الاستعمال والغرف المستمر. والى هذا يبدو هذا القطاع الى حرمانه الطبيعي، محكوما بلعنة الحرمان السياسي والاداري والذي يبقيه، مع واقع الاحتلال، معزولا عن مصادر المياه الشرعية المطهرة، مشبوكا بقساطل وقنوات تأتيه بالمياه من الخزانات الاسرائيلية في مستعمرات الجليل الاعلى. ويبلغ عدد البلدات والقرى المقطوعة عن مياهها، او »المشتركة« حسب التعبير الاسرائيلي 14 بلدة وقرية: بنت جبيل، عيترون، عيناتا، مارون الراس، يارون، كونين، بيت ياحون، الطيري، عين إبل، رميش، عيتا الشعب، دبل، القوزح ورامية (...). وتصل المياه الاسرائيلية الى قرى القطاع الاوسط ال14 عبر محطة ضخ كبيرة أقيمت في منحدر جبلي في القسم الشمالي من بلدة رميش. ومنها الى خزان يتسع لحوالى 10 آلاف م3 في تلة ظهر العاصي في خراج عين إبل الشمالي الشرقي. والثابت في أمر مصدر المياه، انه ظل حتى منتصف سنة 1984 موصولا الى خزان بئر ارتوازية في وادي القرن في الجليل الغربي، وهو خزان يقع على تلة الراهب المشرفة على مستعمرة شتولا، إحدى المستعمرات القريبة من الحدود اللبنانية. ولكن اسرائيل باشرت مطلع آب 1984 »في حفر قنوات إضافية على امتداد خطوطها القديمة، وهي تنزل حاليا في هذه القنوات أنابيب جديدة ذات 12 إنشا. ولم يتوضح الغرض من هذا التوسيع الذي ينطلق من خراج بلدة رميش في اتجاه محلة (العوانة) غرب عين ابل نحو مطل تمر في أنابيب مصلحة مياه جبل عامل واخرى لشركة ميكوروت تضخ المياه الى القرى المشتركة«. ثم تم تطوير الامر لاحقا، اذ اقدمت الشركة الاسرائيلية (ميكوروت) وبعد إتمام القناة المائية، على حفر قناة كهربائية، »مدت فيها أسلاكا كهربائية، في موازاة قناة انابيب المياه الممتدة من مستعمرة شتولا، الى محطة الضخ على المنحدر الجبلي قرب رميش. وقيل ان هذه الخطوط ستصل المحطة بالشركة التي سيصبح في إمكانها التحكم بالضخ كلما دعت الحاجة«. وتتحدث بعض الاوساط المطلعة عن ان إقدام اسرائيل على التقريب ما بين تمديداتها وتمديدات قساطل مصلحة مياه جبل عامل، وإقدامها على توسيع طاقة أنابيب الضخ وتطوير الاداء بالتحكم بالتغذية كهربائيا، خطوات تعود كلها الى تبدل في مصدر المياه من رصيد البئر الارتوازية في وادي القرن في الجليل الى رصيد يأخذ بطريقة ما من خزان الطيبة تحديدا، عبر شبكة أنابيب قد تكون هي الشبكة المائية اللبنانية القديمة، وقد تكون عبر شبكة اسرائيلية تعبر إصبع الجليل، بعد وصلها بخزان الطيبة، ومنها الى منطقة الجليل الغربي. ويذهب المهندس حسين العبد الله الى أبعد من ذلك، اذ يرى ان محطة الضخ الواقعة على نهر الليطاني قبالة بلدة الطيبة تؤمن المياه للمستعمرات الاسرائيلية في منطقة الجليل الاعلى. وعلى الرغم من مرور ما يزيد على ال17 عاما على ارتهان القطاع الاوسط هذا، الى نقطة الماء الاسرائيلية، فإن السياسات اللبنانية المتعاقبة، لم تر في هذا الامر »مأخذا« يستأهل ان تخرج عليه في موقف شكوى او تظلم، اذ لم نجد في مأثورات الصحافة ومنقولاتها عن خطب المسؤولين ومواقعهم من يطالب بالتصدي للموقف الاسرائيلي الذي يمنع من إعادة تعمير خزان برعشيت الذي دمرته اسرائيل سنة 1982، وبالتالي إعادة وصل »السكر« ما بين الشبكة المائية اللبنانية داخل القطاع الاوسط، وبين القساطل الموصلة الى خزانات محطة الضخ في الطيبة، أسوة بباقي فروع وقساطل هذه المحطة التي تضخ، كما مر معنا، في غير اتجاه صوب العديد من القرى في الشريط المحتل وفي خارجه. وبدلا من تأكيد الحق الطبيعي في جر مياه مصلحة جبل عامل عبر محطة الضخ على الخردلي وخزانات الطيبة الى قرى القطاع الاوسط، او الحق في إعادة ضخ مياه رأس العين الى قرى القطاع الغربي، بدلا من ذلك، كان سعي الدولة الرسمي يتجه الى استنباط الآبار الارتوازية في قرى القطاعين الآنفىن وقد شكل النجاح في الحصول على المياه في اوائل التسعينيات في بعض قرى القطاع الغربي وخصوصا منها الساحلية او القريبة من الساحل، او بعض المناطق الداخلية من قضاء مرجعيون، حجة لمتابعة حفر الآبار في القطاع الاوسط وبقية قرى الغربي، ولكن أعمال الحفر ما لبثت ان تباطأت الى حد يقارب الجمود، وهو جمود لم تنجح في تحريكه، حتى بعض التبرعات المالية الاهلية، الاغترابية تحديدا، وقد تنادى أصحابها لان يساهموا في إخراج المياه الحلوة من باطن الارض اللبنانية بديلا عن المياه الاسرائيلية. وعلى هذا »ظلت الآبار الارتوازية حتى اوائل سنة 1995، تدور في القرى الحدودية الوسطى وبعض الغربية في خانة الوعود«. وهو واقع يصعب ان يجد له تبريرا مع تحديد نقاط التنقيب ومباشرة بعض الخطوات الاولى في الحفر. وبالرغم من ان اواخر سنة 1995 حملت أخبارا عن فيض من المياه في العديد من هذه الآبار التي اكتمل حفرها. فإن أية واحدة من قرى القطاع الاوسط »المشتركة في المياه الاسرائيلية« لم تدع بعد الى المنهل العذب لواحد من هذه الآبار. واللافت في أمر الآبار الارتوازية، تضارب المواقف الرسمية في شأنها، ففي الوقت الذي يتابع فيه مجلس الجنوب خطواته بالتأكيد على حفر ما يزيد على 25 بئرا في المنطقة الحدودية، لا تعطي وزارة الموارد المائية والكهربائية في تقرير لها أهمية تذكر لموارد الآبار الارتوازية في القطاع الاوسط، ان في كمية المياه الموجودة ام في كلفة الحصول عليها كون »منسوبها في هذا القطاع عميقا جدا«، ولا تعوز تقرير الوزارة الامثلة في هذا السياق، فقد جرى حفر بئر في بلدة ميس الجبل لغاية عمق 550م، وبقيت جافة. »كذلك فإن الحصول على مياه الآبار في بنت جبيل يلزمه حفر بئر لغاية 700م لتأمين حوالى 500م مكعب يوميا.. وعليه فإن عملية الضخ والاستثمار مكلفة جدا ان لم نقل مستحيلة«. ويستنتج المهندس محمد نعمان عجم والجيولوجي فؤاد قزما، بعد دراسة جيولوجية لأنواع الصخور وعصور تكونها، وبعد دراسة للفوالق الارضية وللهيكلية البنائية في قطاع الناقورة عيترون شقرا، بأن مناسيب المياه الجوفية في هذه الطبقات هي بمستوى سطح البحر تقريبا. وبعيدا عن هذه المواقف التقنية من قضية الآبار الارتوازية، فإن بعضا من خبراء المياه، في جانب آخر، ينظر بعين الريبة الى هذا الامر، اذ يرى فيه مساسا باحتياطي المياه الاستراتيجي، يعادل المس به المس بمال الاحتياط في البنك المركزي. ويقول الخبير حسين العبد الله: »من المؤسف عندنا، التفكير السائد هو ان لبنان يعوم على بحر من المياه لا نهاية له وان حفر