As Safir Logo
المصدر:

تجربة عادل إسماعيل الوثائقية تعرضت لحرب مفتوحة الطوائف اللبنانية «تناتشت» تاريخ الجبل والساحل

النحات السوري مصطفى علي (مواليد 1956)
المؤلف: هواري زهير التاريخ: 2010-09-10 رقم العدد:11689

خصص المؤرخ والاستاذ الجامعي أحمد بيضون مؤلفه «الصراع على تاريخ لبنان أو الهوية والزمن في اعمال مؤرخينا المعاصرين» لرصد معظم المؤلفات التاريخية التي تناولت تاريخ لبنان او مراحل منه. نادرون هم المؤرخون الذين افلتوا من مبضع وتشريح بيضون، الذي امتد على أكثر من اربعمئة وخمسين صفحة موثقة بالمصادر والمراجع التي ناقشها، فضلا عن التقويم الذي تابعه بعقلانية باردة ودأب قل نظيره. المهم ان بيضون في عمله الموسوعي الذي هو بالأصل اطروحة دكتوراه، توصل الى خلاصة قوامها ما يلي: «لا يعدو الأمر ان يكون مظهراً من مظاهر «توزيع التواريخ» على فئات المؤرخين، وهو توزيع ذو قواعد لا تخلو من الدقة. اهمها ان ابناء كل طائفة يتولون في الأغلب كتابة تاريخ طائفتهم.. وأن ابناء كل عائلة او «دار» (مدينة، بلدة، قرية، إقليم) يتولون كتابة تاريخ دارهم... إن تقاطع الأغراض يحمل كل مؤرخ «جزئي» على التعرض للجماعات حاملة الأغراض الأخرى – ولممثليها من المؤرخين او سواهم - تعرض المنازع، ويكون النزاع معلنا او مستورا الى هذا الحد او ذاك. (بيضون أحمد، الصراع على تاريخ لبنان، منشورات الجامعة اللبنانية، بيروت، 1989 ص 162-163 ). ومن هذا المنطلق يثني على الحكم الذي اصدره المؤرخ جواد بولس الذي اعتبر: «ان التكتلات الطائفية في لبنان في اعماقها، وفي الماضي مثل الحاضر، تمثل بشكل من الأشكال تكتلات عائلية قبلية، أي انها احياء للقبائل البدوية من الأسلاف. ( بولس جواد، تاريخ لبنان، بيروت 1972 ص 258). و عليه يمكن اعتبار المؤرخ أشبه ما يكون بشاعر القبيلة الذي تتحدد وظيفته في الذود عن حضورها وتسويق مآثرها ورد كيد المعتدين على حياضها الثقافية. السؤال الذي يتبادر الى الذهن الآن لمناسبة وفاة آخر موسوعي ومؤرخ هو الدكتور والسفير عادل اسماعيل، كيف عانى هذا المؤرخ عندما قرر خوض غمار يعتبره مؤرخو المارونية السياسية «حوزتهم» التي يجب الا يدخلها سواهم. اذ جرت القاعدة ان يتخصص المؤرخون المسلمون في كتابة التاريخ العربي والاسلامي العام، مع التقليل ما أمكن من فكرة لبنان عموما والجبل خصوصا من خلال دمجه بما هو اوسع منه وأشمل. خصوصا ونحن نؤشر هنا الى المشروع الموسوعي الكبير الذي اطلقه اسماعيل وهو هنا نشر الوثائق الدبلوماسية والقنصلية عن لبنان التي تعرضت لدى اطلاق نشرها، الى ما يشبه الحرب المعلنة. حرب مفتوحة لم تترك وسيلة من الوسائل الا واستعملت فيها. وقبل هذا وذاك كيف نشأت فكرة نشر الوثائق وما هي القيود العلمية التي وضعها اسماعيل على النشر، توصلا الى الخروج بما خرجت به من مجلدات قاربت الخمسين مجلدا. هذا بالاضافة الى اعماله الأخرى التي جعلت من اسماعيل