دشن فلاسفة الأنوار في القرن الثامن عشر نقد الدين معرفياً، أي استناداً الى المعرفة العلمية. لكن دايفيد شتراوس خالف هذه النظرة العلمية لأنها، بحسب رأيه، تستبعد التاريخ. فمعجزات المسيح مثلا لا يمكن معالجتها بالمنطق العلمي البحت، أو بالنظر العقلي المجرد، كأن نبحث هل حدثت هذه المعجزات حقاً أم لا. فهي «حقائق» داخلية لدى المؤمنين بها، مع أنها، كحقائق تاريخية، مشكوك في صحتها إن لم تكن غير صحيحة تماماً. كارل ماركس الملحــد رأى، بدوره، أن الأفكار لا تعالج كانعكاس تلقائي للشروط الاجتماعية على غرار ما كان يدعيه ماديو القرن الثامن عشر، وموقـف ماركس من الدين لا تلخصه عبارة «الدين أفيــون الشـعوب» كما درجت عليه عادة المناوئين للــماركسية، بل ذلك النص الشعــري الذي أبـدعه ماركس نفسه بقوله «إن الدين هو النظرية العامة لهذا العالم، خلاصته الموسوعية ومنطقه في صيغته الشعبية، مناط شرفه الروحي وحماسته، وجــزاؤه الأخلاقي وتكملته المهيبة وأساس عزائه وتبريره الشامل. إنه التحقق الخيالي لكينونة الإنسان لأن كينونته لم تتحقق في الواقع. إن الشقاء الديني هو تعبير عن الشقاء الواقعي، وهو، من جهة اخرى، احتجاج عليه. الدين هو زفرة الإنسان المقموع، قلب عالم لا قلب له، وهو روح لشروط اجتماعية لا روح فيها... إنه أفيون الشعوب» (ماركس، «نقد فلسفة الحق عند هيغل»). لم يكن الصادق النيهوم ماركسياً في نقد الدين، لكنه كان ماركسياً في نقد الفقه والفقهاء والشعائر اليومية المبلدة للعقل وللحس معاً. ومهما يكن أمر هذه المقارنات التي تحمل المجازفة في الأحكام، ففي الإمكان القول إن الصادق النيهوم كان، بالفعل، سليل تيار العقلانية النقدية في الفكر الإسلامي المعاصر. ومن سوء حظ الصادق النيهوم، وحظوظ غيره من المفـكرين العقلانــيين العــرب أمثال شبلي الشميل ومنصور فهمي وطه حسين وسلامة موسى وعبد الرحمن بدوي وأدونيس وصادق جلال العـظم ونصر حامد أبو زيد ومحمد أركون وعبد الله العروي وغيرهم أنهم اليوم كمن يعطس في سوق النحــاسين، فلا أحـد يشمِّتــهم (أي يقال لهم: يرحمكم الله)، لأن لا أحد يسمعــهم جيداً، بعدما طردتهم الثقافة الإسلامية الغارقة في فتاوى الفقهاء من فضائها، ثم أقصتهم من ديارها. وفي هذا الســياق يبدو لي أن أبو حــامد الغــزالي وابن تيــمية مثلما انتصرا، ولو مؤقتاً، على ابن رشد، فإن الفقهاء اليوم عاجزون عن إنتاج نص فكري واحد له قيمة، وهذه هي حال الأنظمة السياسية العربية أيضاً، فهي تعيش خواء فكرياً مروّعاً، وهي على كثرة «مفكريها» وكتّابها ومنظريها والضــاربين بسيفها، لا تملك ردا على تحدي الإسلاميــين لها إلا الدعوة الى «إسلام معتدل»، والقذف بأشخاص من طراز عمرو خالد وخالد الجندي ومحمد سعيد رمضان البوطي والقرضاوي ليتسلموا دفة المواعظ اليومية على شاشات التلفزة العربية. الصادق النيهوم هو شــوط جــديد وألمعي في تيار العقلانية العربية النقــدية المعاصرة، وهو الى جانب محمد شحرور في كتابه «القرآن والكتاب» حاول أن يقدم تفسيرات لغوية وتاريخية جديدة ومتجددة للنص القرآني. لكن محمد شحــرور الذي اكتفى بما قدمته إليه اللغة العربية من خيارات متعددة في توليد معان مختلفة للألفاظ القرآنية، ظل واقفاً عند حدود اللغة التي لا تستطيع، في نهاية المطـاف، أن تحل لغز «آدم» وبداية البشرية من نسـله، أو حكاية نوح والطوفان والفلك الذي اتسع للمخلوقات كلها، فهذه الأمور تدخل، أساساً، في نطاق الانتروبولوجيا. واللغة وحدها لن تحل أي لغز في قصـة النبي يوسف، فهذه مضمارها علم التاريخ. لكن الصادق النيهوم اتبع منهجية متعددة الطرائق التفسيرية كاللغة، ولا سيــما الآرامية والعبرية، والتاريخ، والتوليد المعرفي استناداً الى العلوم العصرية، ومنهج المقارنة بالديانات التي سبقت الإسلام كاليهودية والمسيحية. وقد مكنته هذه الطريقة في النظر والبحث والمقابلة الى مواقف راديكالية وضعته، في هذا الميدان، الى جانب عصام الدين حفني ناصف والعلامة الشيخ عبد الله العلايلي. الفقه في خدمة التوراة يرى الصادق النيهوم أن أحكام السنّة النبوية هي، في شكلــها ومحتواها، تطبيق حرفي لأحكام التوراة، ولا علاقة لها بجوهر الدين، مثل الختان «الذي هو عادة دموية مروّعة لا طائل من ورائها سوى العذاب الجسدي والعقد النفسية» (أنظر كتابه «إسلام ضد الإسلام»). ويعتقد النيهوم