الآبار الارتوازية أمر بديهي لا غبار عليه... ومصلحة مياه الجنوب تتباهى بعدد الآبار الارتوازية التي تحفرها والتي أصبحت بأكثريتها المطلقة تنتج مياها مالحة. لقد وجهت كتابا مفتوحا بهذا المعنى الى الرئيس نبيه بري حول الاسترسال في حفر الآبار الارتوازية في الجنوب وحذرت من عواقبه« (...). كيف نفسر اذا تغاضي اسرائيل عن سعي الدولة ومبادرتها الى حفر الآبار الارتوازية تأمينا لحاجات القرى التي قطعت مياهها بفعل اسرائيلي مباشر. وهل يعني هذا ارتدادا على ما سبق واتخذته اسرائيل من خطوات منع في هذا الشأن في سنة 1978؟ لا نجد في الاجابة عن هذا التساؤل خيرا من الكلام الذي تقوله دراسة المهندس حسين العبد الله بأن المياه المهدورة في البحر من أجيال حجة إسرائيلية للمطالبة بالمياه الفائضة. والخطوة الاسرائيلية الاولى في إظهار »عدم لزوم ما يلزم« من مياه الليطاني، كانت في احتفال جرى في الشريط المحتل سنة 1983، بمناسبة »تخلي« اسرائيل عن تزويد منطقة مرجعيون بالمياه الاسرائيلية وتسليمها أمر المياه في هذه المنطقة الى مصلحة مياه جبل عامل، وقد أعلن شاؤول نورئيل رئيس الادارة المدنية »ان اسرائيل على استعداد لان توقف ضخها حالما تؤمن مصالح المياه اللبنانية الى الجنوبيين حاجتهم، كما فعلنا في قرى القطاع الشرقي، عندما توفرت لها كفايتها من مشروع بئر الحمام قرب مرجعيون. اذ أوقفنا ضخنا اليها وفسحنا لمصلحة مياه جبل عامل في المجال للمتابعة عنا«. أما لماذا لم تسمح اسرائيل لمصلحة مياه جبل عامل بتشغيل الخط الرابع من خزان الطيبة وتزويد قرى من الجنوب الحدودي الاوسط بالمياه على عكس سماحها للخطوط الثلاثة المنطلقة من المحطة، فهذا هو سر الموقف الاسرائيلي: لمصلحة مياه جبل عامل مجال العمل وتقديم الخدمات قريبا من حرم الليطاني، وضخ المياه من بئر ارتوازية في سهل مرجعيون، بئر الحمام او بئر الخوخ، أما الوصول الى مياه نهر الليطاني الجارية فتلك مسألة فيها »نظر« اسرائيلي. ان الآبار الارتوازية في منطقة الشريط المحتل، ام حتى في الجنوب اللبناني عموما، تحل نهر الليطاني من نذوره اللبنانية، وهي في الحد الادنى من واجب العطاء، تأمين مياه الشفة للجنوبيين، فيصير هذا النهر بالتالي فريسة تحوم حوله وعليه عروض السيطرة الاسرائيلية والتي قد تستند الى ملاحظة البنك الدولي الصادرة في سنة 1996 »من ان لبنان يستطيع ان يجني فوائد اقتصادية من بيع مياه الليطاني لإسرائيل«. وبعيدا عن »زقوم« المياه الاسرائيلية التي يتجرعها الحدوديون في القطاع الاوسط، فإن هؤلاء يجدون أحوالهم، الى ذلك، بعيدين حتى عن بعض مصاصات الدولة في هبات الماء. فقد أعفت الدولة الحدوديين، بدءا من مطلع سنة 1995 من دفع بدلات الماء والكهرباء، وهو قرار يخرج عن طائلته الحدوديين الاوسطين، لان الجباية عندهم تقوم لحساب الشركة الاسرائيلية، وهي تضبط مصروف المياه عبر عدادات منزلية تسجل حجم الانفاق حسب الاستعمال والحاجة وليس عبر نظام الاشتراك السنوي المقطوع والمعمول به على امتداد الاراضي اللبنانية. وقد كان هذا الاحتساب، مع ما كان يرافقه من ارتفاع دوري في أسعار المياه مدعاة احتجاجات دائمة بدءا من سنة 1985، حيث