مؤرخا يعود الى عصر المؤرخين الموسوعيين الذين عرفهم التاريخ الانساني سواء في اوروبا أو المشرق العربي وسواهما. عودة الى البداية بدأت فكرة إعداد الوثائق الدبلوماسية خلال احدى جلسات العمل التي دأب عقدها المؤرخ لويس ماسينيون مع طلابه في منزله. اذ يوم نظر ماسينيون نحو الطالب عادل اسماعيل بعد حديث له مطول عن الدروز وأسر الاقطاع في لبنان، قائلا: لدي لك مشروع سأعرضه عليك. إنه عمل شاق وطويل، لكن لا بد من القيام به. وأرى أن لبنان هو المهيأ لمثل هذا العمل الثقافي الكبير. العمل الذي أتحدث عنه يقضي بجمع الوثائق الدبلوماسية والقنصلية المتعلقة بتاريخ لبنان وبلدان المشرق العربي، وهي متوافرة بكثرة في دور المحفوظات الفرنسية. أنهى كلامه قائلا: في حال توفرت لديك المقدرة، أرجو إعلامي، اذ باستطاعتي مساعدتك. نقل اسماعيل الفكرة الى صديقه الاستاذ في كلية الطب في باريس الفرد خوري. كان موقف خوري مشجعاً ومؤيداً ومحذراً في الوقت ذاته من المعارضة الشديدة التي سيلقاها ممن وصفهم، بأنهم اولئك الذين «يعدون تاريخ لبنان حكرا لهم». مع ذلك فقد اقترح عليه مراسلة استاذه الامير موريس شهاب مدير المتحف الوطني آنذاك والتابع وظيفياً الى وزارة السياحة. الموقف المركب لخوري دفع اسماعيل الى مراسلة استاذه الامير. كان الرد الذي قدمه شهاب أكثر تقدما مما أشار به صديقه خوري. فقد اعرب الامير عن اهتمامه بالمشروع وتأييده له من دون الوصول الى الالتزام المالي المطلوب. فإمكانية التعويض المادي عن العمل متعذرة، لأن موازنة المتحف لا تسمح بذلك. بالمقابل يمكن تدبير كلفة تصوير الميكروفيلم كاملا او في جزء منه حسب توفر الاعتمادات المالية. هذا الموقف الذي اعلنه شهاب فتح نافذة امام اسماعيل، الذي عاد الى استاذه معلنا عن استعداده للسير بالمشروع الذي اقترحه عليه. سر الخبر ماسينيون وبادر فورا الى كتابة رسالتين: اولاهما الى مدير المحفوظات الدبلوماسية في وزارة الخارجية اوتريه، وأخرى الى مدير عام المحفوظات الوطنية في فرنسا شارل بريبان. وفور تلقي الاخير الرسالة، اوعز الى معاونه البروفسور ميرو استقبال اسماعيل في دورة متخصصة في الخطوط والكتابات القديمة لمدة تتراوح بين 6 او 7 اشهر مع تركيز على الخطوط المعتمدة في وثائق القرنين السادس عشر والسابع عشر. وهكذا جاءت الدورة وعملية جمع الوثائق مكملة لدى اسماعيل لدراسته تحضيرا لشهادة الدكتوراة من جامعة السوربون المعروفة. مباشرة بدأ اسماعيل عملية تصوير الوثائق المتعلقة بتاريخ لبنان من قبل شركة الميكروفيلم التابعة لدار المحفوظات الوطنية وبالاتفاق مع الأمير موريس شهاب. واحتياطاً من فقدان نسخة الميكروفيلم شرع اسماعيل، وعلى نفقته الخاصة، بطبع تلك الوثائق على الآلة الكاتبة. وقد تولى هذه المهمة فريق العمل الذي شكله من العاملين في الدار، وهم من الاختصاصيين في قراءة الخطوط. وهكذا بدأ العمل بعد ان وافق شهاب على دفع