As Safir Logo
المصدر:

«شـرفة العـار» روايـة لإبراهيـم نصر اللـه متى يغسل الرجال عقولهم من ثقافة العار؟

المؤلف: سلطان جينا التاريخ: 2010-09-10 رقم العدد:11689

يتناول الأديب الفلسطيني إبراهيم نصر الله في روايته «شرفة العار» (منشورات الاختلاف، 2010) قصة الجاهلية المقيمة في المجتمع الأردني والمتسترة تحت اسم جرائم الشرف أو غسل العار، والتي تنهل من ثقافة العار ومفرداتها المتشعبة. يبدأ إبراهيم نصر الله روايته بمشهد احتفالي جميل يصور أباً مقعداً ينهض عن كرسيه المتحرك ويرقص فرحاً بنجاح ابنته الوحيدة ونيلها الشهادة الجامعية، ما يوحي ببهجة مميزة منتثرة في حنايا النص، تؤكد أن الرواية قد كتبت بحنان كبير يحتفي بالأنثى وألقها المحجوب تحت ظلال القسوة الذكورية. تدور الرواية بشكل أساسي حول علاقة أب بابنته، ونضاله الدؤوب كي تحظى بفرصتها في الحياة الإنسانية الكريمة، بعيداً عن شروط الحريم وسياسته، ما يجعله يرفض بتصميم تزويجها، حتى كرهه إخوته الخمسة، خصوصاً الأكبر المدعو سالم، المتربص لأقل هفوة قد تشي بالعار، فالعرف يقضي بأن يرفع الرجل رأسه بأولاده لا ببناته! يعتني «نصر الله» بالتفاصيل عناية كبيرة، ويعشقها ضمن حبكة روائية قوية تستند إلى تقنية الاستباق والاسترجاع ما يجعل الرواية أشبه بفيلم سينمائي جميل، تتلاحق أحداثه بسرعة تتيح له أن يعالج الأسباب ويربطها بالنتائج في إيحاء ذكي بالإدانة للمجتمع الذكوري وأوهامه عن الشرف والعفة. تهديد وخوف اختار «نصر الله» لبطله أبو الأمين صفة العامل في مصنع للاسمنت، ما يعني دخلاً محدوداً قد يقف عائقاً أمام مشروع تعليم الفتاة، خصوصاً أنها شقيقة صغرى لثلاثة أخوة، وزوده منذ البداية بثقة ذاتية لا تحطمها ثوابت القبيلة وأوهامها، فهو يترك المصنع بعد أن يتبع دورات مكثفة لتعليم قيادة السيارات، ويشتري بمدخراته المتواضعة سيارة مستعملة تتيح له دخلاً معقولاً، وحلماً بالتقاعد يتوافق مع نيل ابنته الشهادة الجامعية. أما لماذا احتفى أبو الأمين بابنته الوحيدة بكل تلك المحبة والإيثار، فذلك لأنه آمن أن البيت الذي لا توجد فيه فتاة هو بيت فارغ لا معنى له، إذ لا يمكن أن تنبت فيه شتلة ريحان أو شتلة نعناع أو يتفقده الله برحمته! واظب أبو الأمين على توصيل منار إلى الجامعة إلى أن أقعده ألم ظهره، فاشترى لها هاتفاً نقالاً ما أثار حسد أخيها الأمين، الذي ترجمه فعلياً بالتجسس عليها، فحين كان ينظر إليها وهي تستقل الحافلة للمرة الأولى، وحين تبعها محاذراً أن تراه، لم يكن يعرف إن كان يريد أن يطمئن عليها، أم كان يريد شيئاً آخر، هو لا يعرفه، أو لا يجرؤ على التفكير فيه. أما منار فكانت تفكر للمرة الأولى في حياتها، في المعنى الحقيقي لكلمة شقيق، وتأكد لها أن المعجم يرصد قول الأقدمين عن النساء أنهن شــقائق الرجال أي نظائرهم وأمثالهم في الأخلاق والطبــاع كأنهن شققن منهم! اضطر أبو الأمين للاستعانة بسائق يدعى يونس كي يوفر للمنزل دخلاً مادياً، الأمر الذي فتح مجالاً واسعاً أمام الشبهة والريبة والطمع، ودفع الأحداث نحو اكتساب طابع التهديد والخوف المبطن، وضَمِنَ التداخل بين السرد والذكريات الاستراحة من عناء الترقب، والتأكيد على جانب الفخر بسلوك الفتاة ووفائها لأسرتها، فهي تسارع إلى تقديم راتبها منذ استلامه، في حين يحتفظ شقيقها الموظف في البنك رؤوف براتبه كله هناك، مستنزفاً طاقة والده وماله. لثقافة العار مفردات تميزها، تدفع معتنقيها إلى أحضان الجهل والتجهيل، فالأمين العاطل عن العمل، لا يتردد في إقامة علاقة بجارته المطلقة الحسناء تمام، والعم الأكبر سالم ينذر أخاه بعاقبة الدلال ويعيره بأنه متعلم وكأنها شتيمة تحقر صاحبها، أما الهاتف النقال فيتحول إلى لعنة حقيقية، حين تجد منار نفسها ذات يوم مضطرة لأن تجيب على إلحاح مكالمة دمرت أعصابها، فيتهمها فحيح ذكوري بالعاهرة لأنها وحدها من تجيب على مكالمة لا تعرف رقم صاحبها، وتلك كلمة كانت كافية لتمزيقها، ما يشي بهشاشة الأنثى، وهذه النقطة بالذات هي التي عول عليها الكاتب لتصعيد أزمة الرواية، وصولا إلى انتهاك جسد منار على يد السائق الدمث يونس، الذي اتخذ من عجزه عن مواجهة خديعة أخيها الأمين وانتهازيته، طريقة منحطة للانتقام منه. بين الحقد والحسد تتوطن ثقافة العار في قلوب الرجال الوحشية، الذين كما وصفهم الكاتب بأنهم لا ينتمون بلباسهم وملامحهم إلى أي لحظة فرح، وقصة منار لا تتوقف عند هذه الحدود، فالراية السوداء تنصب فوق عتبة البيت والعم سالم يطالب بالقصاص، والسائق المنحط يتوارى، وما بين تثبيت الراية السوداء واستبدالها بالراية البيضاء، تدخل منار السجن بحجة الحماية، ويتواصل الانتهاك الجسدي من النساء وتحرشات رجال الشرطة، وتستطيل القصة لتتكامل مع قصص أخرى لا تقل عنها ألما، فتغريد الصبية اليافعة تغتصب من قبل شقيقها، وحين تفضحه يقتلها دفاعاً عن الشرف، أما لبنى فتدفع ثمن حبها تنكراً من الحبيب ومواجهة لكتيبة الإعدام المؤلفة من إخوتها السبعة ووالدها، بالمقابل تسجن شامة لمدة ثمانية أعوام، لأنها خنقت حفيدها الوليد خوفاً على ابنتها من الذبح، في حين لا يحكم على منفذ جريمة العار/الشرف إلا بستة أشهر، فالحكومة تخاف على مواطنيها الذكور أكثر مما تخاف على مواطنيها الإناث، ولهذا أبقت ذلك القانون الذي يحميهم كما عبر الذباح/القاتل وهو يطلق النار على شقيقته مبتهجاً! أحضان الموت ثمة لوحة مؤثرة جداً أطرها «صنع الله» وكررها كلازمة عدة مرات، تمثلت بمشهد منار الصغيرة وهي تخطو خطواتها الأولى فتتعثر لتسقط في حضن شقيقها الأكبر الأمين، ما دفع الأب الحنون إلى أن يقول له: «عليك أن تتذكر جيداً في المستقبل، أن هذه الصغيرة اختارتك لتكون سندها، وإياك أن تكون أقل من هذا». يعرف أبو الأمين أن الناس تتغير، لكنه لم يكن يعرف المدى الذي يمكن أن يبلغه تغير ابنه، فحين تستدرج منار إلى خارج السجن بذريعة السفر إلى دبي بصحبة رؤوف، يكون في انتظارها الأمين بمسدسه، تدعمه أنظار رجالات القبيلة الحاقدة، وهو الأمين نفسه الذي حارب كي يتزوج ابنة خالته نبيلة ثم يخونها سريعاً مع تمام، وحين يذاع سره يتزوجها، لترقص نبيلة في عرسه كطائر ذبيح. الأب الذي كان فرحاً بابتسامة ابنته الصغيرة القادرة على أن تمحو شقاء أسبوع عمل مضن، لم يستطع إنقاذها من براثن الحقد والكراهية، فانساقت إلى مصيرها من دون أن تتذلل أو تستعطف جلاديها، وانتشرت كلمات رسالتها الأخيرة في أجواء الصمت المتواطئ تناشدهم: أحبوني ولو قليلاً، ولو في سركم، فهذا الحب هو وحده الكفيل بمسح هذه الدموع التي ذرفتها في السر والعلن، في الليل والنهار بسبب غدر الزمان! الفتاة التي لم تخِط أمها لها إلا فساتين عرس، حولتها إلى زهرة لوز دائمة التفتح، انتهت بأن زفت إلى أحضان الموت لتؤكد كلام شامة: «سواء، كلهم سواء، تضحي بعمرك من أجلهم، لكنهم يتعاملون معكِ كأنك الدنس الوحيد في حياتهم الطاهرة». وضمن هذا المعنى كتب الروائي الألماني الكبير روايته القاسية «شرف كاترين بلوم الضائع» ليبين كيف ينشأ العنف وإلى أين يمكن أن يؤدي، ثم أجاب عن السؤال بروايته «نساء أمام طبيعة نهرية»، ليوحي بأن النــساء هن الماء الذي يغسل قلوب الرجال من أدران الحقد والكراهية والحسد! (كاتبة فلسطينية)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة