بدعوة من »مسعفي وقدامى الصليب الأحمر اللبناني« فرن الشباك أحيت المطربة جوليا بطرس حفلا غنائيا في التاسعة من ليل السبت 13 تشرين الثاني، على مسرح »قصر الأونيسكو«. الفرقة الموسيقية بقيادة إحسان المنذر على »البيانو«، بالاضافة الى ميشال أسعد »عود«، توم هورنينك »ساكسفون«، إبراهيم جابر »درامز«، أسامة الخطيب »باص«، علي الخطيب »رق«، إيمان حمصي »قانون«، الى آلات موسيقية عزف عليها فنانون، شكلت تزاوجا للغربي والعربي، في موسيقى مصاحبة للأغنيات ذات الطابع العصري إذا صح التعبير. الحفل الذي ساده تنظيم شكلي، استهل بكلمة ترحيبية بالحضور، وتعريفية ببعض إنجازات هذا الحيز الإنساني في حياتنا اللبنانية التي احتاجت ولا تزال الى هذا النوع من العطاء. كذلك تضمنت الكلمة ألقاها أحد الشبان في الصليب الأحمر اللبناني ترحيبا وتكريما للشاعر هنري زغيب والموسيقار الياس الرحباني اللذين قدما »نشيد المسعف« من نظم زغيب وألحان الرحباني، وأنشده كورال الحفل المصاحب للمطربة بطرس. لم تقدم جوليا بطرس جديدا في حفلها في »قصر الأونيسكو«، بل كان »ريبرتواراً« لأغنياتها المعروفة في رحلتها الفنية. في ملامح هذه المطربة وحركاتها، ما يشي بحزن دفين، وهي بلباسها الأسود طوال الحفلة، بدت مضطربة قليلاً في الجزء الأول لعلها الصالة التي لم تمتلئ بالكامل لتعود في الجزء الثاني الى هدوئها المعروف عنها. ملاحظة هنا يجب تسجيلها بالنسبة لغناء بطرس وخصوصا الأغنيات الوطنية منها، التي تحتاج الى رحابة أكثر وأماكن مفتوحة أكثر لجمهور غفير من الحضور. فهذا النوع من الأغنيات، المتضمن الصوت العالي، والكلام الذي يحض على الصمود والمقاومة بات ينتمي الى جمهور المهرجانات الواسعة كجماهير »جرش« و»قرطاج« مثلاً. كذلك بدت بطرس التي غنت يوماً »غابت شمس الحق« وكانت سبب انطلاقتها الفنية، وكأنما تغادر عفويتها شيئا فشيئا لتتلبس حالات نجومية معروفة في الأوساط اللبنانية. الالتزام صوت جوليا دافئ وعريض، ويستجيب لأصناف الشعر التي تُعنى بالحب والفراق. وهي غنت بهذا المعنى بعض قديمها مثل »يا معمّر لي بيت« و»يا قصص« و»طبعك هادي« أو ما شابه، الأمر الذي بدا أكثر انسجاما مع جو القاعة، من تلك الوطنيات التي احتاجت كما ذكرنا، حضورا آخر أكثر تفاعلا. جوليا بطرس فنانة ملتزمة، وهذا أمر واضح، حتى في غنائها العاطفي، تبدو كمن يخشى ان تتجرح صورته التي طبع عليها والتي عرفها الجمهور من خلالها. حركتها متزنة على المسرح، وتبدو لي كمن لا يرتاح في الغناء إلا إذا أصاب قضية كبرى، أو ندد بغبن كبير، فيما الغناء الحقيقي هو تحرر الروح من كل أثقالها، بل فعل الحرية الوحيد للمغني، الذي يتناول كل مشاعر الحياة البسيطة منها والمركبة. تحاول جوليا بطرس بصوتها الغاضب ان تعيد ترتيب فوضى العالم غير العادلة. وهي لو تنسحب قليلا الى دواخلها، وتكتشف عمرها وحريتها الحقيقية، لأتى صوتها أكثر رقة وأقل تشنجا، ولبدا متصالحاً مع مفهوم الغناء الذي يستلزم كل طاقات القلب وليس الصوت وحده فيصيب بهذا المعنى كل محبي الغناء ومتابعيه. بالنسبة الى الموسيقى المصاحبة، اختلطت الوتريات الرقيقة والآلات الصادحة، والإيقاعات العالية، فما عرفنا كيف يتم الانسجام بحدود دنيا، بين عراقة الآلة العربية، وشجاعة الآلة الغربية. ثمة اHarmonieب لم تتبلور في أداء الفرقة، وإن كان كل عازف سيد على آلته. عناية جابر