كلفة تصوير الميكروفيلم، بينما تولى اسماعيل دفع كلفة عمل الفريق التقني والطباعة من حسابه الخاص. استغرقت عملية الاختيار والتصوير والطباعة حوالى سبع سنوات، تم خلالها تصوير وطباعة مئات آلاف الوثائق التي تتعلق بتاريخ لبنان في شتى الحقول. وبالتأكيد جرى ضبط الطباعة لغوياً مرة ومرات مخافة وقوع أخطاء في قراءة الخطوط. بعد نيل اسماعيل دكتوراه الدولة عام 1957 عاد الى بيروت وهو يحمل معه حصيلة سنوات من العمل. وعندما تسلمها منه الأمير موريس شهاب وعرض عليه تعويضاً مالياً ضمن الإمكانات المتاحة لديه من المتحف رفض اسماعيل العرض. مؤكدا أن البدل المالي غير مطروح بالنسبة له. إذاً كانت البداية من خلال سهرة في منزل لويس ماسينيون. وأطلقت هذه السهرة العمل على الوثائق الفرنسية. ثم كرت السبحة، فأثناء عمل اسماعيل الدبلومسي في مدريد شرع في العاصمة الاسبانية في جمع القدر الأكبر من الوثائق الدبلوماسية في الخارجية الاسبانية، وكذلك فعل عندما انتقل الى كل من روما وميلانو ومع محفوظات آل مدتشي في فلورنسا. ويجزم اسماعيل ان الوثائق الاسبانية والايطالية لا تقل اهمية عن مثيلتها الفرنسية والاوروبية الاخرى. الأسس الموضوعية في العامين 1973 و1974 كان اسماعيل يشغل منصب مدير الشؤون السياسية في وزارة الخارجية والمغتربين. وبدا له ان الأوان قد آن من اجل الشروع في اصدار الوثائق. وعليه فقد عقدت سلسلة اجتماعات لهذه الغاية. بدأت بينه وبين الأمير شهاب أولا ثم اتسعت تاليا لتشمل فيمن شملته وزير الخارجية فؤاد نفاع، والأمين العام للخارجية نجيب صدقة، والمستشار القانوني ومدير مركز الأبحاث والتوثيق في الوزارة انطوان فتال. تمخضت تلك الاجتماعات عن اقتراح جماعي قوامه ان يتولى اسماعيل مهمة النشر، بعد ان استغرقت عملية جمع الوثائق منه 25 عاما. وكانت تلك الاجتماعات قد شهدت اكثر من اقتراح قضى احدها بتشكيل لجان تتولى هي المسؤولية عن النشر، الا انه سرعان ما صرف النظر عن تلك الفكرة لصالح حصر المسؤولية عن النشر بصاحب المبادرة والقائم عليها منذ ربع قرن. الأهم ان المجتمعين توصلوا الى صوغ اتفاق او عقد يحدد ما ينشر من الوثائق وكيف ينشر. يتضمن الاتفاق بندا يقول بنشر الوثائق بنصها الكامل، وعند الضرورة تنشر مقتطفات منها مع محاذرة نشر ما يتعلق بحياة اللبنانيين الخاصة، وما يثير الاحقاد ويسعر العداء بين اللبنانيين. واستند المجتمعون في صياغة اتفاقهم هذا على ما اعتمدته معظم الدول الكبرى لدى قيامها بنشر وثائقها الدبلوماسية. علما انها هي الاخرى لا تسمح بنشر الوثائق المتعلقة بحياة المواطنين الخاصة، الا بعد مرور مئة او مئة وثلاثين سنة وأحياناً حقباً اطول من ذلك، كما هي الحال في القانون الفرنسي خصوصا. اذن توصل المجتمعون الى اتفاق على حصرية النشر بصاحب المشروع أي اسماعيل، وبعدها تم الحصول على موافقة الخارجية الفرنسية على النشر باعتبارها المالكة الحقيقية