كان لرحيل المفكر الجزائري محمد أركون أمس الأول صدى غير عادي، فهو المفكر الإسلامي الذي رفضه الإسلاميون، ولم يستسغ الفرنسيون، الذين أمضى حياته في كنفهم، الأفكار التي طرحها، ولا التوليفة التي قدمها في فهمه الحضارات. ينتمي إلى جيل ميشال فوكو وبيار بورديو وسواهما من الذين قدموا ثورة ابستمولوجية، وغيروا في منهجية الفكر الفرنسي. وهو الذي سحب ثورته المعرفية تلك إلى الفكر الإسلامي والعربي، وتميز بانفتاحه وشجاعته، فلم يتوقف عند هزّ المفكر فيه في المجتمع العربي الإسلامي، إنما تعداه للدعوة إلى خوض غمار اللامفكر فيه. اعتمد أركون المنهجيات العلمية التطبيقية في قراءة القرآن، وأخضع النص الديني للتحليل الألسني التفكيكي والتأمل الصوفي. ورأى أن تعدد المذاهب في الإسلام في مراحل سابقة يدل على وجود حريات في الإسلام سمحت بالكثير من التنوع، وهاجم ما حدث ويحدث من استغلال السياسيين للدين. كما رأى أن الحرية الدينية ليست بعيدة عن العلمانية، وأن المجتمع الإسلامي في تطوره ليس بعيداً عن العلمانية. سيرة أركون حافلة بالسجالات. فهو ولد العام 1928 من عائلة فقيرة، في بلدة تاوريرت ميمون بمنطقة القبائل الكبرى الأمازيغية بالجزائر، واصل دراسته الثانوية في وهران، ثم دراسته الجامعية في الجزائر، ثم بتدخل من المستشرق الفرنسي لوي ماسينيون التحق بجامعة السوربون في باريس، وكان فكر المؤرخ والفيلسوف ابن مسكويه موضوع أطروحته. عُين أركون أستاذا، ذا كرسي، لتاريخ الفكر الإسلامي والفلسفة في جامعة السوربون العام 1970، بعد حصوله على درجة دكتوراه في الفلسفة منها، وعمل كباحث مرافق في برلين خلال العامين 1986 و1987. شغل منذ العام 1993 منصب عضو في مجلس إدارة معهد الدراسات الإسلامية في لندن. رأس تحرير مجلة «أرابيكا» للدراسات العربية والاسلامية. كان أستاذاً زائراً في العديد من جامعات أميركا وأوروبا وأفريقيا وآسيا. كانت له عشرات المؤلفات، فهو كتب مؤلفاته بالفرنسية والإنكليزية، ثم ترجمت إلى العديد من لغات العالم، ومنها العربية التي نقل إليها مترجمه المعروف هاشم صالح وحده 13 كتاباً. من كتبه المعرّبة: الفكر العربي، الإسلام: أصالة وممارسة، نقد العقل الإسلامي، الفكر الإسلامي: قراءة علمية، الفكر الإسلامي: نقد واجتهاد، الإسلام: الأخلاق والسياسة، العلمنة والدين: الإسلام المسيحية الغرب، من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي، من فيصل التفرقة إلى فصل المقال: أين هو الفكر الإسلامي المعاصر؟ الإسلام أوروبا الغرب: رهانات المعنى وإرادات الهيمنة، نزعة الأنسنة في الفكر العربي، قضايا في نقد العقل الديني، كيف نفهم الإسلام اليوم؟ الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، نحو تاريخ آخر للفكر الإسلامي، معارك من أجل الأنسنة في السياقات الإسلامية، من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني، القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني، تاريخ الجماعات السرية، تاريخية الفكر العربي - الإسلامي، الفكر الإسلامي: قراءة علمية، قضايا في نقد العقل الديني. توفي ليل الثلاثاء الأربعاء في العاصمة الفرنسية باريس، عن 82 عاما، بعد صراع طويل مع المرض. هنا مساهمة من مفكرين وباحثين في إضاءة فكر أركون.