كانت قرى القضاء بإجمالها، وبعد اشهر قليلة من تجربة المياه الاسرائيلية قد وقعت تحت عجز 200 الف ليرة لبنانية تطالب بها شركة »ميكوروت« وقد »هددت الشركة في اجتماع عقده عدد من المسؤولين فيها مع ممثلي »اللجان المحلية« الحدودية بقطع المياه اذا لم يسدد هذا المبلغ قريبا«. ورد ممثلو اللجان ان المبلغ هو في مقابل كميات ذهبت هدرا في الارض وأعطال طرأت على أنابيب شبكتها... وخلقت هذه القضية أزمة بين الشركة واللجان التي طالب عدد من أعضائها بالعودة الى استخدام مياه مصلحة جبل عامل ومصلحة مياه رأس العين. ورفض المسؤولون عن الشركة ذلك »لأنها تكبدت مبالغ كبيرة لإقامة الخزانات ومد شبكة الانابيب الجديدة بين القرى«. وقد تكررت الاحتجاجات في السنوات اللاحقة، بخاصة مع الارتفاع الكبير والمفاجئ في الاسعار للمتر المكعب الواحد، حيث كان المستهلك الحدودي يخضع في تسعيرة المياه لكل الاضطرابات التي كانت تفعل بالشيكل الاسرائيلي »فقد ارتفعت الاسعار مثلا للمتر المكعب الواحد من 60 ل.ل. في الشهر الثامن من سنة 1987 الى 125 ل.ل. في الشهر التالي، بداعي توازن الشيكل المرتبط بالدولار، وهذا ما أدى ببعض المستهلكين في القطاع الاوسط من الشريط المحتل لان يدفعوا بدل الماء عن شهر ما يراوح بين ألفين وعشرة آلاف ليرة وهو مبلغ يفوق طاقة العائلات على تسديده (...). وتتراوح جبايات ال700 عداد الموجودة في بلدة بنت جبيل ما بين 000،21 و000،25 دولار. ولا تقل الجبايات في بلدات وقرى محيط بنت جبيل كثيرا عن هذا الرقم، لا بل انها قد تتعداه احيانا، انطلاقا من مقارنة أعداد السكان المتواجدين في هذه القرى مع أعداد المقيمين في مركز القضاء بنت جبيل. وتعمل مصلحة المياه في الشريط المحتل، كما في باقي المناطق اللبنانية، من خلال إدارة مركزية مرفقية، موزعة على عدة مصالح مياه مستقلة »متجاورة« (مصلحة مياه جبل عامل، مصلحة مياه نبع الطاسة، مصلحة مياه برك رأس العين). هذا الشكل من التسيير، وان كان، برأي اوساط ادارة هذه المصالح، اكثر ملاءمة في مجال الاستثمار، لأنه يغني هذه الادارات عن مساوئ المركزية، الا انه وفي موقف المواجهة والصمود لا ينتج سياسة خدمات مائية موحدة متشابكة الموقف والقنوات على امتداد مناطق الشريط المحتل وقطاعاته، قادرة على مواجهة »تيار« السياسة المائية الاسرائيلية ووحولها. لقد أدى غياب المركزية في التخطيط والتنفيذ، الى مستويات عدة في نسب خدمات المياه داخل الشريط المحتل، ما بين مناطق ترتوي من المياه اللبنانية، وان من آبارها الارتوازية على مدار الساعة (محيط سهل مرجعيون)، او قريبا من مدار الساعة (مناطق حاصبيا وجزين)، الى مناطق لم تعرف طعما لهذه المياه على مدار سنوات الاحتلال، والاكثر خطرا من كل ذلك، ان هذا الوضع من توزيع الخدمات راح يجد قرينا له في المناطق المحررة، قبالة الشريط المحتل، حتى ان وزيرا في الحكومة اللبنانية سنة 1996، راح مع انقطاع المياه الدائم عن واحدة من قرى المواجهة (الكفير)، ومع انقطاع الانفاس لدى الاهالي مع مطالبتهم الدائمة للحكومة بإيصالها دون جدوى، راح يعرض على وفد من هذه القرية »تأمين المياه لهذه البلدة على نفقته الخاصة«.