للوثائق. وهكذا بدأت عملية النشر بمقتطفات من بعض التقارير المتعلقة بحقبة الاعوام 1841- 1860. سبق ذلك قيام اسماعيل بإصدار كتابه الذي يتناول تاريخ لبنان منذ القرن السابع عشر حتى اليوم. وهو أطروحة الدكتوراه والعمل الذي نال عليه جائزة الاكاديمية الفرنسية لعام 1956. وهي اعلى وارقى مؤسسة علمية فرنسية. علما ان الاكاديمية عادت ومنحته جائزتها مرة ثانية عن نشره الوثائق الدبلوماسية عام 1989. اتبع اسماعيل هذا انجازه الاول بالمشاركة مع الدكتور اميل خوري في اصدار كتاب السياسة الدولية في الشرق العربي في خمسة اجزاء، ساهم اسماعيل في الثلاثة الاولى منها. المهم انه ما ان ذاع خبر الاتفاق الثلاثي بين الخارجية والمتحف واسماعيل وكانت اجواء البلاد في ذروة الانقسام السياسي الذي سيفتح في مرحلة لاحقة الابواب على جحيم الحرب الاهلية، حتى برز موقفان تجاه موضوع نشر الوثائق الدبلوماسية. الاول: وهو الذي عبر عنه عدد من المؤرخين والاساتذة الجامعيين والباحثين. وهؤلاء كانوا من مختلف الطوائف اللبنانية. وقد رأى هؤلاء ان اسماعيل هو اهل لهذه الثقة التي اولاها اياه المسؤولون ممثلين بوزارتي السياحة والخارجية. لا سيما انه لا يمكن اعتبار اسماعيل ممثلا للطائفة التي ينتمي اليها، بالنظر الى مستواه العلمي الاكاديمي وموقعه الدبلوماسي. خصوصا في ضوء انجازاته العلمية السابقة وتماسه مع كبار اساتذة الاستشراق الفرنسي والمدراس التاريخية الفرنسية الجديدة. وان اسماعيل من خلال عمليه البحثي والدبلوماسي وفي مسعاه للحصول على الوثائق قدم للبنان اجلّ الخدمات من دون منة أو أجر. وبهذا المعنى فقد ساهم اسماعيل من خلال اصداراته السابقة في اغناء التراث العلمي التاريخي في لبنان والدول العربية من خلال ربط كتابة تاريخها الوسيط والحديث بالوثائق الدبلوماسية والسياسية المحفوظة في خزائن وزارات الخارجية وغرف الصناعة والتجارة ولدى العائلات الاوروبية. التاريخ كملكية طائفية الثاني: وهو هنا بيت القصيد الذي يدلل على خطورة كتابة التاريخ، او حتى نشر وثائقه في زمن العواصف الكبرى التي تهب على البلدان كبيرة وصغيرة. وقد تولى الموقف السلبي من النشر ومن القائم على المشروع عدد كبير من رجال الاكليروس الماروني تحديدا، بمعاونة بعض المقربين منهم. وهؤلاء كما يعلم القاصي والداني لهم حضورهم السياسي والاجتماعي ولديهم مؤسساتهم العريقة. كان المنحى الاول الذي اعتمده هؤلاء هو رفض تسنم اسماعيل مسؤولية اصدار الوثائق. واعتمدوا عددا من الخطوات المتدرجة من اجل دفن المشروع قبل ولادته. اولى الخطوات كانت مقابلة الامير موريس شهاب الذي كان بمثابة الراعي للمشروع منذ بداياته وحتى المحطة التي وصل اليها. ابلغ الوفد الامير خلال لقائه ان مشروعاً على هذا المستوى من الخطورة لا يمكن ان يتسلمه «احد المسلمين». ومنطلق مثل هذا القول بالطبع هو اعتبار تاريخ لبنان بمثابة إرث حصري من موروث الطائفة. واقترحوا عليه وانطلاقاً مما وصفوه بمصلحة لبنان، ابقاء المشروع بين ايدي الباحثين والمؤرخين الموارنة. وبتدقيق اشد ان يظل الرهبان ومن حولهم ومعهم هم القيمون على المشروع، لأنهم احرص من سواهم على الحفاظ على وجه لبنان الحضاري والثقافي. هنا شهد اللقاء نقاشا حادا. اذ بعد ان سمع الامير ما تفوه به الوفد ابلغ زائريه اصراره على موقفه. مستندا في ذلك الى ان اسماعيل هو من دون سواه من تولى جمع الوثائق طوال العقود الماضية. وانه انفق على هذا العمل من وقته وماله من دون مقابل. وبعد ذلك قدمها للمتحف الوطني من دون أي بدل. وبهذا المعنى فله حق الافضلية عن سواه. يضاف الى هذا وذاك أن مستواه العلمي فوق الطوائف وحساباتها وموضوعيته مشهود له فيها. لم يكن موقف الامير شهاب نهاية التحرك المضاد بل كان المقدمة، اذ سرعان ما تم رفع مستوى التحرك باتجاه رئيس الجمهورية وكان في حينه الرئيس سليمان فرنجيه. لم يكن فرنجيه على علم بالموضوع اصلا. وأعلن امام الوفد انه سيستفسر عنه من الامير موريس شهاب ووزير الخارجية فؤاد نفاع. لكنه في الوقت ذاته اوضح للوفد ان له ملء الثقة باسماعيل لتولي مشروع على هذا المستوى من الأهمية. وعندما التقى فرنجية شهاب واسماعيل لم يغير من قناعاته قيد انملة، بل دعا الاخير الى عدم التراجع، وانه يقف الى جانبه في نشر الوثائق تبعا للصيغة التي تم الاتفاق بشأنها. وأكد له ختاما الا يرد على ما يقال ويتابع عمله في نشر الوثائق «وما يهمك وأنا معك وما تأبه بتحديات الجميع». اذن لم يتحقق لهذا الفريق، المطلوب من خلال الاتصالات مع بلوغها ذروة المستوى السياسي. الترغيب والترهيب وهنا جرت محاولة ثالثة عبر احد الرهبان الاصدقاء الذي قابل اسماعيل لثنيه عن «مغامرته». ملخص الرأي الذي تقدم به يقول إن المشروع على اهمية كبيرة، ويحمل في طياته مخاطر شديدة، بالنظر الى الظروف الراهنة التي يجتازها لبنان. وقد لا يكون ملائما وفي مثل الاوضاع المضطربة السائدة تنفيذه، والبلاد في اجواء انقسام عام ينذر بانفجار الحرب الاهلية عام 1975. وانطلاقا من المقدمة هذه اقترح المتحدث ان يستبدل نشر الوثائق، بنشر ملخصات عنها كما سبق وفعل المؤرخ اسد رستم في نشره الوثائق المصرية عن لبنان وبلاد الشام خلال حكم محمد على باشا. وهي التي جاءت في كتاب حمل عنوان «الاصول العربية لتاريخ سوريا في عهد محمد على باشا» وكان عدد اجزائه خمسة اجزاء. واعتمد رستم صيغة تلخيص للوثائق المصرية. اكثر من ذلك اكد الزائر انه يصعب على بعض الاكليريكيين من طائفته قبول الانفراد بعمل اساسي يعبر عن وجه لبنان الثقافي. وفسر ذلك بقوله انه ناتج عن اعتبارهم تاريخ لبنان تراثا لهم ولا يرضون ان يشاركهم احد في هذا التراث من دون إشرافهم واطلاعهم... ولا نستطيع ان نجازف بإلقاء تاريخ لبنان في «المجهول». ثم انك اذا نشرت التقارير السياسية بكاملها فسيطالب بعض المتشددين من معارضيك بإيقاف السلسلة، لأنها تتضمن