أن طقوس ذبح الحيوانات وتحريم الصور والتماثيل، علاوة على عقــوبة قتـل المرتد، إنما هي أوامر يهودية، وأن الفـقه الإسلامي ورّط المسلمين بالشرائع اليهودية البالية. ويشدد النيهوم على أن حجاب المرأة مثل ختان الذكر فكرة لم يعرفها إلا سكـان الصحراء في العالم القديم، وهي ليست فريضة دينية. ويضيف: «منذ مطلع القرن الهجري الأول كان الفقه الإسلامي يتلقى علومه، بحماسة كبيرة، في مدرسة التوراة» (أنظر كتابه «الإسلام في الأسر»). ويرفض الصادق النيهوم القول إن قواعد الإسلام، أو أركان الإسلام، هي خــمس، ويعتــقد أن حصر الإسلام بهذه القـواعد أساسه حديث رواه أبو هريرة عن رجل أتى النبــي وسأله: «ما الإسلام؟»، فقال الـنبي: «الإســلام أن تعبد الله ولا تشرك به، وأن تقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان...». وبناء على هذا الاعتقاد رفض النيهوم إقامة الشعائر، ودعا الى إقامة العدل («إسلام ضد الإسلام»). وبهذا المعنى دعا الى تغيير وظيفة الجامع من مكان للصلاة الى مكان لممارسة الديموقراطية. فالجامع، بحسب الصادق النيهوم، هو برلمان المسلمين في كل قرية أو حي أو مديـنة، بينما الجامع، في نظر الفقهاء، هو مكان يتــنازل فـيه المواطن عن صوته، ويتعلم أن يجلس صامتاً خفيض الرأس في حضرة واعظ يقرّعه على ذنوبه. فالمسجد للصلاة، أما الجامع فللحوار، حيث كل واحد من المصلين له حاجة عند الله لكنه لا يفتح فمه في بيت الله («الإسلام في الأسر»). خرافة أمية النبي حاول الصادق النيــهوم أن يعيد دراسة القصة الواردة في سورة «العلــق» عــن النبي محمد حين كان يتعبد في غار حراء، وجاءه الملاك قائــلاً: «إقرأ»، فوجــد أن ثمة خطأ لغوياً في هذه المحاورة وقع فيها جميع المفسرين، وتداولوهــا طوال 1400 عام حتى صارت راسخة تماماً. فكلمة «إقرأ» لا تعني القراءة، لأنها، في أصلها الكلداني (ربما السرياني ـ الآرامي) تعني الإعلان والجهر والتبليغ، مثل القول «إن فلانـاً يقرئكم السلام»، أي يبلغكم السـلام. والآية «إقرأ باسم ربك» لا تطلب من النبي أن يقرأ، بل تكلفه إعلان الدعوة، وهي دعوة أفصحت عن نفسها بوضوح في سورة «المدثر» حينما ورد فيها: «يا أيها المدثر قم فأنـذر». وفي سياق نقده التفسير التقليدي المتوارث عن معنى كلمة «إقرأ»، وتقديمه قراءة مخــتلفة لها، يجهر النيهوم بأن أمية النبي محمد مجرد خرافة. قضايا قديمة وأفكار متجددة إن معظم أفكار الصادق النيهوم ليست جديدة على تاريخ المــجادلات في الفكر الديني، قديمه وحديثه، فأمــية الــنبي، وحد الردة، ورجــم الزانية، فضــلاً عن قــضايا شائكة خلافية اخرى مثل الجنة والنار، وعذاب القبر، ورضــاع الكبير، وشفاعة الرسل... الخ طرقها المفكرون الإسلاميون منذ زمن بعيد، وهـي قضايا ما زالت تحوم، حتى اليوم، في سماء التفكير الإسلامي، الأمر الذي جعــل «القرآنيين» الذين يتزعمهم أحمد صبحي منصـور، الأستاذ الأزهري السابق واللاجئ في الولايات المتحدة الأميركية بعد محـاكمته في مصــر سنة 1987 يعودون إليها مجدداً، ويبــنون أفكارهم عليها. وقد درسها بعمق وتجديد رائعين العلامة الشيخ عبد الله العلايلي في كتابه المدهش «أين الخطأ؟». وتجاسر عصام الدين حفني ناصف على تفكيك قصص الأنبياء (موسى وداود وسليمان والمسيح) وإعادتها الى منبتها الأسطــوري القــديم. لكن الجديد حقاً في كتابات النــيهوم هو الجرأة على مصادمة الفكر الديني الموروث في مرحلة معقدة ومضطربة اتسـمت بسطوة رجال الدين على حياة الناس وأفكارهم، أي حقبة ما بعد هزيمة الخامس من حزيران 1967، ومهما يكن الأمر، فإن كــتابات الصادق النيهوم النقدية الثاقبة لم تتبدد هباء في خضم الهذيان الديني الذي يلف العالم الإسلامي برمته كعمامة هندية كبيرة، بل صارت مرجعاً ثقافياً ومعيناً فكرياً للتيارات التقدمية والعلمانية في العالم العربي بأسره. قصارى القول إن الصــادق النيهوم الذي ظل مصــراً في جميع كتــاباته، على مخاطبة الظــالم والطــلب إليه أن يكون عادلاً، كان يعرف أن هذا الأمر يبدو مثل مخاطـبة المجنون بالقــول: كن عاقلاً. فإذا قــلنا للمــجنون ذلك فسيــجيب فوراً: أحســنت، إن العقل زينــة الرجال. والصــادق النيــهوم، كان حقـاً زينة المفكــرين العــرب النــقديين منذ سنة 1970 على الأقل حتى رحيــله الفاجع في سنة 1994، وهو لم يتم الســابعة والخمسين.