على الرغم من لقائي به خلال الدورة الثالثة لمهرجان بيروت السينمائي الدولي (7 14 تشرين الأول 1999)، حيث عُرض له »نسيم الروح«، رابع أعماله الروائية الطويلة (انتاج العام 1998)، بعد »ليالي ابن آوى« (1988) و»رسائل شفهية« (1991) و»صعود المطر« (1993)، وكلها من انتاج »المؤسسة العامة للسينما« في سوريا، كان لا بدّ من لقاء ثان مع المخرج السوري عبد اللطيف عبد الحميد (مواليد اللاذقية، 1954)، الذي شارك فيلمه الأخير هذا في المسابقة الرسمية للأفلام الروائية الطويلة والقصيرة، في الدورة الحادية عشرة لمهرجان دمشق السينمائي الدولي (30 تشرين الأول 6 تشرين الثاني 1999)، التي فاز بنهايتها بثلاث جوائز: جائزة »اتحاد شبيبة الثورة«، كونه »لمس بمضمونه أكبر شريحة من الشباب«، وجائزة نقابة الفنانين السوريين (تمثال ذهبي) والجائزة الفضية (مع مبلغ مالي قيمته أربعة آلاف دولار أميركي). بين بيروت ودمشق، كان عبد اللطيف عبد الحميد أحد أكثر المخرجين حضورا، مع التنبّه الى شعبيته السورية الأكبر، التي تجلّت واضحة، خلال المهرجان الدمشقي، في أكثر من مناسبة: في الحفل الافتتاحي، وهو أحد المكرّمين؛ في عروض »نسيم الروح« الخاصة بالمسابقة الرسمية؛ وفي فوزه بتلك الجوائز. اللقاء الذي جمعني به في »فندق الشام«، بقي في إطار دردشة طالت، في جانب منها، بعض وقائع المعركة الصحافية حول »المؤسسة العامة للسينما«. أما في بيروت، حيث عُرض »نسيم الروح« قبل أشهر عدة من المهرجان السينمائي، في »نادي السينما« التابع لحركة حقوق الناس، فقد دار حوار حول الفيلم والكتابة والعلاقات الانسانية. »نسيم الروح« يتميز بشفافية المناخات الرومنسية الدافئة، وبمصداقية اللغة السينمائية الهادئة في تعاطيها مع الحدث الدرامي ومع تطور الشخصيات. { هل يُمكننا البدء بكلام حول فكرة »نسيم الروح«، حول هذه الشخصية (بسام كوسا) المتسامحة والمُحبّة والفاعلة خيرا مع الجميع؟ يُفترض بأي شخص أن يتعلّم أشياء كثيرة من حياته اليومية، ومن الناس الذين يلتقيهم، شرط أن يكون على تواصل عميق مع الآخرين. أنا من الذين لا يحبّون الركون الى خط واحد سبق وأن اشتغلتُ على أساسه. الجمهور تفاجأ بفيلمي السابق، »صعود المطر«، كونه (أي الجمهور) أراد أن أستمر على خُطى فيلميّ الأولين. أرى أن أي موضوع أختاره وأعالجه سينمائيا، يفرض لغته وشكله. بالنسبة الى فكرة »نسيم الروح«، فقد سبق وأشرت مرارا الى تلك الحادثة التي جرت معي، ذات يوم، حين كنت جالسا في مقهى دمشقي، أخربش على الورق، واذا برجل يدخل المقهى نفسه، ويجلس الى طاولة قريبة مني، شعرت انه يعاني صداعا، فسألته عما به، وحين أخبرني، أعطيته حبتين من دواء »سيتامول«. تعاملتُ مع المسألة بشكل عادي جدا، لكن الرجل، بعد أن أرتاح من ألمه إثر تناوله الدواء، جاء اليّ وراح يقبّلني. من تلك اللحظة، بتنا صديقين، وهو، حتى اليوم، لا يستطيع أن ينسى ما فعلته معه. هذه الشحنة الانفعالية الصادقة التي رأيتها تعتمل في الرجل، طرحت عليّ تساؤلات، لعلني أختصرها بالقول اننا نعيش في مجتمع، لا أحد فيه يفكر بالآخر. المسألة ليست دواء »سيتامول«، بل معنى العلاقة بالآخر، وكيفية التواصل معه. هذه الحادثة تركت فيّ شيئا خاصا للغاية، وأثّرت فيّ بشكل كبير، الى درجة أن التأثير ولّد سلسلة تأثيرات متتالية أدّت بي، في النهاية، الى اكتشاف أمور عدة لها علاقة بيومياتنا وحياتنا وأفكارنا وهواجسنا. أنا من الذين يحلمون كثيرا، فأستغلّ عناصر من تلك الأحلام في أفلامي. ذات مرة، شاهدتُ حلما غريبا: ضباب كثيف أبيض، خرج منه رجل جميل للغاية، وراح يقبّلني. استيقظت متأثرا به، وعلى مدى أربعة أيام، تملّكتني رغبة قوية في معرفة من هو هذا الرجل الذي لم أر عينيه في الحلم. { حسنا، ولكن كيف تحوّل هذا الأمر الى فيلم؟ أحيانا، حين تفسّر أمورا ما، تميّعها. غير أني أستطيع القول ان ثمة حالة شوق هنا، وحالة انفعالية هناك، وان هاتين الحالتين متكاملتان الى درجة أن تفاصيلهما اختلطت بعضها ببعض، ونتجت الفكرة التي تطوّرت الى سيناريو، ثم أصبحت فيلما. حين تقرأ بيت شعر لشاعر معين، هل تسأله كيف كتبه؟ هو نفسه لا يعرف، فهذه تبقى حالة حسية لا يُمكن تفسيرها، لانها تُعاش، وأي شيء يُعاش، يصبح فوق الوصف، أو خارجه. لا أحد يحسّ بك حين تحب، أو حين تتألم، أو حين تكون يتيما. وبالتالي، فهذه حالات لا تخضع لمنطق الشرح، حتى ولو وضعتها في بنية فيلم سينمائي أو في مقطوعة موسيقية أو في قصيدة. الصدى المطلوب { في أي حال، لا أعتقد أننا في وضع اجتماعي أو حياتي يسمح لنا بأن نكون مثل شخصية بسام كوسا في »نسيم الروح«. من خلال ما سبق وقلته لك، أعتقد أننا نعيش هاجس البحث الدائم عن لقمة العيش، مما يزيد من همومنا وقلقنا؛ أي مما يدفع بنا الى ما يشبه العزلة وانقطاع التواصل مع الآخر. غير أني أؤكد لك، ازاء ذلك، أن ثمة أناسا كثيرين يمتلكون في دواخلهم كل الخير والحب، مما يجعلهم يتفانون من أجل هذا الآخر، ومن أجل راحته ومساعدته بشتى الطرق والوسائل. لا أصدق أن العالم خال من أمثال هؤلاء. قبل مجيئي الى بيروت، وقعت لي حادثة طريفة: رفض سائق سيارة أجرة أن يتقاضى مني مالا، لأنه، بكل بساطة، أحب »رسائل شفهية«. هذا يؤشّر الى أن ما رغبت في قوله، وصل الى الناس، وبالتالي، اكتشفت أن ثمة من يُكنّ لي الاحترام، مما يعني أن صدى أعمالي يتردّد في كل مكان. صحيح أنك لا تستطيع أن تُشمل الجميع بهذا الوصف، فلا شك في أن ثمة أناسا عاديين جدا، قد يكونون أهم مني بكثير، وهذا ليس تواضعا. لكن المسألة، تكمن في أن ثمة أشخاصا يتصرّفون هكذا، رغبتُ في تصويرهم. { أود أن أعلّق، هنا، على علاقتي بأفلامك. ذلك أني أحب كثيرا »ليالي ابن آوى« و»رسائل شفهية«، في حين أني لم أشاهد، حتى الآن، »صعود المطر«. أعتقد أن »نسيم الروح« يختلف كثيرا عنهما، ان لجهة مضمونه الدرامي الذي أرى أنه أقل أهمية منهما، أم على صعيد الشكل الفني. كما سبق وقلتُ لك، فإن الموضوع الذي أختاره وأعالجه سينمائيا، يفرض اللغة والشكل الفني. أما لجهة الناس، فكل واحد يتلقّى ما تطرحه، انطلاقا من مستواه الثقافي والحياتي: أحدهم يتحدّث عن الصورة، وآخر يتناول المضمون أو الحكاية، وثالث يتعاطى مع السياق أو الشخصيات، كل واحد بحسب ما يراه. المهم يبقى في معرفة ما اذا كان »الصدى« يصل اليهم، أم لا. لا رؤية أحادية الجانب في »نسيم الروح«، الذي قد يراه البعض عصيا على الفهم. لكني أقول انه أهم أفلامي. هذا رأي خاص. كل ما في الأمر، اني أسعى دائما الى تطوير أدواتي. عموما، لا أحب أن »أتفذلك«، لكني أنزعج كثيرا حين لا يفهم المشاهدون ما أريد قوله. في المقابل، لا أستطيع الاعتراض على ما تقوله لي، بصدد عدم اعجابك بفيلمي الأخير. لكني أود أن أعقّب: أعتقد أني كمخرج وكمؤلف، دائما لدي رسالة ما أود ايصالها، أو حكاية أرغب في روايتها، وهي مؤلّفة من سلسلة مقاطع، بدءا من »ليالي ابن آوى« وصولا الى »نسيم الروح«، مرورا ب»رسائل شفهية« و»صعود المطر«. تقول ان فيلميّ الأولين أكثر عمقا؟! أردّ عليك بالقول ان ما يطرحه »نسيم الروح« مهم جدا أيضا: الصلة التي تربط الناس بعضهم ببعض؛ العزلة أو الانغلاق داخل المجتمع، وهذا أمر خطر جدا، برأيي. من المهم للغاية أن تستيقظ صباحا وتسأل نفسك ما الذي يُمكن أن تفعله من أجل الناس، أي أن تنكر نفسك من أجل الآخر. لا أعتقد أن هذا الموضوع أقل عمقا من موضوعي فيلميّ الأولين. أعرف تماما انه ازاء الناس الطيّبين والخيّرين، هناك من يتبع تلك المقولة: »مئة أم تبكي ولا تبكي أمي«. مشاهدون كثر أخبروني أنهم أحبّوا فيلمي الأول. وها أنت تقول لي ان فيلميّ الأولين أهم... كل الآراء التي أسمعها ضرورية ومهمة، ولا شك في أنها تفيدني، بكونها تطرح علي تساؤلات كثيرة، قد لا أستطيع، بسهولة، معرفة أجوبتها. المخاض الأصعب والنقد الذاتي { تُرى، أي من الأفلام الأربعة الأحب اليك، أو الأقرب؟ تبدو كمن يسأل الأم أي ابن عذّبها أكثر من غيره، أثناء ولادته. قد تكون ولادة الأول قاسية، والثاني أصعب، والثالث أقل وجعا وألما. أيا يكن، فاذا كان لا بدّ من مقارنة، أقول ان المخاض الأصعب كان مع »صعود المطر«، على الرغم من أنه فيلمي الثالث؛ ومع هذا، كنت أرتجف خوفا، عندما عُرض للمرة الأولى. »صعود المطر« كان أكثر أعمالي تعذيبا لي. أتعبني وجعلني أسهر ليالي بكاملها، قبل أن يتم إنجازه. { هل تمارس نقدا ذاتيا؟ دائما. أحيانا كثيرة أكتشف أن ثمة مشاهد في هذا الفيلم أو ذاك كان يُمكن انجازها شكل أفضل، أو كان يجب الاشتغال عليها بطريقة أخرى. أسأل مُشاهدي أعمالي، لأني أعتقد انهم قد ينتبهون الى الأخطاء أكثر مني. أحيانا أخرى أحاول إلهاء بعض الأصدقاء أثناء عرض فيلم لي، خصوصا مع ظهور مشهد على الشاشة لا أشعر بارتياحي اليه. { ما هي مشاريعك الجديدة؟ في حوزتي الآن ثلاثة نصوص، منها نصان جاهزان. لكن، ثمة موضوع يلحّ علي كثيرا: العودة الى الريف، الى أماكن »رسائل شفهية«؛ انه يلحّ عليّ أكثر من أي موضوع آخر. دعني أُخبرك أمرا: في العام 1985، مررت في وقت عصيب للغاية، وشعرت بألم نفسي إثر تعرّضي لحادثة لا أرغب في »فضحها« الآن، وهي حادثة أثّرت فيّ الى درجة كبيرة، فبدأت أكتب. لم أكن أعرف، في البداية، ما الذي أكتبه: خاطرة أم سيناريو؟ مقالة أم رواية؟ بعد فترة، اكتشفت أني كتبت ثمانمئة صفحة، فيها كمّ هائل من السخرية والألم، مصوغ بشكل »غريب عجيب«؛ لكني لم أقتنع بالنهاية التي وضعتها، فلم أشغل بالي بالتفكير في ايجاد خاتمة أطمئن اليها؛ لذا، تركت الأمور تجري على هواها، وانشغلت في تحقيق أفلامي السابقة. الى أن جاء العام 1996: ذات يوم، كنت في باريس (هنا، أعود الى سؤالك حول كيفية كتابتي المواضيع التي أختارها، وكيفية نقلها الى الشاشة)، وما إن خرجت من أحد المقاهي، حتى هطلت الأمطار، فجأة، وبشكل غزير. أما لماذا تذكرت الموضوع، في تلك اللحظة بالذات، فلا أعرف. كل ما في الأمر، اني عثرت على النهاية التي أريد، فركضت في الشوارع فرحا وصارخا كأرخميدس »وجدتها. وجدتها.«. ولأني وجدتها، أشعر الآن بأنها تلحّ عليّ كثيرا. أما العنوان، فهو »قمران وزيتونة«. حاوره: نديم جرجوره