إساءات للموارنة، نظرا إلى ان اكثر القناصل لم يكونوا على وفاق مع اعيان الطائفة من الاكليريكيين والمدنيين. واذا حذفت ما يعتبر مسيئا لهم فسيطالبون بتوقيفها بحجة انك تجتزئ من تاريخ لبنان وفي كلا الحالتين فأنت الخاسر. لم تقتصر المطالعة على ما ورد اعلاه مختصرا، بل ارفقت بتذكير المستمع – اسماعيل – ان معارضيك هم اصحاب باع طويل ويستطيعون الحاق الضرر السياسي والمعنوي والمادي بك فيدفعونك الى الافلاس وانت تعلم ان جماعتك - المقصود - هنا الطائفة الاسلامية ليسوا من القارئين بالفرنسية، وكتبك كلها بالفرنسية ثم ان قراءة تاريخ لبنان ليس من هوايتهم. المحاولة الرابعة تمت من خلال الفريق الذي شكله المؤرخ اسماعيل للمساعدة في نشر الوثائق. اذ تبين له بعد فترة ان النسخ التي كان يقوم اسماعيل بتحضيرها والتي يجب ان تذهب الى دار النشر مليئة بأخطاء طباعية ولغوية خلاف ما هي عليه النسخ الاصلية. او انها مختصرة على نحو غير مقبول. الأهم ان هذه الوثائق وعبر عدد من اعضاء الفريق الذي شكله لمعاونته على الاعداد للنشر، كانت تتسرب الى المراجع الاكليريكيية التي تطلع عليها قبل ان تتحول الى الطباعة. هذا الوضع اضطر اسماعيل الى اتخاذ قرار بوقف النشر والحصول على اجازة من عمله في الخارجية اللبنانية، والانصراف الى مراجعة الصفحات التي اعيدت طباعتها بدقة. على أي حال بعد عملية التخريب تلك غادر المعنيون فريق العمل ملتحقين بالميليشيات في ما كان يسمى المنطقة الشرقية خلال الاقتتال الأهلي. الميليشيات ايضاً لم تكن هذه المحاولة هي الاخيرة. اذ تكررت الملاحقة والضغط. وشهد عهدا كل من الرئيس الياس سركيس وأمين الجميل الحملة نفسها التي عرفها عهد فرنجية. لكن ما يتوجب الاشارة اليه هو ان الامر لم يقتصر على الضغط السياسي، اذ تعداه الى محاولة اخطر هي تلك المتمثلة بمحاولة ميليشاوية بالحصول على الميكروفيلم. ففي عام 1976 قصد احد امراء الحرب منزل الامير موريس شهاب في حرم المتحف خلال ساعة متأخرة من الليل يرافقه احد الرهبان وعدد من المسلحين المدججين بالسلاح وأبلغوه بحضور زوجته ان لديهم معلومات بأن المتحف سيتعرض لهجوم من الجهة الغربية للسطو على محتوياته الثمينة وطلبوا منه تسليمه تلك المحتويات، وضمنها ميكروفيلم الوثائق الدبلوماسية، على ان يعيدوها له بعد انتهاء الحرب. ومثل هذا الطلب لا يخفى على احد ان غايته كانت الحؤول دون نشر الوثائق. كان جواب الامير رفضاً للطلب. وهو رفض لم يتغير رغم ارتفاع منسوب الارهاب بخرطشة السلاح مما دفعهم الى الانصراف. علماً ان هذا الميكروفيلم قد فقد من المتحف في مرحلة لاحقة. لكن هذا لم يؤثر في سير العمل باعتبار ان معظم الوثائق كانت قد طبعت على الآلة الكاتبة تحسبا لفقدان الأصل المصور قبل 25 عاما من ذلك التاريخ. آخر تجليات تلك الحرب المفتوحة كانت الحملات الاعلامية التي تعرض لها اسماعيل بدءا من عام 1975 والتي استمرت حتى عام 1980. وهي حملة بدأت بنشر مواد اعلامية على شكل اعمدة في احدى الصحف الناطقة بالفرنسية، ثم بلغت ذروتها بإصدار بعض ما ورد على شكل كتيب حمل غلافا عليه صورة ميزان احدى كفتيه راجحة على الاخرى. اشارة من الجهة التي اصدرته الى تحيز صاحب الموسوعة والمشرف على اصدارها الى المسلمين عامة والدروز خاصة. واللافت ان ذلك الكتيب جرى توزيعه على نطاق واسع. بالطبع كانت تلك الحملة ذات وجه سياسي وطائفي في الوقت نفسه. لكنها لم تنجح في زعزعة مواقف المسؤولين وبالتالي إلغاء العقد الموقع بين الدولة اللبنانية وبين اسماعيل. اذن تعرض اسماعيل الى ما يشبه الحرب الصليبية. وكان الاتهام الشائع في حينه انه يتعمد الإساءة الى الطائفة المارونية عبر حذف مآثر الموارنة عموما والاكليروس منهم على نحو اخص. وكان القصد من مثل تلك الاتهامات ليس سوى ممارسة الضغط في حدوده القصوى، وصولا الى إيقاف صدور الموسوعة، وهو ما لم يحصل وتتالى صدور اجزائها. يمكن هنا الدخول في تفصيلات كثيرة حول كل من الوقائع التي اشرنا اليها. سواء كانت اتصالات او لقاءات او محاولات لقطع الطريق على المشروع. وكذلك حول ما قيل عما نشر وما لم ينشر من وثائق، والمقاييس العلمية التي تم اعتمادها في اختيار الوثائق، علما ان ليس هناك من دولة في العالم بما فيه الولايات المتحدة الاميركية وفرنسا وغيرها تستطيع نشر وثائقها كاملة ومن دون أية عملية اجتزاء. لا سيما ان الكثير مما يبعث به الدبلوماسيون والقناصل ليس له من فائدة علمية او تأريخية او بحثية حتى. وقد يكون مجرد قضايا ادارية او معاملات روتينية كالتي تعرفها السفارات والقنصليات اليوم. لم يكن اسماعيل وحيدا في المعمعة التي خاضها بتجرد، اذ ان العشرات وقفوا الى جانبه، بدءا من المسؤولين في رئاستي الجمهورية والحكومة ووزارة الخارجية والسياحة وصولا الى عشرات الباحثين والمؤرخين الذين نافحوا عن المنحى العلمي والمتوازن الذي اختاره في عملية النشر. وهكذا تلاحقت المجلدات حتى بلغت قرابة الخمسين مجلدا شكلت رصيدا لا يقدر بثمن لدى أي مشروع عمل تأريخي يتناول لبنان بمكوناته السياسية والفكرية والاجتماعية خلال تلك السنوات التي تناولتها التقارير التي باتت بالمتناول، بدل ان تبقى محفوظة في خزائن الدول الاوروبية، مما يضطر أي باحث الى تحمل اعباء وكلفة السفر للاطلاع عليها والحصول على نسخ منها مصورة. أهمية ما تناولناه، وهو يرقى الى اعوام الحرب الأهلية، يتجاوز دلالات الوقائع التي عرضنا لخطوط عامة من تفاصيلها انها تؤشر الى مدى التنافس على تاريخ لبنان بين مكوناته الطائفية او قبائله بحسب تعبير لحد خاطر وهو ما ينسحب ليس على المدارس الفكرية والاتجاهات الايديولوجية لدى المؤرخين، بل على التاريخ المدرسي الذي تتكرر المحاولات لإخراجه من احتكار الطوائف الى رحاب الوطن والعلم من دون نجاح يذكر حتى الآن على الأقل.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة