كتاب لافت، صدر حديثاً للكاتب البحريني نادر كاظم، عن «الدار العربية للعلوم ناشرون» تحت عنوان: «كراهيات منفلتة» ـ قراءة في مصير الكراهيات العريقة. أهمية الكتاب متأتية من محاولة الكاتب الإجابة عن أسئلة عميقة، منها سؤال الكراهية ليس على مستوى الأفراد وحسب، بل القوميات والطوائف. فعلى الرغم من أن البشرية أحرزت تقدما مذهلا على مستويات عديدة، إلا أنها ما زالت عاجزة عن التقدم بخطى ملموسة على صعيد التعامل مع النوازع العدوانية بين البشر، التي يبدو أنها أعمق تجذراً مما توهم بعض الحداثيين ودعاة التحديث، وكثير من الشيوعيين اليوتوبيين الذين حلموا، في ما مضى، بعالم بلا طبقات وبلا عداوات وبلا صراعات وبلا كراهيات. لقد راهن بعض الحداثيين على أن التقدم المطرد في التحديث وقيمه كالفردانية والعقلانية سوف يتوّج، في نهاية المطاف بثقافة كونية، تنسحب من على مسرحها، كل القوميات والطوائف، وتتراجع، إثر ذلك، كل العداوات والكراهيات العريقة التي ارتبط وجودها بوجود هذه القوميات والطوائف. إلا أن هذا الرهان لم يصمد، ذلك ان العداوات والتناحرات والكراهيات والأحقاد العنيدة لم تختفِ، بل ما زالت (خصوصاً في الراهن) قادرة على الاستفزاز والجرح والإيذاء، بل إنها ازدادت قدرة على ذلك، مع زوال عزلة الجماعات (القوميات والأديان والطوائف)، واهتزاز فضاءاتها الخصوصية المعلقة، وتقدم الاتصالات بحيث صارت أخبار الكراهيات وحوادثها تنتقل بسرعة فائقة، وصارت تستحث معها، في كل مرة، انعكاساتها الخطيرة. مقاربة الكراهيات المنفلتة للكاتب نادر كاظم، لم تأتِ في لغة أدبية صرفة، أو في ترف الكتابة المجانية، أو من باب التأمل فحسب، بل ثمة اجتهاد للكاتب الذي حشد لمقاربته الكثير من القراءات في مراجع عربية ومترجمة لكثير من الفلاسفة العرب والأجانب المشهود لهم بالجدية والعمق والخبرة والمعرفة. كتاب كاظم جاء في فصول ستة، مع مقدمة للكاتب تحت عنوان: «في الحاجة إلى مراعاة الآخرين»، وثبت بالمصادر الكثيرة والمراجع التي أفادت كتابه، ودعمت مقاربته. تجليات المشاعر من سؤال بسيط ينطلق كاظم: عندما يصارحك أحد بأنه يُحبك أو يكرهك فإنه إما أن يكون صادقا وإما أن يكون كاذباً، ولكن بأي معنى يكون صادقا أو كاذبا؟ ويرى الكاتب من حيث المبدأ، أن المشاعر بحد ذاتها لا توصف بالصدق أو بالكذب، الأمر الذي يعني أننا حين نصدر أحكامنا بالصدق أو بالكذب على هذه المشاعر فإن قصدنا ليس المشاعر بحد ذاتها، بل تجلياتها وتعبيراتها الظاهرية. هذا على مستوى الأفراد، أما الكراهيات التقليدية في التاريخ، إنما تنشأ بصورة طبيعية ولمسببات ودواع جدية حقيقية أو متخيلة. وفي حال تراجعت هذه الكراهية (وهذا أمر نادر الحدوث في التاريخ) فإنها تتراجع تدريجياً وبصورة طبيعية كذلك، بمعنى أنك لن تجد في التاريخ كراهيات تنفجر فجأة ومن دون مقدمات، او تختفي فجأة وبصورة غير متوقعة وكأن شيئا لم يكن، والسبب كما يراه الكاتب، أن الكراهيات الحقيقية كانت تتغذى بمشاعر حـــقد وتحـــامل عنيدة، مشاعر تسكن النفوس وتتملك أصحابها ولا تفارقهم بسهولة. الإنسان المتوحش ينقل الكاتب في مستهل كتابه عن باروخ سبينوزا: «تزداد الكراهية إذا قوبلت بالكراهية» وعن جان جاك روسو: «ليس في وسع «الإنسان» المتوحش أن يعرف الكراهية والرغبة في الانتقام، فذلك من باب الأهواء التي لا تنشأ إلا عند من أحسّ بالإهانة». روسو الذي يرى في الإنسان، حيواناً بطبعه، وأن توحشه هو حالته الأصلية، واجتماعيته حالة اصطناعية طارئة حصلت بضرب من التوافقات و«المصادفات المشؤومة» كما يقول. كذلك سبينوزا الذي يقول ان الكراهية تزداد إذا قوبلت بالكراهية، يرى الكاتب كرد في محصلة كتابه على مثل هذه الأقوال، وعلى نظريات في الكراهية لكثير من الفلاسفة ضمّنها كتابه بأن كسر دورة الكراهية المتبادلة عماده أخلاق المعاملة بالتي هي أحسن، وروح المبادرة بالإحسان واحترام الآخرين ومراعاتهم بحيث يكون الواحد منا قادراً على المبادرة بالرد على الكراهية التي تستهدفه، باحترام قد يكون صعباً وشاقاً على النفس، إلا أنه ضروري لتبدأ دورة الاحترام المتبادل، وعندئذ يمكن للاحترام أن يقاوم الكراهية ويقهرها.