As Safir Logo
المصدر:

رواية «نساء البساتين» للتونسي الحبيب السالمي فن الكتابة يبلور أسئلة الواقع

المؤلف: حبش اسكندر التاريخ: 2010-09-21 رقم العدد:11697

إذا افترضنا وجود «لعبة» التناوب المكاني التي يكتبها الروائي التونسي الحبيب السالمي ـ وهو التناوب بين مكانين، إذ ثمة رواية تدور أحداثها في تونس، لتأتي أحداث الرواية اللاحقة لتدور في باريس، وهكذا دواليك ـ نجده في روايته الأخيرة «نساء البساتين» (الصادرة حديثا عن «دار الآداب» في بيروت) يعود إلى بلده تونس، بعد أن كان تحدث في روايته السابقة «روائح ماري كلير» عن شخصية بطله التي تعيش في باريس. بيد أن عودة الســالمي إلى تونس هذه المرة، لم تكن عــودة إلى الــذاكرة وإلى الريف التونسي ليكمل اللوحة التي كان بدأها في روايات سابقة من مثل «عشاق بيّه» أو «أسرار عبد الــله» على سبيل المثال لا الحصر، بل نجده يعود إلى العاصمة تونس، ليكتب لنا تحولاتها الراهــنة، الذاهبة في تأرجـحها المتواصــل بين لحظتين راهنتين من لحظات الحياة المعيشة. لحظات واقفة ما بين الذهاب إلى الماضي، عبر موجة التدين التي تصيب الجميع تقريبا، وبين لحـظات «رفض» هذا «التعصب الإيماني» الجديد الذي بدأ يلف كلّ شيء ويؤثر في طريقــة العـيش، من أجل الاستمرار في الحياة العـادية، التي كانت سائدة، قبل أن تطبق على الفضاء هذه المناخات الجديدة. الحرية للكتابة ثمة توصيف لكتـابة هذه اللحظة التي ينحو إليها الحبيب السالمي في روايته الجديدة، وهي لحظة تؤرق الكاتب الذي يرسم لنا، بهدوء، ســيرة هذا التحول الجديد، إلا أن لعبة التوصــيف تأتي بعين المشاهد، الخارجي، بمعنى من المعاني، أيّ من دون أن يســقط في التحــليل الذي يُرهق النص، ومن دون أيّ أحكام مسبقة تدفع المتن الروائي إلى أن يكون محكوما بإيديولوجيات جاهزة وعنيفة، أقصد أن الكاتب في ذلك كلّه يحــافظ هــنا على متعة السرد التي تؤدي الغرض المطلوب: كتابة اللحظة الزمنيــة الراهنة، من دون سقوطها في لعبة الذاكـرة أو في لعبة الحنين. هذا الخيار، في كتابة التحول من منظور خارجي، أنقذ بالتأكيد الروايــة، من السقوط في «متاهة الرمل» (فيمــا لو استعرنا عنوان رواية للســالمي نفــسه)، أي الغرق في بحر الأفكار المسـبقة التي نجدها عند الكثير من الروائيين العرب، بمعنى أننا نجد عندهم أفكارا حاضرة ليحاولوا أن ينسجوا عليها كل العمل الروائي، ليطغى ذلك على فن الكتابة، وليأخذها إلى أماكن كان من الممــكن تجنبها. من هنا يقف الحبيب السالمي على النقيض من هذا «المشروع»، أي يـترك الحرية للكتابة كي تبلور بنفسـها الأفكار التي يرغب في الوصول إليها، وهــذا ما يتركنا دائما، مشدودين إلى أسئلة القص وإلى أسئلة الفكر وإلى أسئلة المجتمع كما إلى الأسئلة الذاتية. كل كتابة، هي بالنتيجة، هذا السؤال الذاتي، الشخصي والخاص. ثمة فكرة بسيطة ينطلق منها الروائي ليرسم سيرة هذه التحولات: يعود أحد المهاجرين التونســيين، وهو يقيم في باريس، في زيارة إلى بلده لتمــضية إجازته، ليقيم عند أحد إخوته. منذ اللحظة الأولى، لهذه الزيارة تبدأ المفـارقات، حين يجد أن زوجة أخيه قد ارتدت الحجاب. إشارة صغيرة كانت في استــقباله ما إن حطّ رحاله في بلده الذي غاب عنه لسنوات قليلة. ثمة إشارة أخــرى: «تديّن» أخيه الذي بدأ يتردد على الجامع أيام الجمعة، وهو الذي كان يشرب ويسهر. لا يحاكم الكاتب هذه المفارقة، بل يصورها كما هي عليه، وليطل منها على هذا المجــتمع الذي بدا غريبا بالنســبة إليه، أي لم يكن يدرك من مكانه الآخـر حيث يــعيش، هذه الظروف الجديدة التي بدأت ترخــي بظلها، لا على منزل أخيه فقط، بل على «حيّ البســاتين» (حيث يقــيم أخــوه) في مرحلة أولى، وعلى العاصمة بأسرها، كمرحلة ثانية، وأقـصد بالمرحــلة هنـا، فترة الاكتشافات المتتابعة التــي كـان يجدها هذا «المهاجر» خلال تجواله في شوارع بلده. شرخ الذات لا يعني ذلك كله أننا أصبحنا نعيش في «جمهورية إسلامية» متشددة، إذ ثمة هوامش أخرى لا تزال حاضرة، وتسمح بمتابعة تلك الحياة التي كانت الشخصية الرئيسة قد عرفتها في الماضي. لكن ثمة أيضا حياة تغيرت، حتى في الحوارات العادية الدائرة بين شخصين عاديين. هذه الحيوات العادية، هي التي تلفت انتباه الروائي، كي يحاول أن «يتغلغل» إلى داخلها، أي يتغلغل إلى هذه الحياة الخاصة، ومنها يتسرب إلى الخارج، أي إلى الحياة العامة، لنكتشف فكرة الرواية الأساسية: تناقض الذات التونسية (والعربية أيضا) التي لا تعرف حسم أمرها في أن تختار توجهها المنفتح إما على التقليد الديني وما يشكله من إرث يزن بقوة على كاهل أفراد المجتمع، وإما الحداثة المعاصرة، التي تبدو هجينة، غير مفهومة بالمعنى الصائب. هي حيوات بسيطة تلك التي يكتب عنها الحبيب السالمي في «نساء البساتين» وما تمييز النساء في العنوان، إلا للدلالة على المكانة التي تحتلها المرأة التونسية، حيث ضمن لها القانون الكثير من حقوقها، لكن للحظات تبدو هذه الحــقوق وكأن لا معنى لها إزاء التطورات الاجتماعية الجديدة، بمعنى هذه النظرة التي تعتبر كل امرأة «متحررة» (وفق هامش الحرية المعطاة لها بالطبع) كأنها عاهرة، ما يدفعها في الكثير من الأحيان إلى الكذب على نفسها قبل الكذب على الآخر، وما ذلك إلا هذا الشرخ العميق في الذات التي يتطرق إليه الكاتب في عمله الأخير. من الشريان الجمــيل نفـسه، الذي عرفناه في رواياته السابقة، تأتي رواية «نساء البساتين»، لتكــتب لنــا لحظة راهنة بكلّ ما تحمله من شروخات، ومن «حداثة» لا تستقيم إلا في ذهابها إلى الماضي، كأن في العــودة إلى الـوراء تأسيساً جديداً لحياة مستقبــلية. هنا تكمن المفارقة بأسرها، مفارقة مجتمع لم يعرف كيف يعيش العصر، إذ ثمة سلاسل متعددة تكبله، ولا يجد حلا لها سوى في «تديّن» ظاهري بنسبة كبيرة، أي لا يكون متأتيا من حالة إيمانية حقيقية في الكثير من الأحيان. «نساء البساتين»، رواية تطرح العديد من الأسئلة علينا، لكنها أسئلة تأتي بهدوء، ولا تطغى على العملية الروائية، بل تفرد لها الحيز الأكبر، لتطرح بذلك أيضا أسئلة أخرى عن الكتابة، هذه الكتابة الحقة التي تميّز أعمال الحبيب السالمي.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة